أصوات الخطاب التراثي في الشعرية الجديدة (1)

 د. أحمد الصغير

 كلية الآداب ـ جامعة أسيوط ـ فرع الوادي الجديد                                                                                                   

(1)

تتباين أصوات الخطاب التراثي في الأعمال الإبداعية  بعامة والشعرية منها بصفة خاصة ، تباينا ملحوظا ، فقد احتفى الشعراء العرب المجددين بصورة التراث ، وأنماطه المختلفة بشكل واسع ، فأصبح توظيف أو استدعاء الأصوات التراثية ( الصوت الديني ـ الأسطوري ـ الشعري ـ الفلكلور الشعبي ـ الصوفي ــ الأدبي  ..وغيرها .. )   في النص الشعري ، تقنية من التقنيات الفنية المائزة في بناء النص الشعري من خلال  محاورتها واسترفادها ، لتؤدي هذه النصوص دورها في معالجة قضايا التراث  ، وطرح أفكاره النابضة / الخالدة عبر الزمن . ومن ثم فقد رأينا أن الشعر العربي الحديث ، بعامة وشعر الحداثة بخاصة ، قد احتفى باستدعاء  الخطاب التراثي وتوظيفه داخل نسيج النص الشعري ، فتجلت روح التراث في مناطق مختلفة داخل القصيدة الشعرية الواحدة ، وتوزعت في شكل قصصي وحكايات تراثية ذات مغزى فني ، وبؤر دلالية ثرية ، فاتكأ الشعراء على الانشغال بالتراث والحوار معه ، فصارت أصواته متنا فنيا ورمزا لعصور قد استقرت ثم اندحرت ، وظل رحيقها في نفوسنا، بل ظل التراث نفسه روحا خفية تحرك الحياة داخل القصيدة الشعرية الحديثة….

(2)

قام بيت الشعر بالأقصر ، التابع لحكومة الشارقة بالإمارات العربية المتحدة .  بمبادرة  مهمة  ذات حقيقة فاعلة  في حياتنا الأدبية  وهي ، وضع كتاب نقدي حول مجموعة من الشعراء المصريين الشباب ، لإلقاء الضوء على إنتاجهم الشعري ، ومدى التحقق النصي ،  والنضج الفني لهؤلاء الشعراء ، وقد اطلعت على  الدواوين جميعها ، وقد لاحظت مدى التباين الواضح في بنائها الفني والشعري . ومدى قدرة هؤلاء الشعراء الشباب على امتلاك أدواتهم الفنية في كتابة القصيدة العربية بتنوعاتها وأشكالها المختلفة . ومن هؤلاء الشعراء : ( محمد العارف، حامد عامر، محمد منصور الكلحي،  محمد هشام، محمود علي،  جعفر حمدي، علي حسان،  عمر مهران،  أحمد حافظ، أحمد الجميلي) . وللأمانة العلمية قد اجتزأت مجموعة من النصوص لبعض الشعراء الشباب مما ودت لديهم قوة في بناء ورغبة في التجديد ، متمردين في مضامينهم وتشيكلهم للقصيدة العربية . وستطرح دراستي التي قمت بها المناطق التراثية التي ارتكن عليها هؤلاء الشعراء ، محاولين تفجير رؤى مجازية تضيف للشعرية العربية . أصواتا لافتة ومهمة .

(3)

 صورة التراث .

كان التراثُ بأنواعه كلها ــ ولا يزال ــ  نبعاً صافيًا استقى منه شعراء الحداثة ، مادة لنصوصهم ، مما أحدث جدلية بين الشعر الحديث والتراث ، منذ قيام حركة الشعر الحر فى الوطن العربى على يد روادها نازك الملائكة و السياب و صلاح عبد الصبور و أحمد عبد المعطى حجازى ، وكان استدعاء التراث يمثل تقنية فنية فى القصيدة العربية الحديثة ، وهو ما يعد مداً لجسور مستقرة بين الماضى الزاخر بعبقه ، والحديث المتمم لجمال القديم ، ومضيفاً إليه جزءاً من واقعه ، فقد كان التراث – فى كل العصور – بالنسبة للشاعر ، هو الينبوع الدائم التفجر بأصل القيم وأنصعها وأبقاها ، والأرض الصلبة التى يقف عليها ليبنى فوقها حاضره الشعرى الجديد على أرسخ القواعد وأوطدها والحصن المنيع الذى يلجأ إليه كلما عصفت به العواصف فيمنحه الأمن والسكينة (1).

فعلاقة الشاعر الحديث بتراثه لم تنقطع لحظة واحدة ، وهذا المنطق يتبدى لى فى أن شعراء العصر الحديث بعامة وشعراء الحداثة بخاصة كان التراثُ محطاً لأنظارهم ؛ فهم يُقدِّمون نصوصهم الشعرية والتراث أمامهم ، يقلِّبونه ، ويحاورونه ، ويحورونه ، كما أفادوا من مصادر التراث العربى والأوروبى كلها ، دون أن تحكمهم المعايير ، أو يحول بينهم وبين التراث حائل ؛ فقد أفادوا من مصادره جميعها – كما سنرى ــ  وقد تنوعت المصادر التراثية التى استرفدها شعراء الحداثة ، ما بين ( القرآن الكريم ، العهد القديم والجديد، و الأحاديث النبوية ، وشخصيات تراثية ، ومصادر أسطورية ، ومواقف تاريخية ، وأدبية )  فقد تنوعت المعطيات والعناصر التى استمدوها من كل مصدر من هذه المصادر ما بين شخصيات وأحداث ونصوص وقوالب فنية ، ومعجم شعرى ومعطيات بلاغية وموسيقية ، وتنوعت أخيراً أساليب وتكنيكات وصور توظيف كل معطى من هذه المعطيات.  (2) .

ومن ثمَّ فإنَّ التراث العربى كان بمثابة الكنز العظيم الذى نهل منه الشعراء وكسروا الحاجز المنيع بين القديم والحديث ، وانصهر الجديد فى القديم ، وأخذ الجديد روح القديم ، وصار التراث معبرًا أصدق تعبير عن آلام الأمة وقلقها ، من خلال استقطاب هذه المواقف التراثية وإسقاطها على الآلام الحياتية ، والوجع القومى الممدد داخلنا.

فالتراث الحى هو التراث المتجدد ، القادر على فتح آفاق جديدة للحوار ، ليس حول الماضى وحده بل حول الحاضر والمستقبل كذلك ، هذا هو معنى تجدده – ومن ثم – فإن الأمة الحية هى التى تكون فى حالة حوار دائم مع تراثها القريب والبعيد تستكشف معدنه وتسبر أغواره ..(3)

وكان هناك اتصالٌ قوىٌ بين الشاعر وتراثه ؛ لأننا نحن أبناء هذا التراث ومالكيه ، ولنا الحق فى التصرف فيه من حيث المحافظة عليه ، وتطويره والإفادة منه ، وما زال الشاعر فى هذا الوقت وفى الأوقات كلها السالفة والقادمة يبحث عن أرومته التى يفخر بها أمام العالم أجمع ، وهذا ما أشار إليه على عشرى زايد فى قوله  ” وقد اهتدى الشاعر العربى المعاصر إلى هذه الصورة من صور العلاقة بالتراث عبر بحثه الدائب عن أدوات ووسائل تعبيرية تتسع لاستيعاب أبعاد رؤيته المعاصرة بكل ما فيها من غنى وتشابك وتعقيد ، ونستطيع أن ننقل هذه الرؤية إلى وجدان المتلقى بكل حرارتها وطزاجتها  وصدقها وقد وقع الشاعر فى بحثه ذاك على منجم بكر غنى بالكنوز التى لا ينفد لها عطاء ألا وهو التراث ؛ حيث وجد بين يديه تراثاً بالغ الغنى والتنوع متعدد المصادر والموارد ومن ثم ، فقد عكف على كنوز هذا التراث يستمد من مصادره المتنوعة أدوات وعناصر ومعطيات يمسح عنها غبار القرون ويفجر فيها طاقات الإيحاء والتعبير المتجدد ، وقد أدرك أن المعطيات التراثية تكسِب لوناً خاصاً من القداسة فى نفوس الأمة ونوعاً من اللصوق بوجداناتها لما للتراث من حضور حى ودائم فى وجدان الأمة ،وبحيث أصبح التوظيف تكنيكاً أساسياً من تكنيكات بناء القصيدة العربية الحديثة ” (4) .

وقد أشار شكرى عياد إلى ” أن الشاعر الحديث حين  يورد سطراً من  شاعر سابق  بين  ثنايا  كلامه أو حين يستغل لغة الشاعر  السابق   وإيقاعه فى تضاعيف  لغته  فإنما يريد أن يحضر بأوجز عبارة  مضمون  القصيدة السابقة ، أو روحها , أو يجرى حواراً  بين  الشاعر  السابق  أو يحاكيه ” (5) .

فتوظيف  الشاعر  المعاصر للتراث  بأنواعه  كلها  ، يكون  مجرد  إيماءة ،  أو اشارة ، تفى بالمطلوب ،  فهى تعمل  على مزج  القديم بالحديث , أو مزج  التراث  بالمعاصرة  ، وإقامة الحوار بينهما .

 عوامل استدعاء التراث .

وقد  أشار على عشرى زايد  فى كتابه “استدعاء الشخصيات  التراثية  فى الشعر  العربى المعاصر ”  إلى  خمسة عوامل ، هى :

1- عوامل فنية

2- عوامل ثقافية

3- عوامل  سياسية واجتماعية

4-عوامل قومية

5- عوامل نفسية ”  (6) .

وفيما  يبدو لى أن  على عشرى زايد قد  جمع العوامل والأسباب كلها التى تجعل  الشاعر  المعاصر يعمل على استدعاء  تراثه ،  والحنين  إليه ، وتقديمه  فى الوقت الراهن بشكل  مختلف ، عما كان يقدم به قبل  ذلك ، ولكنه قد اقتصر على استدعاء الشخصية التراثية فقط ؛ وهذا ما جعلنا نتناول توظيف التراث بصورة موسعة .

فإحساس  الشاعر  المعاصر بمدى  غنى  التراث  وثرائهِ  بالإمكانات  الفنية ،  والمعطيات  والنماذج  التى تستطيع  أن  تمنح  القصيدة  المعاصرة  طاقات  تعبيرية لا حدود لها  فيما لو وصلت أسبابها  بها  ،  ولقد  أدرك الشاعر المعاصر  أنه  باستغلاله  لهذه  الإمكانات  يكون  قد وصل تجربته  بمعين لا ينضب  من  القدرة  على الإيحاء والتأثير ،  وذلك  لأن المعطيات  التراثية  لها دور كبير فى تشكيل وجدانات الأمة العربية .

وقد احتفت الشعرية الجديدة باستدعاء الخطاب التراثي ، محاولة القيام ببعثه في شكل فني جديد . وعليه فقد احتفت معظم النصوص الشعرية التي قرأتها لهؤلاء الشعراء الشباب ، هذه المجموعة من الأصوات الجديدة ، بروح هذه التراث بشكل واسع ، فنلاحظ الاتكاء على التراث الديني / المقدس ، من خلال ( القرآن الكريم ـ الانجيل ـ التوراه ــ والأحاديث النبوية ـ والسيرة ) . والتراث الأسطوري ، والشعبي ، والشخصية التراثية ) .

موضوعات متعلقة:

أصوات الخطاب التراثي في  الشعرية الجديدة (3)

أصوات الخطاب التراثي في  الشعرية الجديدة (2)

 

 

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img