أثر دوائر المعنى في انحرافات التركيب دراسة في شعراء الجنوب المعاصرين (1)

أثر دوائر المعنى في انحرافات التركيب دراسة في شعراء الجنوب المعاصرين (جعفر أحمد/ أحمد حافظ / محمد العارف) نموذجاً

أ.د/ محمد عبد الرحمن محمد الريحاني

أستاذ علوم التركيب والدلالة كلية دار العلوم- جامعة المنيا

أولاً: الإطار العام:

1- الموضوع:

يعالج هذا البحث “أثر دوائر المعنى في انحرافات التركيب النحوي دراسة من خلال ثلاثة نماذج من شعراء الجنوب في الفترة من مواليد 1991م حتى الآن”، ويقصد بأثر دوائر التركيب تلك المعاني المتداخلة التي تتشكل في خلد المبدع الموهوب نتاجاً للظروف المحيطة به اجتماعياً وثقافياً وسياسياً ودينياً.. إلخ، والمؤثرات الخارجية التي تؤثر في تشكيل وجدان وفكر المبدع؛ فتنعكس على رؤيته الخاصة على قدر فهمه لها وتأقلمه معها؛ فيعود ليعبر عنها في صورة تكشف عن تخيله للمأمول انطلاقاً من انسجامه أو رفضه للواقع وعلى قدر تفاعل المعطيات مع ملكاته الفكرية والوجدانية؛ فتراه يعود إلى الواقع من خلال ثقافته، ويعيد الصياغة خيالاً تمرداً أو رفضاً أو قبولاً أو حلماً يأساً أو أملاً، فتأتي التراكيب اللغوية موحية بعالم المبدع الخاص ورؤيته المنفردة، وليست بالحتم كونها رؤيته أن تكون رؤية جيل غيره أو المحيطين به، غير أن المبدع يظن أنه ضمير جيل يعبر عنه، وهذا ما قصد به في العنوان انحراف التركيب حيث يؤلف الخيال – من معطيات اللغة – تراكيب تقوم على الرمز الموحي والخيال التمثيلي يستنطق من خلالها الشاعر الأشياء؛ فيجعل من القمر رمزاً للنور، ومن ملازم النور نداء للأمل، ويجعل من معطيات الطبيعة كالنخلة والدار والطلل والملح والشجر والتفاح … إلخ، رموزاً قد تتكأ على موروث ديني أو اجتماعي عرفي أو ثقافي أو تاريخي .. إلخ، يجعل من هذه المعطيات رموزاً ناطقة مرة بالإرماز وتارة بتأليف الإسناد غير الحقيقي إليها فتدخل في دائرة الناطق والمغرد المعبر في خيال خاص يجعل منه الشاعر امتداداً للتواصل في الفهم مع الآخر حتى يعبر عما في داخله.

2- أسباب اختيار الموضوع:

لاشك أن للإبداع قانونه الخاص حيث لا يمكن أن تحمل منطقية التركيب في إطارها العقلي على إيحائية ورمزية التراكيب في مجاله الإبداعي، وعلى الرغم من أن قضية المعنى بشكل عام أصعب القضايا في تناولها، وهي كذلك من أضعف نقاط البحث اللغوي على حد وصف Comori في كتابه حول الدلالة اللغوية لكون الدليل المادي على تحليل معطياتها ليس ميسراً أن نمسك به على الوجه القاطع، على الرغم من ذلك فهي النقطة الأساس في أي مجال دلالي، وحولها تدور كل علامات التعبير للكشف عنها، وهي زاوية البحث حول العلاقة بين الدال والمدلول على مستوى كل الدراسات اللغوية وما تفرع عنها من نقدية وأدبية ونفسية .. إلخ من بداية المعرفة بالعلوم إلى وقتنا الحالي.

وبوجه عام لا نستطيع أن نجعل من كلمة المعنى جنساً عاماً يقع على مدلول بعينه لكون المعنى العام قد يخلق تحته مجموعة من الظلال الهامشية بعيدة عن سطحية التفسير فتزال تبحث عن المغزى، أو قل الحكمة المرادة خلف المعنى والهدف الحقيقي، وهذه العلاقة بين المعنى والمغزى من جهة وبين الدال من جهة أخرى علاقة معقدة في نصها؛ لأننا في النص نتعامل مع دوال لغوية نعيد نتاجها من جديد في إطار قد يتفق بغير تطابق، وقد يختلف مع ظروف المبدع من حيث الثقافة والفهم والمقدرة على أن يصل إلى الدوال المعبرة عن المعنى وإدراكه هو وتصوره للمعنى في الوقت الذي فيه المعاني قد تكون منعكسة من تفاعلات الذات بالعالم المحيط، وقد تكون وجدانات داخلية إثر التركيب المزاجي والإنساني للشخص، ناهيك عن المكون الفيسيولوجي والذي تقوم عليه فروق لا حصر لها في التخيلات والإدراكات؛ ومن ثم فإننا لا نستطيع الجزم بأن نتعامل مع معنى واحد محدد حتى لو افترضنا توحده لدى المبدع سنراه يختلف بحسب المتلقي فيما ذهب إليه بعض النقاد وعلى رأسهم أبو الفضل بدران بما يسمى موت المبدع، حيث تنتهي علاقته بالنص، وتبدأ حياة النص في حيوات أُخَر لدى المتلقي؛ فتعاد قراءة النص مرات حسب المتلقي وظروفه الخاصة والعامة والثقافة.

من الجانب الآخر فإن إشكالية آليات التعبير ليست محصورة في النص اللغوي؛ إذ لا يمثل النص اللغوي على كل المستويات الداخلية والخارجية المنصوص منها والمحذوف لا يمثل أكثر من 7% من قيمة الدال بينما تمثل الدوال الجسدية في الحركة أو ما يطلق عليه Body Language نسبة 36% والباقي من النسبة وهو 57 % يتجسد في الأداء الصوتي للنص وهو صوت دوائر حسب الانعكاس، فالمعبر الأول ينغم صوته وهو يرسم خياله بالموجات سرعةً أو إبطاءً ارتفاعاً أو انخفاضاً اشماماً أو رموقاً .. الخ السمات الصوتية غير المعبر عنها بدوال لغوية وهو ما وصفه ابن جني بأنه لعل قائلاً يقول:

“كان رجلاً” ويزوي وجهه ويمطل صوته

فيغنيك ذلك عن قوله كان رجلاً لحزاً بخيلاً إلى آخر ما يتحمل الصوت والإشارة من صفات الذم

وقد يترك ذلك انطباعاً في المتلقي بشكل آخر؛ فيعيد التخيل بدائرة صوت أخرى، ولك أن تتخيل ما يحدث بين العامة عند سماع الشعر الصوفي عندما يغنيه المطربون في رموزه حيث يعيش المتلقي حالة من الخيال والوجد مع الموسيقى والصوت قد لا تكون مطابقة للمعنى المتصور في الرمز، ولا ننسى أن الشعر في جوهره هو فن الغناء وقائم على التفعيلة.

من هذا المنطلق نحا البحث إلى اختيار موضوعه وهو على حد اطلاعي غير مسبوق بالدرس – لكي يقف أمام علاقة التأثير والتأثر – أعني تأثير المحيط الخارجي بكل أبعاده وتأثر المكون الذاتي للمبدع بكل أشكاله في دراسة تأخذ نموذجاً شاباً في بيئة محددة.

موضوعات متعلقة:

أثر دوائر المعنى في انحرافات التركيب دراسة في شعراء الجنوب المعاصرين (2)

أثر دوائر المعنى في انحرافات التركيب دراسة في شعراء الجنوب المعاصرين (3)

أثر دوائر المعنى في انحرافات التركيب دراسة في شعراء الجنوب المعاصرين (4)

أثر دوائر المعنى في انحرافات التركيب دراسة في شعراء الجنوب المعاصرين (5)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img