أصوات الخطاب التراثي في الشعرية الجديدة (3)

 د. أحمد الصغير

 (5)

صوت الشخصية التراثية .

إن استدعاء الشخصية التراثية  الأدبية في النص الشعري الحديث ، فقد حظيت الشخصية الدرامية بدور كبير فى شعر الحداثة؛ فقد كان لها دورٌ بارزٌ فى الشعر العربي المعاصر بعامة، وعند شعراء الحداثة بخاصة، إذ حظيت بموقعٍ متميزٍ بوصفها مصدراً من مصادر الإلهام لدى الشعراء؛ فالشخصية هى أكثر معطيات التراث توظيفاً فى شعرنا العربي؛ فقد صادف شعراؤنا فى تراثهم كثيراً من الشخصيات التى عاشت يوماً ما تجربة شبيهة بتجاربهم”.

إن الشاعر يلجأ إلى التراث للتعبير عن تجاربه المعاصرة؛ فإن توظيف الشخصية التراثية فى الشعر العربي المعاصر يعني استخدامها تعبيرياً لحمل بعد من أبعاد تجربة الشاعر المعاصر؛ أي أنها تصبح وسيلة تعبير وإيحاء فى يد الشاعر يعبر من خلالها أو “يعبر بها” عن رؤياه المعاصرة “ولم يقتصر توظيف الشخصية التراثية على الجانب الدلالي فحسب “بل لقد ساهمت مساهمة فاعلة فى التشكيل الجمالى للقصيدة”، وأصبحت الشخصية الدرامية في القصيدة الشعرية تقنية فنية جديدة، نتيجة تداخل الأجناس الأدبية بين المسرح والشعر، لأنها ظهرت أول ما ظهرت في المسرح الدرامي، ثم انتقلت إلى الشعر، رغبة من الشعراء في استحداث تقنيات جديدة في القصيدة العربية.

ومن ثمَّ انبثقت الشخصية الدرامية من رحم التراث، حيث أن معظم الشخصيات التي تناولها الشعراء مستندين عليها في قصائدهم ذات مغزى درامي واضح، من خلال الأحداث التي أثرت فيها أو الأحداث التي صنعتها من روحها، فأصبح لدى الشعراء أرضية واسعة لاستدعاء الشخصيات الدرامية عبر مراحل حياتها المختلفة وعبر أطوارها المتعددة، وعليه فقد رصدنا التحول الدرامي لبعض الشخصيات التراثية في قصيدة الحداثة العربية. لتصبح قناعا فنيا اتكأ عليه الشعراء في التعبير عن مكنونات أنفسهم هذا من جانب أما الآخر، وهو منح الشخصية أبوابا متعددة للدخول إليها من الناحية التأويلية.

ومن أبرز الأقنعة التراثية/ الصوفية في شعر الحداثة العربية شخصيات صوفية مثل (الحلاج ، النفرى، السهروردي، وأبو حيان التوحيدي، وبشر الحافي، الشبلي)….. وغيرهم كثيرون من التراث الصوفى؛ والمتنبى، وامرؤ القيس، وتأبط شرا، وبشار بن برد، أبو نواس، أبو فراس الحمداني، وطرفة بن العبد، مالك بن الريب ، وقيس بن الملوح  الملقب بالمجنون ، من التراث الشعري العربي ، ورامبو  ومايا كوفسكى وريتسوس، وبودلير من التراث الأدبى العالمى، وعنترة بن شداد، وزرقاء اليمامة، موسى بن نصير، طارق بن زياد، وصلاح الدين الأيوبي، ومحمد الفاتح  من التراث العربى والإسلامي البطولى في عصوره المختلفة، وعليه  فقد تعددت أشكال الأقنعة الدرامية التراثية  التي ارتكزت على  استلهام الشخصيات الأدبية التراثية العربية والعالمية فى نصوص شعراء الحداثة بعامة والشعرية الجديدة لدى هؤلاء الشباب من جهة أخرى .  فيقول الشاعر جعفر أحمد حمدي (12) .  في قصيدة بعنوان( ملح الأبجدية ) :

 ” دفءُ الحقيقةِ

حينَ تنبتُ سُنبلَهْ

لتُعيدَ مطرودَ الديارِ

ومنزِلَهْ ..

مترادفانِ أنا و”قيسٌ”

في الهوى،

كلٌّ يجنُّ، وجِنُّنا لا نسْلَ لهْ ..

نهَبُ السماءَ

أريجَنا وغناءنا

والأرضُ تنصُبُ فخّها

كي تأكلَهْ ” .

من الملاحظ في النص الشعري السابق أن الشاعر جعفر أحمد حمدي ، يمتلك حسا تراثيا لافتا ، فقد انكب على قراءة التراث العربي بعامة والشعري بصفة خاصة ، مما جعله يمتلك مزجا معرفيا ما بين المجنون قيس ابن الملوح وتجربته في العشق ، وروح الشاعر نفسه ، فنلاحظ في نصوصه ذلك الحس الرومنطيقي المجروح الذي يبحث عن محبوبته كي يشفى من الألم ، ليعترف الشاعر جعفر حمدي اعترافا صريحا عن حقيقة هذا الحب الذي أودى به إلى جنون قيس ، فقد اصطدم الشاعر بالحقيقة المربكة ، فتلجأ الذات الشاعرة إلى مناجاة السماء ، حيث تكمن الطمأنينة المستقرة في يد الإله الأعظم ، وتصبح الأرض بمن فيها رمزا للدسائس والفخاخ القاتلة ، فسكانها لن يتركوا عاشقين جريحين في سرهما ، بل تبدو الصورة المواجهة للذات صورة سوداوية ، يغلب عليها الطابع السردي الحزين ، فتحاول الذات أن تتخلص من هذا الحزن المسكون فيها ، إلى عوالم أكثر محبة وإخلاصا وبراءة . كما جاءت لغة الشاعر ممتزجة بالحالة الشعرية والنفسية  التي حاول الشاعر الكتابة فيها . ويقول الشاعر جعفر أحمد حمدي في قصيدة بعنوان ، ( عطشانُ يا ربِّي ) :

 ” عطشانُ يا ربِّي

وليسَ هناكَ ماءٌ لليتامَى،

كلّما أتيتُ بئرًا مَا

يجفُّ ولا يفيضُ !!

كنتُ انتظرتُكِ عندَ بئرٍ جفَّ ماءُ اللّهِ فيهِ،

وآملاً في ريقكِ النهرَ الذي أرجُوهُ .

كنتُ الفتى الدّلّاءَ، فوقَ البئرِ،

تهزمُني ابتساماتُ العجائزِ

حينَ يشغلُنِي حضورُكِ يا حبيبةُ”

تبدو صورة العشق جلية في المقطع السابق ، حيث يستدعي النص الشعري صوت قيس ابن الملوح الملقب بالمجنون ، في حديثه عن محبوبته ليلى ، وأظن أنه تأثر كثيرا بشعرية قيس ، وبمعجمه الشعري أيضا فنلاحظ مفردات كثيرة تدل علي كلامنا مثل ( عطشان  ــ يجف ـ يفيض ــ انتظرتك ــ ريقك ــ تهزمني ابتسامات العجائز ــ يشغلني ـ حضورك ــ يا حبيبة ) كل هذه البنيات الفككة توميء إلى هذه الشعرية المجروحة التي تلحقها العزائم وابتسامات العجائز . فيبدو لي أن امتصاص الشخصية العاشق ( قيس ) للمعشوقة ( ليلى ) هو امتصاص فني بالدرجة الأولى ، لأن الشاعر جعفر حمدي ، يتماس بشكل واسع مع العاشق المجنون قيس ابن الملوح . ومن ثم فإن صوت الشخصية التراثية يمثَّل جانبا فنيا بالأساس ، قامت عليه نصوص الشاعر ، وغلب الطابع الرومنطيقي على شعره ، مما يمنح المتلقى نمطا مركزيا عند قراءته لنصوصه ، ولهذا ينبغي الحذر من الوقوع في هذا الحندق ، كما أدعوه أن يتخلص مما وقع فيه من مزالق فنية وعرة ، في نصوصه القادمة .

الهوامش :

1ــ انظر – على عشر زايد : استدعاء الشخصيات التراثية فى الشعر العربى المعاصر ؛ الشركة العامة للنشر والتوزيع ، ط1 سنة 1978 ، صـ7 ما بعدها .

(2)    على عشر زايد : السابق نفسه .

(3)  عصام بهى : ” الرحلة إلى الغرب فى الرواية العربية الحديثة ” ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، سنة 1991 ، صــ 5

(4)  على عشر زايد : ” توظيف التراث فى الشعر العربى المعاصر ” ؛ فصول ؛ المجلد الأول ، ع(1) سنة 1980 ، صــ 204 .

(5) شكرى عياد : ” الأدب فى عالم متغير ” , دار المعارف ، القاهرة 1975 ، صـــــ67.

(6) على عشرى زايد : ” استدعاء الشخصيات التراثية فى الشعر العربى المعاصر ” مرجع سابق ، صــ 18

(7)  وللاستزادة يمكن مراجعة  بعض الدراسات النقدية التي طرحت علاقة الشاعر بالتراث  مثل دراسة  الدكتور :عز الدين إسماعيل : الشعر العربى المعاصر ، قضاياه ، وظواهره الفنية والمعنوية ” المكتبة الأكاديمية ” ط5 ،طه وادى : ” جماليات القصيدة المعاصرة ” دار المعارف ، سنة 1982 ،   عبد العزيز حموده : الحداثة والتراث ؛ عالم الفكر ؛ مجلد 21 ، ع2 اكتوبر ، الكويت سنة 1991 ، صــ 204 .   ودراسة الدكتور / أحمد مجاهد : أشكال التناص الشعرى ، دراسة فى توظيف الشخصيات التراثية ؛ الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة 1998 .

(8) ـ ولد الشاعر محمد العارف  في غرب محافظة الأقصر عام 1996حصل على الثانوية الأزهرية عام 2014.ويدرس الآن في المعهد العالي للفنون المسرحية بأكاديمية الفنون ، نشرت له قصائد في دوريات عربية ومصرية ، كما اشترك في ورشة كلام للشباب التي أقامها المركز الثقافي الإيطالي ، وحصل مؤخرًا على جائزة التأليف في مهرجان نوادي المسرح التابع لوزارة الثقافة المصرية..

(9)  محمد منصور أبوالوفا أبو المجد ، اسم الشهرة : محمد منصور الكَلَحِي ، مقيم بمدينة فايد – محافظة الإسماعيلية، تاريخ الميلاد 20 – 2 -1992، طالب بكلية دار العلوم – جامعة القاهرة ، حاصل على بعض الجوائز على مستوى جامعة القاهرة والجامعات المصرية .

(10) ـ  للمزيد  حول تفسير الطبري ، وقصة النبي يوسف عليه السلام  ، يمكن مراجعة الموقع الألكتروني التالي :  ص77 وما بعدها ..

http://www.khorh.net/vb/t40488.html

(11)   حامد عامر حامد صالح  الشهره:حامد عامر أبوعَجَله ، بكالوريوس تجاره جامعة جنوب الوادي ، مواليد محافظة اسوان_مركز ادفو_قرية الصعايده قبلي ب كلح الجبل غرب 18 أغسطس 1990 ، حاصل علي المركز الاول علي اقليم جنوب الصعيد احسن قصيده عاميه  2014

(12)  جعفر أحمد حمدي ، مواليد أغسطس 1991 ، محافظة المنيا،، ماجيستير البلاغة والنقد الأدبي والأدب المقارن.، دبلومة المخطوطات العربية . ، فاز بجائزة سمو المعرفة المملكة العربية السعودية 2016. ، له ديوان تحت الطبع ” كآخر نقطة في البئر ” ..

موضوعات متعلقة

أصوات الخطاب التراثي في  الشعرية الجديدة   د. أحمد الصغير  (1)

أصوات الخطاب التراثي في  الشعرية الجديدة د. أحمد الصغير  (2)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img