أثر دوائر المعنى في انحرافات التركيب دراسة في شعراء الجنوب المعاصرين (2)

أثر دوائر المعنى في انحرافات التركيب دراسة في شعراء الجنوب المعاصرين (جعفر أحمد/ أحمد حافظ / محمد العارف) نموذجاً

أ.د/ محمد عبد الرحمن محمد الريحاني

أستاذ علوم التركيب والدلالة كلية دار العلوم- جامعة المنيا

– المادة عينة الدراسة:

تخيرت الدراسة ثلاثة من شباب المبدعين خلال عمر زمني يقع إطاره في ربع قرن تقريباً من مواليد 91 حتى 2017م، ويقع الإطار المكاني في منطقة الجنوب ممثلة في نموذج الفيوم والمنيا وأسوان، وقد هدف الاختيار الزماني والمكاني إلى استيضاح أثر ثقافة المكان على المكون الزماني، إذ طبيعة الجنوب سمتها العام الارتباط بالأرض وحرفة الزراعة التي تجعل من قيمة الأرض معادلاً يساوي العرض والحياة والمنتهى في الموت، من ناحية أخرى فإن سمة الانتظار في علاقة الفرد بالوقت هي السمت البارز في بيئة الزراعة حيث الفلاح يبذر ويحرث ثم يروي ثم يراقب انتظار الحصاد شهوراً يتعهد فيها زرعه بين الري وتنظيف الأرض من دخيل الحشائش… إلخ ما تتطلبه بيئة الزراعة.

وهي ذاتها بيئة الحرفة التي تجعل من المالك قيمة وعلى قدر الثروة على قدر المتعة وعلى قدر الثراء على قدر ما يكون سيداً له من العمال أو الخدم وهو شكل أورث التفاوت الطبقي العائلي المحسوس في البيئة الزراعية التي تحتاج إلى القدرة على العمل وعلى حماية الثروة مع اتساع الممتلك هنا وهناك، ولا يكون ذلك إلا بالخفر والعبيد والعمالة… إلخ متطلب الحماية، ناهيك عما أورثه ذلك التقييم المجتمعي من تضخيم القوة القائمة على الأصل والعزوة القائمة على كثرة البنين والولد خاصة من الذكور.

وتتفاخر فيه طبقية العائلة بقدر ما لديها من ثروة ومن أصالة لارتباطها بالأرض ومن نوع وجودة الثمر ومن المستوى الاجتماعي حيث تصبح دوائر التصاعد الاجتماعي من الأعلى ثروة وقوة إلى الأقل حتى في العائلة الواحدة، وكذلك في سلسلة النسب التي تجعل شجرة العائلة فيصلاً للأصل حيث الوضع الارتباطي بالأرض التي بالقدرة والساعد أسسها الجدود من الذين جاءوا مع الفتح الإسلامي فتركزت في هذه الأماكن قبائل قريش بما لها من شرف النسب إلى الرسولr وميراث الشرف في سيادة العرب، وتركزت قبائل بهراء وتميم وبنو أسد حتى أن اللهجة العامية جعلت قيمة في الانتماء، فهؤلاء ينطقون بالجيم المعطشة لقريش، وهؤلاء ينطقون بتلتلة بهراء كما في المنيا والفيوم… إلخ تلك السمات التفاخرية حتى في اللهجة.

ولقد أفرز هذا الانتماء البيئي ثقافة خاصة بين أهل الجنوب واستساغت أذواقهم موسيقا خاصة قوامها الناي والرنين الذي يحركهم في الحزن على المفقود فميتهم بطل لا تقاس عليه الأبطال، فهم كأساطير العرب في عنترة وغيره حيث عنترة في نفسه البطل الفرد حين يقول:

إذا الأبطال فرت خوف بأسي

تري الأقطار باعاً أو ذراعاً

 

وقيم الرجولة والكرم فيهم حاتمية ومعدية تقوم على فلسفة إكرام الضيف وحماية الجوار، وثأرهم لا ينتهي كما هو في حرب الغبراء والباسوس… إلخ العمق الثقافي الموروث في خصائص هذه البيئة.

ومع تطور الزمان والانزياح الثقافي المتلاطم في التفاعل من الشمال إلى الجنوب حيث من الجنوب شخصية عبد الناصر بقوميتها العربية والتركيز على تأصيلها وظهور جيل جعل منه الشخصية الأسطورية القادرة في ثقافة العامة على صنع أي شيء، وتجاوزت مؤثر معطيات الزمن فيما مرت به مصر عامة من هزائم في 48، 68 حتى نشأ جيل الرفض المتمرد على أسطورة الفرد في الإبداع كما هو عند صلاح عبد الصبور وأمل دنقل وغيرهم، ثم مرت البلاد بمرحلة النصر في 73 وأثرت كل هذه الوقائع في تغير الوضع الاجتماعي بتحولاته المختلفة، وبدأ الجيل المثقف من أهل الجنوب يجعل من مبدعي ومثقفي الشمال قبله ومن الشعراء الثائرين على الأوضاع نماذج تحتذى، وبدأت فترة الانفتاح والتصارع الطبقي والسياسي، وبدا معامل التدين أحد أركان المعاملة حيث بدت فئات تكفر بصراع الحياة ومرارتها متجهة إلى التصوف والزهد أو ترك ما ظنوا أنه لا يعنيهم؛ فكثرت حلقات الذكر والطرق الصوفية وأيام الموالد للأولياء الذين صنع منهم البعض قبلة، وبدا الحنين إلى البطولة واضحاً في ملاحم الهوارة وأبي زيد الهلالي والزناتي خليفة، وظهر التائقون إلى شعر ابن الفارض وابن عربي والحلاج وشعراء الصوفية في رموزهم المعادلة لطلاسم الحياة غير المفسرة عند جيل إلا بالهروب إليها حتى بزغ نجم المنشدين وإقامة الحفلات الحاشدة لهم…إلخ.

وبين تيارات العلم وأبعاد التصوف استغل الوضع في فترة التسعينات امتداداً لما قبلها حيث برز التيار الاشتراكي الشيوعي في فترة ثم تحول الأمر إلى الوضع الرأسمالي في الانفتاح الطاغي وبين هذا وذاك تغيرت معايير وقيم اجتماعية متعددة، ثم دعم التيار الديني ليقف في وجه التيار الجارف من العلمانية واستغل ذلك البعض في تحقيق مكاسب شخصية لهم لا تقوم على أسس دينية وإنما تقوم على قيم منفعية تفرض من خلالها السيادة والطاعة لأمير الجماعة الذي يجني ويتمتع بكل شيء وأمره نافذ، يضحي غيره ويتمتع هو، وظهرت تيارات السلفية والجهادية والتكفيرية والإخوان.. إلخ التيارات الدينية التي أصبحت فيما بعد مشكلة لاستقرار النظام في الدولة الموحدة.

ومن هذه النقطة تأتي قيمة اختيار الزمان في هذا البحث حيث الفترة من 90- حتى 2017م شهدت هذه الحقبة تطورات سريعة ومتلاحقة ومدوية على المستوى الداخلي والخارجي؛ فهي فترة المطامع في شرق أوسط جديد يعاد فيه تقسيم كل مقسم، وتستلب فيه الثروات من أيدي أصحابها فأشدت مقاومة الدولة للإرهاب والفكر المتطرف داخلياً في فترة التسعينات، وأصبح المقاوم الوحيد لها هو العنصر الأمني دونما خطة فكرية لمواجهة تطرف الفكر بجوار الفكر إلى جوار القانون، وخارجيا اهتزت الساحة العربية بعد حرب الكويت واحتلال العراق لها.

ثم أخذ المخطط الغربي يظهر جلياً في تحويل المستهدف إلى واقع فاحتلت العراق ولم تمض سنون حتى بثوا العملاء للمخطط الأكبر في كل ربع من أرباع الوطن العربي؛ فظهر ما سُمي بالفوضى الخلافة والربيع العربي الكاذب، وأصبحت نيران المدافع والطائرات تصب جامها على رؤوس الأبرياء هنا وهناك وضحى بالرموز على معيار الطغيان كالخرفان في أضحية الأعياد، وضاعت العراق واهتز الوضع في تونس فليبيا فسوريا فاليمن، وبهتت قضية المحور في فلسطين، وضربت الفوضي مصر فيما سمى بالربيع فرفعت شعارات استغلت من تيارات مأجورة لضياع الوطن وتلاحقت الأحداث ولولا رحمة من الله بمصر أن حماها بجيشها ورمز من رموز الإخلاص للوطن قائدها عبد الفتاح السيسي لوقعت في مصير غيرها من بلاد الجوار.

ومن ثم فإن اختيار البحث قد وقع على ثلاثة من شعراء الربع قرن الأخير الذي مثل مصب الأحداث الجسام فاختير الشاعر الشاب جعفر أحمد حمدي من مواليد المنيا أغسطس 1991م ثم الشاعر الشاب أحمد حافظ من مواليد الفيوم 1994م ثم الشاعر الشاب محمد العارف من مواليد الأقصر 1996م.

وقد كانت عناية الاختيار لهؤلاء الشعراء كونهم تجمعهم جذور ثقافة واحدة في التعليم والزمان والمكان، ففي التعليم كلهم تلقوا تعليماً ذا صبغة لغوية دينية فاثنان منهما من خريجي كليات دار العلوم بالمنيا والفيوم والثالث من أصول المعاهد الأزهرية وإن أتم دراسته الجامعية في المسرح، وهذه المسحة المشتركة تمثل معياراً علمياً في البحث لاستكشاف أثر التكوين الثقافي والمعطى البيئي والعوامل الخارجية من ثقافية واجتماعية… إلخ على إيداعهم في الوقت ذاته فإنه التكوين الثقافي الذي امتاح منه الثلاثة يجعلهم من الدارسين لقيم الأدب العربي خاصة الشعر الجاهلي والإسلامي والعباسي…إلخ نهاية بالشعراء المحدثين من مدارس الرمز الشعري في الشعر الحر كصلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي وأمل دنقل وبدر شاكر…إلخ.

ولقد وضع البحث عينته في الشعراء الثلاثة حيث قدم جعفر سبع قصائد هي “ملح الأبجدية” “أرض مهيئة لمعنى لا يجئ” “ضحكة تنشر الأزهار في دنيا” “الشعر ميتة الوحيدة” “عطشان يا ربي” “جدار مفعم بالحب” “أحبك من جلد الرصاصة حكاية”.

وقدم أحمد حافظ شاعر الفيوم ثلاث عشرة قصيدة هي “سوف أبقي على جبلي” “سيرة عن فتى ما” “فتاة خلف المستحيل” “أغنية وثورة” “وقفة على الطلل الأخير” “مجنون بلا حظ” “غريبان على الباب” “رفيقان في زمن صعب” “أقوال” “أحزان” “مرثية” “عودة وانكسار” “على باب الله”.

وقدم محمد العارف شاعر الأقصر خمس قصائد هي “الليلة مطر” “راقصة العرس القروية” “حاجة بسيطة جداً” “مضطر أن أبقي” “أنا ذاهب للثورة يا أمي”.

وتعتمد جميع القصائد على نظام السطر الشعري الذي يتيح للنفس التقطيع حسب الدفقة الشعورية ودوائر المعنى التي يغزلها الشاعر، كما أن معظمها جاءت مع تفاعيل البحور الصافية؛ ومن ثم فإن البحث سيقف أمام اختيار النماذج المشتركة أو المتفردة لدعم هؤلاء الشعراء بالتحليل والدرس.

موضوعات متعلقة:

أثر دوائر المعنى في انحرافات التركيب دراسة في شعراء الجنوب المعاصرين (1)

أثر دوائر المعنى في انحرافات التركيب دراسة في شعراء الجنوب المعاصرين (3)

أثر دوائر المعنى في انحرافات التركيب دراسة في شعراء الجنوب المعاصرين (4)

أثر دوائر المعنى في انحرافات التركيب دراسة في شعراء الجنوب المعاصرين (5)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img