أزمة التلقي في شعر الحداثة العربية (1)

أ.د عبد الرحيم الكردي

-1-

“الحداثة ” مصطلح وافد ، استخدمه نقاد الأدب للدلالة على اتجاه فني حديث ظهر في الشعر العربي المعاصر، منذ العقد الخامس من القرن الماضي ، ويعتمد هذا الاتجاه على الثورة على عمود الشعر العربي التقليدي ، وعلى ابتكار رؤى وتقنيات شعرية جديدة تتلاءم مع روح العصر .

من ثم نشأت الموجة الثالثة من الشعر العربي الحديث ، بعد الموجتين السابقتين ،موجة الإحياء متمثلة في أشعار البارودي وشوقي وحافظ والرصافي ، والموجة الرومانسية متمثلة في أشعار جماعتي الديوان وأبوللو وشعراء المهجر .

بدأ هذا الاتجاه باعتباره ردة عن الهروب الرومانسي ، وعودة إلى الواقع ، واتخاذ رؤىة  شعرية واقعية ، فكانت الرؤية الواقعية أهم شعار رفعه رواد التجديد ، وفي سبيل التعبير عن هذه الرؤية الجديدة تخلوا عن البناء التقليدي الذي كان يكبل القصيدة العربية الموروثة ،فلم يلتزموا بوحدة البيت الشعري ، واعتمدوا فقط على وحدة التفعيلة ،وكسروا نظام وحدة البحر العروضي فأوردوا قصائد من بحور متعددة ، واستخدموا أشكالاً من التفعيلات ومن الزحافات لم يستخدمها الشعراء القدماء كتفعيلة بحر المتدارك، وأكثروا النظم على بحور مهجورة كالبحر المضارع ،وتوسعوا في نظام القافية ،وخرجوا على البناء التقليدي الموروث للأطر والأغراض الشعرية التقليدية ، مثل أبنية قصيدة المديح والهجاءوالرثاء والغزل وغيرها ،وابتكروا استعارات وتشبيهات جديدة  لم تكن مألوفة في منوال الشعر العربي القديم ،واستعاروا تقنيات فنية جديدة لم يألفها الشعر العربي القديم ،إذ اقتبسوا من التقنيات السينمائية والدرامية والسردية والفنون التشكيلية ، وأفادوا من شعراء الحداثة الغربيين  .

وعلى الرغم من عدم انسلاخ القصيدة الحديثة في هذه الفترة انسلاخًا تامًا من الإطار العام للشعر العربي والذوق الفني العربي ،على الرغم من ذلك فإن القارئ العربي كان يشعر بغرابة هذا النمط من القول ، بل كان كثيرٌ من النقاد الكبار يترددون في السماح له بأن يلج أبواب مدينة الشعر المقدسة ، فينسبونه إلى سوق النثر ،كما فعل العقاد بالديوان الأول لصلاح عبد الصبور .

وهنا نشأت الأزمة التقليدية التي ألفناها عند ظهور مواجات التجديد في الشعر العربي ، وعادة ما كانت تعتمد سمات هذه الأزمة على إنكار الشعر الجديد وعدم عده شعرًا وعدم احتساب مبدعيه من الشعراء ، حدث هذا مع شعر أبي تمام وأضرابه من شعراء  شعر البديع في العصر العباسي، وحدث مع شعر المتنبي وشعر أبي العلاء المعري ،فابن خلدون يروي عن بعض شيوخه أن  النقاد كانوا لا يعدونما من الشعراء لخروجهما على منوال الشعر العربي، وحدث أيضًا مع صلاح عبد الصبور.

ويعلل الدكتور علي عشري زايد وجود هذه الأزمة بين هذا الشعر الحديث ومتلقيه بثلاث علل اثنتان تتحمل وزرهما القصيدة الحديثة نفسها وواحدة يتحملها القارئ العربي ، يقول :” ثمة فجوة واسعة لا يمكن تجاهلها بين القصيدة العربية الحديثة وقارئها …ولا شك أن قدرًا كبيرًا من مسئولية وجود هذه الفجوة يعود إلى القصيدة الحديثة والقارئ كليهما ،القصيدة بعوالمها الغريبة وتكنيكاتها الفنية المعقدة التي لا تضع في اعتبارها بالقدر الكافي طبيعة القارئ العربي الذي تتجه إليه والتقاليد الشعرية التراثية التي نما في ظلها ذوقه ،ومكونات ثقافته بشكل عام ، هذا فضلاً عن كثير من النماذج الرديئة التي تنسب ظلمًا إلى القصيدة الحديثة وهي ليست منها ” ثم يقول :” أما القارئ فإنه يتحمل نصيبه من المسئولية بتشبثه بذلك الأنموذج الشعري الذي تربى عليه ذوقه ،وعدم استعداده لبذل أي جهد جديد في سبيل استيعاب أنماط شعرية أخرى لا تخضع خضوعًا صارمًا للتقاليد الشعرية التي تحكم أنموذجه الأثير “[1]

على أن مفهوم الحداثة عند الدكتور علي عشري زايد ليس مفهومًا تاريخيًا يرتبط بجيل معين أو بزمان معين ، بل هو عنده مفهوم فني ، أي أنها عبارة عن مجموعة من المواصفات فنية  التي متى تحققت في قصيدة من القصائد فإنها تعد قصيدة حديثة ، حتى لو كانت قد كتبت في العصر الجاهلي ، ومتى خلت منها  فهي قصيدة ليست حديثة حتى لو كتبت في العصر الحديث ، أو في المستقبل ،وهذا ما قال شبيها له عبد الله بن المعتز في تعريفة لمفهوم البديع .

هذه المواصفات الفنية تأتي نتيجة لاكتشاف الشاعر للإيقاعات الجديدة في الحياة ،وإدراك العلاقات الخفية بين الأشياء التي تبدو متناقضة وغير منطقية ،إنها سماع معاصر لموسيقى الكون الذي يبدو صامتًا بل أخرس ، من ثم فإن كل شاعر حديث يكتشف في الوجود شيئًا جديدًا ،ويصوغه بطريقة جديدة تتناسب مع جدته، كما أن هذا الإبداع الشعري الذي تتوافر فيه مقومات الحداثة يتطلب من قارئه أن يكون ذا عقل متفتح واعٍ  وحديث أيضًا ،وصاحب ذائقة مرهفة قابلة لتذوق التجاوب الجديدة ، ولذلك فإن التقليد هو العدو اللدود للإبداع ،وإن الخمول والبلادة هما العدو اللدود لتلقيه .لأن العلاقة بين مبدع الفن ومتلقيه تشبه التفاعل الذي يدور بين قرينين في حلبة الرقص ، أو بين متحاورين في جلسة حوار .

ويرى الدكتور علي عشري زايد أن هذه الفجوة التي وصفها بأنه ” واسعة ” بين الشعر العربي الحديث ومتلقيه يمكن ردمها ، بل يمكن تحقيق نوع من المصالحة بين القصيدة العربية الحديثة وقارئها ، ويرى أن مسئولية هذه المصالحة تقع على عاتق النقاد العرب ، وهو واحد منهم ، وقد أدى النقاد العرب هذا الدور ، واستطاعوا بمهارة واقتدار أن يقدموا النماذج الجيدة من هذا الشعر الحديث ويكشفوا النقاب عن جماليات القصيدة الحديثة ، ويربطوا بينها وبين الذائقة العربية في طورها الجديد ، وأخذ القارئ العربي يتقبلها بقبول حسن .

ومما زادها ازدهارًا وقبولاً أنها تحملت عبء القيام بالأدوار الثقافية الثلاثة التي توكل عادة للأدباء أصحاب المواقف القومية والوطنية ، فمن ناحية كانت قصيدة الشعر الحر أو شعر التفعيلة  لسان الثورات العربية التي عملت على التخلص من الاستعمار والتحرر من التبعية والتخلص من التخلف والظلم والفقر والجهل والجمود ، ومن ناحية أخرى كانت لسان حال المقهورين والمغلوبين على أمرهم وكانت مستودع الرموز والإشارات الخفية للمكممين الأفواه في أوقات القهر والاستبداد ، وفي أوقات ثالثة كانت  حرابًا مدببة وسهامًا  مصوبة في صدور الطغاة ، هذه الأدوار الثلاثة أحدثت مصالحة بينها وبين جمهورها ، بل أصبح شعراؤها نجومًا في الحركة الشعرية الحديثة من أمثال صلاح عبد الصبور وأمل دنقل ومحمود درويش وغيرهم.

هذه الموجة الشعرية الحديثة بكل أدوارها كانت موجة متفائلة تنتفخ أوداج شعرائها  وتمتلئ صدورهم بالأمل والحلم بالنهضة وبالوحدة القومية الشاملة ،لأن هذه الموجة كانت تواكب فورة هذا الإحساس الشعبي بالعزة القومية العربية ، حتى الشعراء الذي أنشدوا أشعارهم بعد انهيار هذا الحلم القومي والهزيمة العسكرية المعروفة بالنكسة كانوا يصدرون في صرخاتهم الحادة عن هذا الشعور الإيجابي .

-2-

من ناحية أخرى وفي فورة هذا الشعور الإيجابي المتفائل على المستويين الثقافي والشعبي معًا، وعلى أبواب بواكير تحقق الحلم القومي بالوحدة العربية بين مصر وسوريا والتبشير بالاشتراكية ، وبالتحديد في سنة 1957م ظهرت جماعة من الشعراء العرب في بيروت تدعو إلى حداثة شعرية جديدة تحمل أيديولوجيا تسير عكس هذا الاتجاه الجارف ، بل تهدمه من جذوره وتستمد أسسها من تيارات معادية للفكر الاشتراكي ، بل كانت ألأعمال الفنية التي تنتمي  والأيديولوجيا التي تنبع منها  ممنوعة بل مجرَّمة في البلاد الاشتراكية ، فهل كان ذلك التزامن بين ظهور هذه الحركة وبين تنامي المد القومي  ذي الطابع الاشتراكي مجرد صدفة ؟.

هذه الجماعة ظهرت أصواتها الأولى في مجلة (شعر)، وكانت تبشر بنوع جديد من الشعر اقتبست أسمه وملامحه وأسسه الفنية من الأدب الفرنسي الحديث ، وهو الشعر الذي أطلق عليه في فرنسا ” قصيدة النثر” وبخاصة في مرحلتها المتأخرة أي المرحلة التي أعقبت الموجة الرمزية ، وواكبت الحرب العالمية الأولى وما تلاها من كوارث إنسانية في أوربا ،وظهرت في هذه المرحلة ثلاثة اتجاهات في  قصيدة النثر الفرنسية هي ” الدادية ” و”السريالية ” و” الفوضوية” وهي الاتجاهات الثلاثة التي استقت منها قصيدة النثر العربية أصولها .

وسوف نعتمد في تحديد ملامح هذه الاتجاهات الثلاثة على كتاب ” قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا ” للباحثة الفرنسية سوزان بارنار لأنه  الكتاب الذي يعده كتاب ونقاد قصيدة النثر العربية دستورًا لهم .

تنبه سوزان بارنار في مقدمة حديثها عن الدادية إلى أنها وليدة حالة إحباط ونتاج أزمة جعلت الشعراء الشبان في أوربا يفقدون الأمل في المستقبل ، نتيجة للكوارث التي أفرزتها الحرب العالمية الأولى، تقول :” فما إن سكت دوي المدافع حتى أدرك الشعراء الشباب أن المستقبلية والتجديدية لم يعد لديهما ما يحملانه لهم ” [2]

ثم تبين أن هذا اليأس وفقدان الأمل في المستقبل جعل هذه الجماعة تتجه إلى تحطيم كل شيء ، وإلى التساؤل حول جدوى القيم والعلم واللغة والمنطق والشعر والأخلاق والعائلة والفن والدين والوطن والشرف والحرية  والتقاليد …الخ ، ثم تقول : ” وكانت دادا (أي الحركة الدادية) مشروع تحطيم كبير ووضع القيم كلها موضع الاستفهام ، يقول تزارا : ولدت دادا من تمرد كان مشتركًا بين المراهقين كلهم ، تمرد كان يطالب الفرد بتبين كامل لضرورات طبيعته العميقة ،من دون اكتراث للعلوم السائدة من تاريخ ومنطق أو علم أخلاق ، إن الشرف والوطن وعلم الأخلاق والعائلة والفن والدين والحرية والإخاء وما إلى ذلك من المفهومات التي تستجيب لضرورات إنسانية لم يبق منها غير هياكل تقليدية أفرغت من محتواها الجوهري “[3]

وعلى الصعيد الأدبي ترى سوزان بارنار أن الدادية تتخذ أعنف هجوم على كل أنواع الأدب وتحاول تدميره عن طريق ” الفوضى والتفكيك والتشويش ” تقول :” تهدف[أي الحركة الدادية] طواعية إلى تحطيم كل شيء وكل بنية أدبية …التمرد الدادي يقود إلى الفوضى اللاعضوية ، إنه عدمي “[4]

أما بالنسبة للغة فترى سوزان بارنار أن الدادية تعمل على التفكك اللغوي الذي يصل إلى درجة الفوضى ، تقول :” إننا نشعر وكأننا بإزاء تكاثر سرطاني لخلايا اللغة التي ستحطم توازن الجملة والقصيدة ، ومن ثم تسبب موت اللغة بالاختناق “[5] ثم تقول :” إن حركة دادا حينما اتخذت اللغة هدفًا لها ،كانت تقصد النظام الاجتماعي في الوقت نفسه”[6]

أما عن بناء قصيدة النثر الدادية فهي ترى أنه يعتمد على المواضيع المبتذلة والمساواة بين القبيح والجميل ، وهي تنقل لنا الطريقة الدادية المثلى لصناعة القصيدة من خلال الصيغة  الشهيرة التي أصدرها تريستان تزترا ويقول فيها :

“من أجل كتابة قصيدة دادية

خذ صحيفة

خذ مقصًا

اختر من تلك الصحيفة مقالاً له الطول الذي تنوي إعطاءه لقصيدتك

قطع المقال

ثم قطع بعناية كل واحدة من الكلمات التي تشكل هذا المقال وضعها في كيس

حرك بهدوء

ثم أخرج كل قصاصة الواحدة تلو الأخرى حسب النظام الذي خرجت فيه من الكيس

انقل بعناية

وسوف تشبهك القصيدة “[7]

وهنا سوف يقع القارئ في ورطة ، وسوف تنشأ بينه وبين الشاعر علاقة سوء فهم دائم .

ولا تختلف قصيدة النثر السريالية كثيرًا عن مثيلتها الدادية في كونهما وليدتي أزمة أفضت إلى الفوضى الهدامة ، لكن الفوضى عند السرياليين ناشئة من الهروب من  الفكر العقلاني إلى تخليط الأحلام والهلوسات ، والكتابة الآلية ، تقول سوزان بارنار :” تسجيل الإيحاءات التي يحملها الحلم بقدر ما يمكن من الأمانة ، والذاكرة هي المستخدمة لا الخيال الشاعري، ولهذا استسلم السرياليون للتنويم المغناطيسي ولسحره المدهش “[8] ثم تقول :” إذا كانت المغالاة في الشكلية تقود إلى التصنع والتحجر ، فإن التشوش المنهجي وتحطيم أي شكل يقود على النقيض إلى اللاشكل ،وإلى التفكك حيث يختفي فيه كل معنى ممكن “[9].أي أن قصيدة النثر السريالية تحاول نقل ما يدور في المنطقة المظلمة من اللاوعي.

أما الاتجاه الثالث من اتجاهات قصيدة النثر الفرنسية والذي كان المصدر الذي استمدت منه قصيدة النثر العربية أصولها  فهو الذي أطلقت عليه سان برنار مصطلح “الشعر الفوضوي ” وترى أن أهم ملامح هذا الشعر إهمال النحو والمنطق من اللغة وتفكيك الكلمات واعتبار الكلمة المفردة وحدة مستقلة ،وإزالة عنصر الزمن واستلاب وظيفة التوصيل من اللغة ، وانتزاع الجوانب الإنسانية فيها ، واعتبارها مجموعة من الأشياء وبذلك يصبح الشعر تمردًا و فوضوى وهدمًا،ولذلك لا يعبأ الفوضويون بالعلاقة بين الكلمات ومعناها فهم يستخدمون كلمات بدلًا من  كلمات أخرى، ويخترعون كلمات لم تعرفها اللغة ، ويفتتون بعض الكلمات ويوصلون بعض أجزائها ببعض أجزاء كلمات أخرى ، ويستخدمون الحروف بدل الكلمات .

لقد اقتبس رواد قصيدة النثر العربية مبادئ هذه الاتجاهات الفرنسية الثلاثة مجتمعة ، وكتبوا مطبقن لها في دواوينهم ، و شارحين ومبشرين بها في مقالاتهم النقدية ،ثم تلقف بعض الشباب من الشعراء المصريين والبلاد العربية الأخرى  الراية في السبعينيات والثمانينيات وما زالوا يكتبون قصيدة النثر على وتيرة هذه المبادئ الأوربية  المنشأ  .

[1] علي عشري زايد ،عن بناء القصيدة العربية الحديثة ، ط2 مكتبة دار العلوم بالقاهرة ،سنة 1979 ص5

[2] سوزان بارنار ، قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا ” ص 204

[3] السابق ص ص 204،205

[4] السابق ص206

[5] السابق ص 207

[6] السابق ص 208

[7] السابق ص ص 205 ،206

[8] السابق ص 211

[9] السابق ص213

موضوعات متعلقة:

أزمة التلقي في شعر الحداثة العربية (2)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img