أثر دوائر المعنى في انحرافات التركيب دراسة في شعراء الجنوب المعاصرين (4)

أثر دوائر المعنى في انحرافات التركيب دراسة في شعراء الجنوب المعاصرين (جعفر أحمد/ أحمد حافظ / محمد العارف) نموذجاً

أ.د/ محمد عبد الرحمن محمد الريحاني- أستاذ علوم التركيب والدلالة كلية دار العلوم- جامعة المنيا

  • ظاهرة الانتظار وتشكيلاتها:

جاء التعبير عن هذا في تشكيلات مختلفة ففي شعر جعفر نراه يبدأ بمركب إضافي “دفء الحقيقة” يمثل تشبيهاً بليغاً يجعل من الحقيقة ملتحفاً يحميه من كل شيء، ولكن ذلك مقيد بالانتظار كما ينتظر الفلاح ثمر الزرع “حين تنبت سنبلة”، وهو الباحث عن نموذج الحامي والرموز للقبيلة بشرط أن يكون مثالاً قوياً لكن ذلك يحتاج إلى انتظار وبحث.

شيخ القبيلة

توَّجوهُ مَليكَهُمْ،

والنَّاسُ تبحثُ عنْ فتىً

لتُكلِّلَهْ ..

وحتى الحلم الذي يتمناه ليتحقق فإنه ينتظر بطلاً نموذجاً غيره أيضاً من يحققه له، ففي قصيدة “الشِّعرُ مِيتَتُهُ الوحيدةُ”

حلَّفتُكمْ بالعيْشِ والمِلْحِ امتنانًا؛

أنْ تكونُوا قدْرَ تكملةِ الرسالةِ،

أنْ تكونُوا رهْنَ ما رَادَتْ فراشاتُ

الحدائِقِ والندى؛

ونراه في قصيدة ” أرضٌ مُهيئَةٌ لمعنىً لا يجيءُ” يكشف من بداية العنوان معنى الانتظار حتى يختتم القصيدة بقوله:

فكأنَّهُ معنىً وفرَّ إلى المدى

باللّهِ قُلْ لي كيفَ يرجِعُ مارِقُ ؟!

وفي قصيدة ” عطشانُ يا ربِّي” يستخدم الشاعر رمز الماء المفقود لمعنى الحياة المفقودة والاستقرار المنشود، ويجعل من المحبوبة معادلاً لذلك العطاء؛ فيصرح بانتظار هذا المعنى فيقول:

كنتُ انتظرتُكِ عندَ بئرٍ جفَّ ماءُ اللّهِ فيهِ،

وآملاً في ريقكِ النهرَ الذي أرجُوهُ

وكما استخدم جعفر الرمز البيئي من السنبلة والنخيل والبئر والماء والملح ليشكل منه إيحاءات المنتظر في نفسه؛ نري الظاهرة ذاتها لدى الشاعر الفيومي أحمد حافظ؛ إذ يبدأ عنوان القصيدة بالدلالة المباشرة في سين الاستقبال لانتظار المقبل “سوف أبقى على جبلي” معطياً بهذا المعنى رفضه للواقع المر المرموز إليه بالشجر الطارد للعصافير، والحجر الذي لا يلين لحزن غريب، ويمر هذا المعنى بالقصيدة متداخلاً مع معاني أُخَر حتى ينتظر ما سوف يكتبه ولم يأت بعد:

سوف أبقَى على جَبَلِي

لا أُفكِّرُ إلا بما سوفَ أكتُبُ عن عالَمٍ ودماءْ!

وفي قصيدته “سيرة عن فتى ما” التي يجعل منها معادلاً للمجهول المذكور في الحياة تماثلاً مع المعنى الذي يجري في نفسه وتجلي سره في كل شيء إلى أن يقول عن الموصوف بالمعنى

وقالَ أنا الذي انتظرَ الضحايا

على بابِ السذاجةِ والذهولِ

وهو ذاته حين يتعب ويصبه اليأس من الوصول إلى الأمنية ينتظر في حنين أن تترجم أمانيه فيقول:

وما زالتْ رؤايَ

تحنُّ شوقًا إلى التأويلِ في صمتٍ جميلِ

وفي قصيدة “أغنية وثورة” التي يراها أنها “آتيه في موجة من الخجل” نراه ينتظر المخلص الغائب

“يا سيَّدَ الغائِبينَ في لُغَةٍ مَكْسُورةٍ”

عُدْ.. ولو على عَجَلِ

………..

يا سيِّدي عُدْ فإنَّ معركةً

بي تلتظي نارُها من الجَدَلِ

ويصرح الشاعر بهذا المعنى في قصيدته “وقفة على الطلل الأخير حيث يكشف عن خوالج المعنى الداخلي؛ فهو يقف على جرف هاوٍ يرتجف من الخوف ينتظر الأمل لكن معادل المحبوبة الأمن:

ورَاحَتْ دونَ أنْ ألتَقِي بها

وكَمْ مِنْ مَوَاعِيْدَ انْتَظَرْتُ.. وتُخْلِفُ

ونري أحمد حافظ يكثف هذا المعنى في قصيدة “رفيقان في زمن صعب” يطوي قلبه من الخوف لمشيه في الشارع وهو منزعج من السلطات وينتظر أن يعود الراحلون، يقول:

أنا الآنَ مُنتظرٌ منذُ دهرَيْنِ عودةَ مَنْ رَحَلُوا

والمواعيدُ أبطأُ من عَقْرَبِ الوَقْتِ

يأكلُني الانتظارُ

ومع الإحساس المؤلم بالواقع المرير على نفسه إثر الأحداث والظروف المحيطة نرى أحمد حافظ ينتظر نبي صلاح عبد الصبور بشكل مختلف حيث ينتظر صلاح عبد الصبور نبياً يحمل سيفاً بدلاً من النبي الذي يحمل قلماً مرمزاً إلى الشاعر، لكن أحمد حافظ يريد شاعراً يحمل سحر النبوة في الإقناع يقول منتظراً:

هلْ ثمَّ من مَدَدٍ يتنزَّلُ في شاعرٍ

حاملٍ ما رواهُ النبيِّونَ من حُجَجٍ لانتهاءِ الحُرُوبِ

ومِنْ فكرةٍ لاقتراحِ المحبَّةِ؟!

هلْ ثمَّ من مَدَدٍ يتنزَّلُ في امرأةٍ

تأخُذُ الأرضَ من يَدِها لفراديسَ من رأفةٍ

ومدائنَ مأهولةٍ بالأغاني؟!

وتبدو ظاهرة الانتظار جليلة لدى الشاعر الأقصري محمد العارف في قصيدته “حاجة بسيطة جداً…” حيث يبحث عن معنى الحب الآمن والاستقرار الدافئ في الوطن بلا رقابة متمثلة من نظره في العساكر الذي يتمنى لحظة أن يناموا بلا حروب ودمار حتى يهنأ العالم بالاستقرار، ولهذا الحلم يظل ينتظر اللحظة فيقول:

أنا أحتاجُ بنتاً تحتسي قلبي

ألامسُ دمعتي في خدها

وتحولُ دون تآكلي

وهي الأمنية ذاتها المتجسدة في قصيدته “مضطر أن أبقى”، والعنوان يكشف عن انتظار الأمل والحلم حيث يقول:

مضطر أن أبقى

من أجل فتاة تشبه موسيقى البسطاء

ولكن في عينيها يبصر -من يبصر- حقلًا محترقًا

       وأنا حتى يهدم هذا الحب القاسي منزله

مضطر أن أبقى

ومع إحساسه بصعوبة الحلم لكنه ينتظر المخلص من هذا الواقع المؤلم لنفسه يقول:

يمكنني أن أبقى

إلا أن الضجر أتى كملاك مهزوم في حرب لم ينجبها البشر

ولا خمرة عندي لأواسيه

أتى وأنا مضطر أن أبقى

حتى ينقذني أحد من هذا البئر

  1. تداخل معاني الحلم والأمل واليأس والشعور بالقهر مع دائرة الانتظار.

يمكن أن نلمح تفاعلاً واضحاً لدي الشعراء الثلاثة بين معاني متداخلة طرفها الأول الحلم المأمول الذي يصارع اليأس إثر معطيات الظرف الخارجي ومع ذلك تبدو المقاومة واضحة في ظل ظاهرة الانتظار التي مثلنا لها من قبل.

فإذا رصدنا نماذج هذا التداخل عند جعفر أحمد نجده في قصيدة “دفء الحقيقية” يبدأ بانتظار أمل يتحقق على أرض الواقع فيشعره بدفء الحقيقة، وهذا الأمل المنتظر في نبت السنبلة من أجل

لتُعيدَ مطرودَ الديارِ

ومنزِلَهْ ..

ومن أجل هذا الأمل المنتظر نجده يبذل أقصى الجهد في العطاء.

لكن هذا الأمل وذلك الحلم ما يلبث أن يتبخر مع الواقع المؤلم

“نهَبُ السماءَ

أريجَنا وغناءنا

والأرضُ تنصُبُ فخّها

كي تأكلَهْ ..

ويصل التداخل بين الأمل واليأس في التراوح حتى أن النخيل- الرمز- يحاكي حالة الشاعر، فالدمع يجف وصولاً إلى قمة اليأس ويتحسر الدمع ويتجمد بين الرمز والمرموز إليه ولكنه منتظر أيضاً:

دمعُ النخيلِ يجفُّ

لمَّا شُفتُهُ

لا شيءَ يُجدي

فالدموعُ مؤجَّلَهْ ..

ويستمر هذا الخط المتداخل مع دوائر المعاني المتشابكة بين الحلم والأمل واليأس والانتظار والحسرة إلى أن يلخص في آخر القصيدة:

منْ يُنْكرُ الأحلامَ

ثمَّ مُرَاهِقٌ

فِي الغدِّ ينتفضُ القصيدُ

ليقتلهْ ..

وفي قصيدة ” الشِّعرُ مِيتَتُهُ الوحيدةُ” نرى العنوان مشبعاً باليأس والاستسلام ولا مفر ولا مخرج من الواقع إلى التدثر بالكلمة والموت في حضنها، حتى أنه يبدأ القصيدة في شكل حواري كأنه يستنكر من محاوره أن يظنه في حال أسعد منه، وكأنه الإسقاط العام في اليأس على جبل بأكمله يري الشاعر أنه مرآته فيقول:

وتقولُ:

وحدُكَ مرهقٌ ومحطمٌ،

جسدٌ ومَنْفىً كاحتمالٍ آخرِ .

ورصاصةٌ خانتْ يدَ القنَّاصِ لمْ

تُعطِ الدُنَى فُرَصًا، بموتٍ فاخرِ .

متمردٌ ومقيٍّدٌ، كيمامةٍ

ضلَّتْ طريقًا، باليقينِ الزاخِرِ .

ووسط هذا الإحساس بالعجز واليأس وتبخر الأمل لا يجد الشاعر مفراً من أن ينتظر من يأتي للتكملة لكي تعود البسمة والراحة والسعادة المأمولة فيوصي الرفاق بعده:

حلَّفتُكمْ بالعيْشِ والمِلْحِ امتنانًا؛

أنْ تكونُوا قدْرَ تكملةِ الرسالةِ،

أنْ تكونُوا رهْنَ ما رَادَتْ فراشاتُ

الحدائِقِ والندى؛

واصْغُوا لصوتِ سنابلِ الوقْتِ الأخيرةِ

حينَ تنبتُ،

وفي قصيدة ” ضحكةٌ تنشرُ الأزهار في دمنا” يبدو العنوان ملوحاً بمعنى الأمل المنتظر لكنه إن بدأ قريباً ما يلبث أن يغتال حتى في حلم الطفولة إذ:

في البدءِ ،

رقصةُ طفلٍ عزْفُهُ النبضُ

في البدءِ ،

نبضٌ هوى فاغتالهُ الركضُ..

ولعل هذا الأمل المنتظر يطول لكنه يحتاج إلى وقت وعمر وحيد فيرمز الشاعر إلى ما حل بأيوب من خير في تناص مع الآية القرآنية }وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ{ لعل لحظة الأمل تأتي بالتناص }فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ {فنرى الشاعر ينتظر الضحكة الطاردة لليأس والحزن:

“عن ضحكةٍ

تنشرُ الأزهارَ في دمِهِ

يا صبرَ أيوب

لا كلٌ ولا بعضُ..

موضوعات متعلقة:

أثر دوائر المعنى في انحرافات التركيب دراسة في شعراء الجنوب المعاصرين (1)

أثر دوائر المعنى في انحرافات التركيب دراسة في شعراء الجنوب المعاصرين (2)

أثر دوائر المعنى في انحرافات التركيب دراسة في شعراء الجنوب المعاصرين (3)

أثر دوائر المعنى في انحرافات التركيب دراسة في شعراء الجنوب المعاصرين (5)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img