أصوات الخطاب التراثي في الشعرية الجديدة (2)

 د. أحمد الصغير

(4)

ــ التراث الديني :

  يمثل التراث الديني جانبا معرفيا مهما في العلوم الإنسانية ، فقد حاول الشعراء اللجوء إلى استدعاء الخطاب القرآني والإنجيلي والتوراتي ، داخل ثانيا نصوصهم الشعرية ، فنلاحظ امتزاج المقدس بالشعري ، والشعري بالمقدس ، مما يمنح النص الشعري نفسه صورا متداخلة ، لينتج عنها نصا جديدا يحمل رؤية مواكبة للحياة ، فتميل إلى استنطاق المسكوت عنه في تراثنا الشعري من جهة وتفجير تأويلات متباينة حول النص المقدس من جهة أخرى  ، ومن خلال الفعل القرائي لنصوص الشعراء الجدد محل هذه  الدراسة ، نلاحظ مدى اختراق نصوصهم لحواجز المقدس بأنواعه كافة ، بل أصبح النص الديني  ، رمزا تراثيا مهما ، ولافتا داخل النص الشعري الحديث ، مما يمنح القاريء مفهوما مغايرا للنص الديني ، وجانيا دراميا داخل المواقف الدرامية نفسها في القصيدة .  ومن الأصوات الشعرية الجديدة التي تجلى لديها التراث الديني كثيرا ، الشاعر الأقصري محمد العارف ( 7) ، فيقول في قصيدة بعنوان 🙁 راقصة العرس القروية ) .

 ”  عنها كتب الشجر مقالتهُ

ولها خلع الزمنُ القبعةَ

وبين ضفائرها نام الكونُ

قديماً أهدتْ للقمرِ عباءتهُ البيضاءَ

وعلَّمت السنبلةَ إضاءةَ مصباحِ الأرضِ

احتست النخلة معها الشاي وزارا الدنيا في منزلها

ألقت نظرتها للشحَّاذين فسكر الشحاذون وغنوا

لمَّا الرمش تثاءبَ

لمَّا الرمش تثاءب طلَّقَ زوجته الليل ورنَّمَ عمي الجبلُ الطيِّبُ :

“ميلي يا خام الملبن ميلي

هزِّي الخصر لينتشي الله ويعصر من لحيته الشيخُ الخمرَ”

وأغلى من قطرةِ ماءٍ تغسلُ وجهَ الصحراءِ أتتْ

يتساءلَ قلبي من أين أتتْ لتعانقَ صخب الأعراسِ وأجري لأُعانق ضحكتها

مسكينٌ قلبي لا يحتمل الحلوى

ككمان يتمشى في دم عازفة

تمشى

ويرنُّ الخلخال

يمزِّقُ ثوبَ الراعي وعصاهُ يكسِّرها

يرشد قدم الحملِ إلى التلِّ

يرمِّمُ سور المزرعةِ

لئلا يهجمَ ذئبٌ

كانت تمسكُ بيد الأرضِ إذا تصرخ في صبْيتِها :

“صوموا للإنسان وفكّوا الريقَ ببسمتهِ”

أبصرها وضعتْ عود بخورٍ في قلبي

وكما يبتسم الأزميل لحجرٍ للأشياء ابتسمتْ

غازلها الحقلُ فباسته وصفعت وجه القرية

لتجفِّفَ عرقَ الموسيقى رقصتْ

فاغتسلَ العالم في ماء النهرْ

وانتحرتْ كل حروبِ بني الإنسانِ

الحقَّ أقولُ لكمْ :

عنها كتب الشجرُ مقالته

كسر العكاز

وأسَّسَ مدرسةً للرقص ” .

   نلاحظ في النص الشعري الفائت صورة السيد المسيح عليه السلام ، فقد ارتكز الشاعر على استدعاء أقوال المسيح كما جاءت في الإنجيل ، فيقول : ”  اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْفَظُ كَلاَمِي فَلَنْ يَرَى الْمَوْتَ إِلَى الأَبَدِ»(إنجيل يوحنا 8: 51)  ” ويمثل هذا التداخل النص ، صورا من صور الخطاب التراثي في الشعرية الجديدة بعامة ولدى الشاعر محمد العارف بخاصة ، ومن ثم فإن أثر الثقافة الكونية الواسعة ، التي لا سقف لها على النص الشعري في الحياة ، كانت مبررا فنيا وراء استدعاء أقول المسيح عليه السلام ، ومن ثم فإن الشاعر محمد العارف من الأصوات الشعرية الجادة التي تحمل هما فنيا في كتابة النص الشعري  ، يتأتي ذلك من خلال اللغة الشعرية التي يكتب من خلالها  ، والمنطق الشعري المتجدد ، واستعادة الحكايات القديمة ، في لغة شعرية رائقة ، كما انفتح النص الشعري لدى العارف على البناء المفكك المتداخل الذي يصنع صورة متناقضة للحياة التي نعيشها ، بل تحياه الذات الجمعية في النص . ونلاحظ تلك العلاقة الممتزجة بروح النص الديني للسيد المسيح عليه السلام المتمثلة في أقواله ونصائحه لبني البشر ، هذه الأقوال التي استمد منها الشاعر المعاصر طاقاته الفنية ، التي تسهم في تدعيم بناء القصيدة وتنوع منتوجاتها اللفظية والدلالية والشعرية . وتتجلى في قصيدة محمد العارف أيضا رؤية إنسانية واسعة المدى ، حيث تمثل قصيدته صرخة هامسة في فلاة الحياة العبثية التي تنطق كل شيء ولا تفعل أي شيء ، بل تحمل هما إنسانيا من ناحية وقوميا من ناحية أخرى ، وتطرح أسئلة غير مباشرة في حقيقة الأمر ، من خلال صورة  ذلك الإنسان العابث الذي تحطمت كل طموحاته على صخور الهزيمة المفتعلة . ويقول العارف في قصيدته بعنوان :  ( مضطر أن أبقى.)….

     ” مضطر أن أبقى .

     من أجل فتاة تشبه موسيقى البسطاء .

   ولكن في عينيها يبصر – من يبصر- حقلًا محترقًا .

   وأنا حتى يهدم هذا الحب القاسي منزله .

   مضطر أن أبقى

 يمكنني أن أتمشى في العالم

 أن أختفي بركن لا يعرفه الوقت

 وأستمع لسورة مريم بتلاوة ورشٍ

لتذكرني الأشياء بضحكتها

حتى  أنسى أن حلاوتها لا تكترث لأمري ”  .

.     ارتكز النص الشعري الفائت أيضا على تقنية مهمة في بنية الشعرية لدى العارف وهي تقنية السرد المكتنز ، بمعنى أن يأتي الشاعر بتوجه دلالي واضح في النص ، مما يمنح القاريء بعدا مركزيا فنيا في القصيدة نفسها ، فالحديث عن (  سورة مريم برواية روش )  في القصيدة ، يمنح المتلقي ،  أفقا  شعريا مفتوحا في النسيج الفني نفسه ، فتأتي قصة السيدة مريم العذراء حاضرة بروحها ومواقفها الدرامية في لحمة القصيدة نفسها . لتصبح هذه السورة القرآنية المقدسة متنا صامدا في المقدس الإنساني نفسه لدى المسيحيين والمسلمين والإنسانية بعامة .  فارتكان الذات لسماع هذه السورة يشي بمدى العمق الفني الملتحم بروح الشعرية من جهة والمقدس من جهة أخرى . كما أن إصرار الشاعر على البقاء مضطرا كما أباح النص عن ذلك ، يجعلنا نرتبك باحثين فيما وراء النصية عن سبب ذلك البقاء الاضطراري ، فنلاحظ تلك الحيلة الفنية التي لجأ إليها الشاعر ، معبرا ، عن ذلك من خلال رغبته الأكيدة في الإحساس بالعالم ، بل محاولته لخلق عالم جديد تتحرك خلايا الذات داخله ، وتجيء مريم العذراء عليها السلام من خلال رواية ورش ، لتضي على النص الشعري مساحة فنية واسعة ، تقبض على السرد الشعري المنفلت ، ليصبح ذا دلالات موجه وذات منحى فني ، يتفتق عنه مرموزات عدة في الثقافة الإنسانية الواسعة ، ولما تحمله السيدة العذراء نفسها من اضطهاد وجراحات دامية لا حقت بها وبولدها عيسى المسيح عليه السلام . ويقول في قصيدة  بعنوان : ( أنا ذاهب للثورة يا أمي ) :

_ ” عينك حمراء كدمنا يا ابني

_ الثورة حمراء كدمنا يا أمي

_روحك متآكلة يا ابني

_بسمتها متآكلة يا أمي

_لن ترجع يا ابني

_لم يرجع من عينيك أبي يا أمي

_ إني لأراك استعصمت بمشنقة يا ابني

_إني استعصمت بصرخة أسلاف مروا 

كي أتسلق بالناس إلى قمة ضحكتهم يا أمي

    يستدعي الشاعر محمد العارف الحوار القرآني بين النبي نوح عليه السلام وابنه ، عندما جاء الطوفان ، فعص الابن أباه وقال سأوي إلى جبل يعصمني من الماء ..فيقول الله تعالى في سورة نوح :” قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ  قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ( سورة هود ـ 43)  يشير الطبري في تفسيره/ تأويله  حول هذه الآية الكريمة إلى أن ”  القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (سورة هود ـ أية 43) …

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال ابن نوح لما دعاه نوح إلى أن يركب معه السفينة خوفًا عليه من الغرق: (سآوي إلى جبل يعصمني من الماء) يقول: سأصير إلى جبل أتحصّن به من الماء ،  فيمنعني منه أن يغرقني. (تفسير الطبري ـ الجزء الرابع ) .

ونلاحظ الامتزاج الدرامي بين الشعري والقرآني في قصيدة محمد العارف ، بين مشهدين متماسين ، الأول مشهد الابن مع أمه التي ترفضه ذهابه إلى الموت ، ومشهد النبي نوح عليه السلام مع ابنه الذي رفض أن يركب السفينة حتى لا يموت غرقا . كما اعتمد العارف على شعرية اللقطة الدرامية المفارقة بين صورة التراث وصورة الراهن المعيش ، بين خوف الأم وخوف الأب ( نوح ) على ولده . وعليه فإن معظم نصوص  الشاعر محمد العارف تنحو هذا النحو المهم في الكتابة ، فهو شاعر يمتلك عمقا معرفيا وفنيا واضحا ، مما يجعله في مصاف الشعراء الكبار حقيقة لا مجازا .

تتجلى صورة  الخطاب القرآني أيضا  في قصائد الشاعر محمد منصور الكلحي (8 )  في قصيدة بعنوان  (شهادة الذئب في قضية ابن يعقوب)  :

 ”  دَمٌ كَذِبٌ ما كان

والقولُ مُفْتَرى

كأني آراه الآن أذكر ما جرى

خرجتُ بذاكَ اليومِ

مُنطوِيَ الحشا مِن الجوعِ

أستجدي المقادير

جؤذرا

وكانت سماء الله

في غير عهدِها

كمُضمِر سرٍّ

ما أجلَّ وأكبر

فساقنيَ المسعَى

إلى فوق تلَّةٍ

بحيثُ أراهم واضحين

ولا أُرَى

 تتجلى في القصيدة السابقة للشاعر محمد منصور الكلحي (9)  الخطاب القصصي الديني في القرآن الكريم ، وتحديدا في سورة يوسف عليه السلام ، فارتكزت قصيدته على استدعاء هذا الخطاب المكتنز بالدلالات المفتوحة ، من خلال المحاورة الدرامية المختلطة بالمجازية ، من خلال عنوان القصيدة أيضا ( شهادة الذئب في قضية ابن يعقوب ) على الرغم من أن الذئب كان أداة مكذوبة في القصة ، فإن الشاعر حاول أن يستنطق في قصيدته صوتا مختفيا لم يكن ذا ملامح معروفة في القرآن الكريم ، سوى أن أبناء يعقوب كذبوا على أبيهم في قضية مقتل يوسف التي ابتدعوها وصدقوها ، ولم يصدقها يعقوب عليه السلام .ونلاحظ المزج الدرامي ما بين النص الشعري الذي كتبه منصور الكلحي والأسلوب القرآني في سرده المباشر ،  فقد رأى يوسفُ عليه السلام في المنام وهو صغير لم يحتلم أن أحدَ عشر كوكبًا والشمس والقمر تسجد له، قال المفسرون: كانت الكواكبُ في التأويل إخوته، والشمسُ أمه، والقمرُ أباه، فَقَصَّ يوسف عليه السلام هذه الرؤيا على أبيه قيل: كان عمره وقتئذ اثنتي عشرة سنة، فأشفق عليه أبوه يعقوب من حسد إخوته له، قال تعالى إخبارًا عن قول يعقوب :{قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا(5)} [سورة يوسف] أي يدبروا حيلة لإهلاكك لأن الشيطان للإنسان عدو مبين.

قال الله تعالى: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4) قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5)} [سورة يوسف]. ولقد علم يعقوب عليه السلام أنه سيكون لابنه يوسف شأنٌ عظيم وسينالُ رتبةً عاليةً ورِفعةً ساميةً في الدنيا والآخرة، لذلك أمره بكتمان ما رأى في المنام وألا يقصّها على إخوته خوفًا عليه من كيدهم وحسدهم. ، كان بقية أبناء يعقوب عليه السلام يحسدون يوسف وشقيقه بنيامين على هذه المحبة والخصوصية لهما وهم يعتبرون أنفسهم جماعة أقوياء نافعين له وأحق بمحبته قال تعالى:{إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (8)} [سورة يوسف] وازداد كره إخوته وحسدُهم ليوسف خاصة لمَّا علموا بأمر رؤياه، ولذلك تآمروا فيما بينهم على أن يُفرقوا بينه وبين أبيه، وتشاوروا فيما بينهم على قتل يوسف أو إبعاده إلى أرض لا يرجع منها ليخلو لهم وجه أبيهم أي لتتمحَّض محبتُه لهم عن شغله بيوسف، وقالوا سنتوب بعد ذلك لنكون من الصالحين، قال الله تعالى حكاية عنهم:{اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9)} [سورة يوسف].

ولكنَّ قائلاً منهم قيل هو أخوه يهوذا وقيل غيره، قال لهم: لا تقتلوا يوسف، وأمرهم أن يلقوه في قعر البئر فيلتقطه بعض المارة من المسافرين فيأخذونه وبذلك يتخلصون منه.

قال الله تبارك وتعالى:{قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (10)} [سورة يوسف] وأخذ عليهم أخوهم يهوذا العهودَ أنهم لا يقتلونه، فأجمعوا عند ذلك على أن يدخلوا على يعقوب ويُكلّموه في إرسال يوسف معهُم إلى البريّة ليلعب معهم ويأكل، لذلك دخلوا على أبيهم وطلبوا منه أن يسمح لهم باصطحاب يوسف إلى الصحراء وتعهدوا له أن يحافظوا عليه:{قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12)} [سورة يوسف].

وكان يعقوبُ عليه السلام قد خطر له ما يُضمره بنوه لأخيهم يوسف، وكان يعزُّ عليه أن يذهبوا به لأنه كان يخشى عليه منهم، لذلك أراد أَن يثنيهم عن هذا الأمر بقوله:{قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13)} [سورة يوسف].

وهو كان يتخوفُ على يوسف من عدوانهم أكثر مما يتخوف عليه عدوان الذئب ولكنهم كانوا بارعين في الدهاء لذلك قال تعالى:{قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ ( سورة يوسف ـ آية ، 14) (10) ….

تجسد قصيدة محمد منصور الكلحي مشاهد متنوعة في سردية اللحظة الشعرية ، ومدة التماسك اللافت لاستنطاق الذئب المفترى عليه ، ويمكن لنا أن نلاحظ مدى براءة الذئب من دم ابن يعقوب ، وكأن الذئب نفسه أرحم من اخوة يوسف عليه السلام . كما اعتمد الشاعر على بنية لغوية تكشف المسكوت عنه أيضا في صورمجازية لافتة  تشي بمدى الكذب الذي وقع على الذئب ، محاولا الدفاع عن نفسه أمام أكاذيب اخوة يوسف المفتعلة .

وامتلك الشاعر حامد عامر (11)  جوانب فنية مهمة في بناء نصوصه الشعرية التي جاءت في الشكل العامي البسيط والعميق ، فحامد شاعر من شعراء أسوان المعدودين ـ وتحديدا في مركز ادفو . يلتحم الشعري بروح الحقيقة المقدسة منطلقا من بعدها الغنائي إلى أبعادها الدرامية فيقول في قصيدة بعنوان آخر صلاة :

 ” آخر صلاه ف بيت ربنا

فنعشي كنت أنا الإمام

سامع بكا شبه البكا

شايف دموع كده والسلام

والحزن واقف فالصفوف

عمال يقول سدو الفرج

خلو القدم جنب القدم

وأنا لسه هبكي مالندم..

راحو الحبايب سلموا قبل الإمام

    اتكأ الشاعر حامد عامر على بنية شعرية مفارقة في حقيقة الأمر ، حيث إنه ربط ما بين صورة الحزن الزائف والبكاء المزيف ، وما بين الفجيعة الكبرى الموت ، فيطرح النص الشعري صورا متناقضة للحياة المسكونة في قلوب العابرين بجنازة ، فلا يعينهم الأمر بقدر ما تعنيهم النهاية ، فيخرجون من الصلاة متفرقين ، وهذه هي قيمة النص الذي كتبه الشاعر حامد عامر ، مستدعيا لاقطات استعارية مائزة ، منطلقا في رحب درامي شديد الخصوصية والألم .فيكشف النص الشعري عن روح زائفة وتدين لاقيمة له  إن لم يكن عميقا في جنبات الروح ، ملموسا في القيمة والأفعال اليومية لدى الإنسان نفسه . ويقول في القصيدة نفسها :

وبـ ايه هجاوب عالملاك

يا حرقة القلب الي ذنبه

خلي نبضه يقول آهات

ياتوهة الفكر اللي كان

فاكر حياته مكمله

وضل الصراط…

(اقرأ كتابك ياعبدي علي مهلك)

ياروح يامفارقه بندهلــــــــــك

سطور خيري دي معدوده

وكله من صنيع جهلك

    ارتكز النص الفائت على استدعاء الخطاب القرآني من سورة الإسراء فيقول الله عزوجل : ” وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا (15) وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ  وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (17) . تبدو صورة الذات جلية في المقطع الشعري السابق ، وكأن الذات تكتنز الحوار الإلهي بين العبد وربه ، حتى يبلغ منتهاه ، واصفا حال كل إنسان يوم القيامة ، ليشي النص بتلك الروح الواحدة التي تصبح مسؤولة عن أفعالها ولها ما كسبت وقدمت . ومن ثم فإن الشاعر حامد عامر من شعراء العامية المتميزين الذين يمتلكون أدواتهم الفنية بصورة واضحة ،فيصبح نصه الشعري نصا مفتوحا على العوالم الإنسانية البسيطة ، ممتلكا صوتا يحمل خصوصية واضحة في شعر العامية المصرية .

موضوعات متعلقة:

أصوات الخطاب التراثي في  الشعرية الجديدة (3)

أصوات الخطاب التراثي في  الشعرية الجديدة  د. أحمد الصغير  (1)

أ

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img