أزمة التلقي في شعر الحداثة العربية (2)

أ.د عبد الرحيم الكردي

ومن الملاحظ أن القارئ الأوربي كان يتقبل هذه الإبداعات العدمية والفوضوية ، ليس في مجال الشعر فحسب بل في مجالات القصة والرواية والمسرح ، إذ نشأ في هذه المرحلة ما يسمى باللا رواية واللاقصة ومسرح العبث واللامعقول ، لأن الظروف الحضارية والسياسية والاجتماعية في أوربا كانت قد وصلت في هذه الفترة إلى ذروة الأزمة الحضارية ، فكل من المبدع والقارئ كان مأزومًا ، نتيجة لخيبة الأمل في جدوى التقدم العلمي الذي شارف على تدمير البشرية في حربين عالميتين بمخترعاته العبقرية في صناعة القنابل، و خيبة الأمل في الثراء الهائل الذي لم يسعد الإنسان بل جعله عبدًا لرأس المال المتوحش ،والملل من الحرية النظام الحضاري الصارم في الفكر وفي الحياة .

أما في الوطن العربي فالأمر مختلف،فالشعوب العربية التي يفترض أنها الرصيد الاستراتيجي لقراءة هذا الشعر مازالت تعاني من الجهل والفقر والتخلف والفوضى والاستبداد وغياب التفكير العقلاني والعلمي، لذلك كانت دعوة هؤلاء الشعراء للتمرد على العقلانية نوعًا من العبث ، من ثم انصرفت القلة ممن يعرفون القراءة عن هذا النوع من الكتابة  الشعرية النثرية إن لم يكونوا قد هجروا قراءة الشعر جملة ، فأصبح الشعراء يكتب بعضهم لبعض .

ولم يشفع لهذا التيار – عند القارئ – أن البيئة العربية كانت مهيأة للتفكك بعد النكسة بسب شيوع حالة اليأس والإحباط  وانهيار الحلم القومي في الوحدة والحرية والرخاء ، لأن هذه الموجة لا تعبر عن الأوجاع الخاصة بالأزمة التي يمر بها العربي ، ولم تنشأ في التربة التي تمتد فيها جذور هذه المواجع ، بل هو دواء مستورد من بيئة أخرى  .

أما من حيث القراءة النقدية لقصيدة النثر العربية- باعتبار النقد نوعًا من القراءة –  فإن النقاد العرب انقسموا تجاهها بين مؤيد لها ومعارض ، وسوف نكتفي بقراءة ناقدين كبيرين شغلتهما قضية قصيدة النثر ، واتخذ كل منهما منها موقفًا مختلفًا عن الآخر ، هما كمال نشأت ومحمد عبد المطلب .

أما كمال نشأت فقد سجل قراءته لقصيدة النثر العربية وموقفه منها في كتابه الذي  عنوانه :” شعر الحداثة في مصر ،الابتداءات ..الانحرافات ..الأزمة ”  وصرح في مقدمتة لهذا الكتاب بأن الشاعر اللبناني على أحمد سعيد ( أدونيس) كان الرائد الحقيقي لهذه التيار الشعري و المنظر النقدي لقصيدة النثر في البيئة العربية ،عن طريق شرحه واقتباسه لمبادئ قصيدة النثر الفرنسية ،فقد “كان أدونيس [ حسب قوله]مجيدًا للفرنسية مطلعًا على آدابها ،واقفًا على تياراتها الأدبية، “[1] .

ويرى أن نظرية أدونيس التي اقتبسها من الكتابات النقدية الفرنسية تعتمد على الدعوة إلى التمرد والهدم والتعبير عن السخط والضيق من الواقع والهروب منه والتعبير عن حالة الانغماس  الوجودي في متاهة اليأس والإحباط وعبثية الحياة ،والقطيعة مع كل ماو سائد ومالوف ،  وقد عبر عن ذلك شعرًا في قوله :

إذن قل أنا الطاغية وأعلن جمهورية الهدم[2]

كما يرى أن حالة الأحباط واليأس والاكتئاب وانهيار الحلم القومي والهزيمة النفسية والاجتماعية دفعت أجيال الشباب المصري في السبعينيات والثمانينيات إلى الهروب من هذه الأزمة .الجحيمية ،ولم تكن أمام هؤلاء الشباب إلا مسارب ثلاثة :

1- الهجرة خارج الوطن .

2- الهجرة إلى الدين.بالتصوف والزهد أو بالتطرف والإرهاب

3- الهجرة إلى الحداثة العدمية أو الفوضوية التي وجدوا أنموذجها جاهزًا فيما كتبه أدونيس من شعر ونظريات مترجمة من الثقافة الفرنسية .

فاتجه فريق كبير من الشباب إلى كتابة ركام هائل من الكتابات الغامضة التي تتحلل من الوزن والقافية وتنقطع عن التراث وتتخلى عن التراكيب النحوية للغة تحت راية ، واستطاعت كتابات فريق من هؤلاء الشباب  أن تمتص قدرًا من السخط والإحباط والتمرد المكبوت  الذي يعانونه، لكن كمال نشأت رأى أن إنتاج هؤلاء الشباب واجه عدة مشكلات ، هي :

1- انصراف جمهور المتلقين عنه ، بسبب غموضه وعدم مراعاته للأذواق الفنية للمتلقين العرب ، وبعده عن ثقافتهم ، ويضرب لذلك مثلاً بمقال لمحمود أمين العالم سنة 1994 صرح فيه بعدم فهمه لقصيدة لحلمى سالم ، يقول فيها :” خذوا الإوزة من عنقي ” ولم يفهم العالم ماذا يقصد الشاعر بهذه الإوزة رغم استعانته ببعض من لهم خبرة بهذا اللون من الشعر وبالشاعر نفسه .

2- أن هذا التحلل من القيود فتح الطريق واسعًا أمام العاجزين عن الكتابة بالعربية الفصحى وأنصاف الموهوبين ، فاستقبلت المطابع ونوادي الأدب ركامًا هائلاً من الكتابات التي يصعب تصنيفها على أنها شعر ، وربما أدب.

3- تقليد أدونيس تقليدًا تامًا ،وهذا التقليد  أفقدهم خصوصياتهم وجعلهم مجرد مريدين مكررين لما قاله  دون إضافة أو تعديل ، وقد أحصى كمال نشأت المعجم الشعري لهؤلاء الشباب وأثبت أنه هو نفسه معجم أدونيس ،كما تتبع لغتهم وصورهم وملامح أبنية قصائدهم وأسسهم الفنية وأثبت أنهم لم يخرجوا فيها عما قاله أدونيس ،لذلك يلخص كلامه في هذا الشأن بقوله :” نحن نعترف بأن التأثر بأدونيس ليس كفرًا ، فقد كانت هناك أسبابه ودواعيه، وتقليد الشباب لشعره إبان النشأة الشعرية الأولى لا تثريب عليه ولا إنكار ، ولكن العيب كل العيب أن يظل الشاعر أدونيسيًا وهو في الثلاثين أو الخمسين من عمره ،لا يكتب إلا داخل الإطار الذي حدده أدونيس”[3].

ويمكن تلخيص موقف كمال نشأت في:

1- أن هذه الكتابات تعيش بعيدة عن المجتمع الذي يعيش فيه القارئ العربي ، لأنها نشأت في بيئة أخرى ، لذلك انصرف عنها هؤلاء القراء ،” وأصبح الشاعر الحداثي – حسب قوله – كائنًا غريبًا سقط بين مواطنيه من كوكب آخر مجهول ،له لغة خاصة لا يعرفها إلا هو “[4]

2-  نتيجة لذلك يرى أن ما فعله أدونيس “كان جناية على شعرنا الحديث “[5]لأنه” نجح في تحطيم الذوق الأدبي .. وضرب الذوق العام في صميمه”[6] .

وأما محمد عبد المطلب فيرى أن قصيدة النثر عبارة عن “منتج إبداعي يعتمد الوعي الحضاري من ناحية ، والنظام الجمالي من ناحية أخرى ، وهذا وذاك حققا لهذه القصيدة نوعًا من الوحدة العضوية الصحيحة “[7]، ورأى أن شعراء السبعينيات في مصر لم يعتمدوا على رد  الفعل بل اعتمدوا على الفعل ، من ثم أحدثوا ثورة على سلطة الموسيقا الشعرية العتيقة و اللغة التراثية ، فنادوا بعدم التقيد بالقيود الفنية أو منطقية أو النحوية المعهودة ، لكنهم لم يرفضوا الإيقاع على الإطلاق “بل إنهم يرون أن لكل إبداع أن يختار الإيقاع الذي يناسبه،”[8]  ويرى محمد عبد المطلب أن السبب في انصراف القراء عن قصيدة النثر يكمن في :

1-أن كتابها لم يكونوا معنيين بالبحث عن الجميل بقدر عنايتهم بالبحث عن المناسب ،كان لو كان هذا المناسب مخالفًا للمعايير الجمالية المعهودة .

2- أن كتابها كانوا يرون أن المتلقي شريك في إنتاج القصيدة، ومن ثم فإنهم لا يرون للمتلقي أي حقوق عليهم ، لأن القارئ مطالب ببذل الجهد في إنتاج الدلالة التي تلائمه .

3- أن مذهبهم يقوم على تحدي الموروث اللغوي  ، نحت دعوى ” قتل الأب” من ثم أعطوا المفردة الحقوق التي كانت تمنح فقط للنص الكامل ،لذلك تحول عدم فهم قصيدة النثر من قبل القراء إلى نفور ، واعتبارها وليدًا غير شرعي للشعرية العربية.وبدت في أعين بعض النقاد نظمًا ركيكًا رديئًا لا علاقة له بالشعر.

4- أن قصيدة النثر تتحدى المعنى وتقاومه  وربما تنفيه وتراوغ القارئ لأن القصيدة عندهم لا تعني شيئًا  .

ثم ينتهي محمد عبد المطلب إلى نتيجة تجمل رأيه في قصيدة وهي أن أن قصيدة النثر عمل فني حديث تدخلت الروافد الأجنبية تدخلاً واضحًا في إنتاجه في البيئة العربية بل أغرق رواده الأوائل في استنساخ النموذخ الغربي ، وبخاصة الفرنسي ، وأن كتابتها تحتاج إلى جهد ربما يفوق الجهد الذي يتطلبه إبداع القصيدة التقليدية ، وأن هذا الإبداع  يعمل على خلق ذائقة جديدة في البيئة العربية .

أيًا كان الأمر فإن الزمان قد تكفل بحل هذه المشكلات ، وقد أثبت لنا تاريخ الأدب أن المعارك التي تثور بين النقاد حول كل حركة فنية جديدة لا تحسم الأمر ، بل الذي يحسمها هو الفرز الطبيعي لما تقبله الذائقة الجمالية  للمجتمع ، فما كان جميلا ومقبولاً سوف يبقى ، وما كان قبيحًا وغير مقبول فسوف يطويه الزمن.

وفي العصر الحديث جاءت موجة الشعر الحر ،باعتبارها تمردًا وثورة على الشعر العمودي ، فلم يمت الشعر العمودي ، بل ظل هناك شعراء يبدعون قصائد عمودية جميلة ، بل أفادت القصيدة العمودية الحديثة من تقنيات قصيدة التفعيلة ، وظلت القصائد الجميلة التي أبدعها شعراء التفعيلة  إلى جانب القصائد الجميلة التي يبدعها الشعراء العموديون ، وجاءت قصيدة النثر وتمردت على الشعر الذي سبقها جملة ، حتى إن أحد دعاتها وصف أمل دنقل بأنه آخر الشعراء الجاهليين ، فلم يمت شعر أمل دنقل ، ولم تمت القصيدة العمودية ، وانتقى الذوق الحديث قصائد جميلة من قصيدة النثر ، وأهمل منها كتابات لا تستحق الحياة ، وسوف تنشأ في المستقبل موجات جديدة تتمرد على كل ذلك ، وسوف تتأقلم مع سابقيها ، وسوف يكون هناك لكل اتجاه قراؤه ، فالاتجاهات الأدبية لا يلغي بعضها البعض الآخر ،فالمتنبي لم يلغ امرأ القيس ،وشوقي لم يلغ المتنبي ، وصلاح عبد الصبور لم يلغ شوقي .

[1] كمال نشأت ، شعراء الحداثة في مصر ، الابتداءات..الانحرافات ..الأزمة، مكتبة الأسرة 2005 ط2 ص8

[2] السابق ص 10

[3] السابق ص 12

[4] السابق ص 220

[5] السابق ص147

[6] السابق ص 186

[7][7] محمد عبد المطلب ، شعراء السبعينيات وفوضاهم الخلاقة ، مكتبة الأسرة 2009 ،ص 7

[8] السابق ص 14

موضوعات متعلقة:

أزمة التلقي في شعر الحداثة العربية (1)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img