اغتراب الشاعر وأنماط صراعه الفكري (1)

قراءة في ديوان آناء الحب وأطراف الوداع للشاعر محمد عرب صالح

د. حنان رضوان

الشاعرة ومدرس النقد الأدبي بجامعة القاهرة

مدخل.

 الاغتراب  قدر الشاعر المعاصر وأحد مباعث شاعريته

الاغتراب شعور إنساني عام يعتري روح الإنسان فيحيطها بغلالةٍ من النفور والقلق والوحشة، أو يتنامى فيوقعها في حالة قاسية من عدم التلاؤم والتمزق النفسي. وإذا كان هذا الشعور ذا تاثيرٍ بالغٍ على النفس الإنسانية بشكلٍ عامٍّ، فلا شك أن هذا التأثير يزداد حدةً وفاعليةً لدى النفس الشاعرة مرهفة الحس؛ لذلك فإن ظاهرة الاغتراب تعد إحدى الحالات الشعرية الشائعة التي تكتنف الشاعر فتدفعه إلى حشد طاقاته الإبداعية للتعبير عن صراعه مع ذاته ومع واقعه متعدد التغيرات في القيم والسلوك والأوضاع المجتمعية ومظاهر التعاطي الثقافي. وهذا الصراع الداخلي الذي يختلج في روح الشاعر غالبًا ما يفضي به إلى صور عديدة من الهروب؛ كالانكفاء على ذاته والتوحد مع شاعريته، أو الهروب إلى المدينة الأفلاطونية الحالمة، أو استدعاء صور الطفولة البريئة، والحنين إلى الماضي، أو استشراف الموت والرحيل.  وقد يصير الاغتراب باعثًا للشاعر على الثورة والتمرد على الواقع ومحاولة تغييره .

والذي يقرأ ديوان “آناء الحب وأطراف الوداع”، يستوقفه هذا الملمح الشعري الذي يتردد صداه في كثير من قصائده؛ حيث إنه ليبدو لعين القارئ المتمعن أن الاغتراب في هذا الديوان هو الخيط الشفيف الذي يصل بين أغلب تلك القصائد.

وفي قراءتي لهذه المجموعة الشعرية، سأحاول رصد أبرز أنماط الاغتراب، وكيف استطاع الشاعر أن يعبر عن هذه المشاعر النفسية والصراعات المجتمعية والرؤى الفلسفية في حُلَّة شعرية متفردة، وما المنازع الرومانسية والواقعية والدينية التي نزع إليها الشاعر لمقاومة هذا الاغتراب، كالامتزاج بمظاهر الطبيعة، واستدعاء الماضي، ولقاء الحبيبة، والهروب بالموت.. إلخ. إضافة إلى الحديث عن المعجم الشعري للديوان، والصورة الفنية ومصادر استلهامها فيه.

 أولا: عنوان الديوان.

يختار الشاعر لمجموعته الشعرية هذا العنوان الموحي، الذي يبدو فيه التأثر الجلي بأسلوب القرآن الكريم (آناء الليل وأطراف النهار)، ومعناها ساعات الليل والنهار واستمرارية الزمن. وكأنما أراد الشاعر أن يلخص الحياة بكل ما فيها في معنيين اثنين هما (الحب والوداع)؛ فما الحياة في نظره إلا أن تلقى من تحب ثم تودعه. ويُلاحظ من المقابلة بين الأسلوب القرآني وصياغة الشاعر لعنوانه أنه جعل (الحب) في مقابل (الليل)، و(الوداع) في مقابل (النهار) ـــ في إشارة إلى أن (الحب) غالبًا لا يكون إلا في الساعات المختلسة من العمر (آناء الليل) وأن (الوداع) غالبًا ما يكون صدمة الواقع أو صدماته المتعاقبة في (أطراف النهار). وهو ما يستحضر لدى المتلقي قول إبراهم ناجي في ختام قصيدة (الأطلال):

وانتبهنا بعدما زال الرحيق

وأفقنا ليت أنا لا نفيق

يقظة صاحت بأحلام الكرى

وتولى الليل والليل صديق

وإذا النور نذيرٌ طالعٌ

وإذا الفجر مطلٌّ كالحريق

وإذا الدنيا كما نعرفها

وإذا الأحباب كلٌّ في طريق

و لأن (الحب) يحمل في ظلاله معنى الوطن والسكن والأمان ..إلى غير ذلك من المعاني الإيجابية بينما يحفل (الوداع) بضد تلك المعاني، فيحمل في ظلاله آلام الفرقة والتمزق النفسي والوحشة، فإن عنوان الديوان يحمل الإشارة الأولى إلى معنى الاغتراب الذي يتعاقب مع ضده من معاني الاستقرار والأمان تعاقب الليل والنهار على الإنسان، فهو دائمًا وأبدًا يدور في حلقات من الحب والوداع ومن الاستقرار والاغتراب ومن الآمال والآلام يفضي بعضها إلى بعض على مر الزمان.

ثانيًا. مقدمة الديوان

ومن خلال تلك المقدمة القصيرة يبدو ملمح الاغتراب في توصيف الشاعر لنفسه حين جردها من ماديتها، فوصف نفسه بأنه (محض أغنية) أي أنه متوحِّدٌ مع شعره، متجرِّدٌ من كل معنىً آخر، ولا شك أن لكل شاعرٍ رؤيته المتفردةً لنفسه وللعالم، غير أن أبرز صفات الشاعر من خلال تقديمه ذاك هي صفة الارتحال والاغتراب، فقلبه شاعر، نذرته الشمس للصحراء، وكونه بدويًّا يعني أن رحلة اغترابه تلك لا تنتهي، والحديث عن دموع الأب الذي (كل دموعه شعراء)؛ تربط في وضوحٍ بين الشاعر والألم، فما الشاعر إلا نبتة من دموع…

و(الأم) و (الأب) هما رمز المحبة والعطف بامتياز، لكن التعبير عن تلك العاطفة المتدفقة يختلف من أحدهما إلى الآخر، وقد عبر الشاعر عن ذلك بقوله (لأني محض أغنية لأم تصنع الحناء). حيث (الغناء) و(الحناء) رمز الفرح والاستقرار، الذي تصنعه الأم صناعة، أيًّا كانت ظروف الحياة المحيطة بها، بينما تعبير الأب عن الحب يكون من خلال جهده وحركته في الحياة، أو ــ بمعنى آخر ــ من خلال دموعه التي ينبت منها الشاعر والتي هى آية الحب الذي تنفجر به مشاعره على حد تعبيره (سأنبت من دموع أي فكل دموعه شعراء).

وتعبير الشاعر هنا يذكرنا بقول الشاعر(أحمد بخيت) في قصيدته (شهد العزلة):

أنا زهو الأب الحداد

حلم شبابه الناضر

على إيقاع ساعده الفتيّ

ترنم الطائر

أنا الحداد يا ليلى

 وزند أبي هو الشاعر

وهكذا ترسم مقدمة الديوان عالمًا شعريًّا يمتزج فيه الغناء بالدموع، والرحلة بالاستقرار الأسري، والفرح بالألم. ويلاحظ أن الشاعر يقدم نفسه بصيغة التعليل، وكأنما سأله سائلٍ: لماذا أنت متفرد؟ أو لم يحفل قلبك بكل هذه المشاعر المتضاربة؟ فأجابه الشاعر ضمنيًا بتلك المقدمة القصيرة: لأني محض أغنية …

ثالثًا. عناوين القصائد

يلاحظ أن الشاعر قد أحسن توظيف عناوينه بحيث يتناسب عنوان كل قصيدة مع مضمونها، ويرتبط كذلك بعنوان الديوان كله وما اشتمل عليه من معانٍ بسببٍ أو آخر ،  كما أحسن الشاعر ترتيب القصائد بحيث تفضي كل قصيدة إلى التي تليها، وترتبط كل قصيدة في أغلب الأحيان بسابقتها. ويتكون الديوان من اثنتي عشرة قصيدة، هي على الترتيب:

·     ما روته صبارة  
·     أغنية في المنفى  
·     الذي لمتتني فيه  
·     أندلسية  
·     الشعراء   
·     مقام العود   
·     خلف حائط المبكى .. إلى طفل فلسطيني 
·     القتيل الأخير
·     عارجة إلى القصيدة
·     الجذع
·     ضيف على الأموات 
·     ذات صباح .. ذات حرب

 

وفي قصيدة (ما روته صبارة)، يتناول الشاعر المشاهد المتعاقبة التي شهدتها الصحراء من معاناة الراحلين والعابرين وحتي المقيمين فيها (كالريم المعطشة على بئر الجنوب)؛ لذلك كان اختيار هذا العنوان بالغَ الإيحاء؛ فالصبارة: تلك النبتة الصحراوية الصامدة هى ذلك الكائن الثابت الذي مرت عليه كل مشاهد الصحراء، وهى الشاهد الأمثل الذي يمكن الاتكاء عليه عن الحديث عن تلك المشاهد المتعاقبة. إضافة إلى دلالة لفظ (الصبارة) نفسها بما توحي به من معاني (الصبر، والمرارة، والجفاف، وطول العمر…إلخ)  والتي تتناسب كذلك مع ما تضمنته القصيدة من معاني: الألم، والشجن، والاحتياج التي تشي بها معاني (الرحلة، والحداء، والذكريات المتوحشة، والحنين الجياش، والإشفاق لدى المسافر، وبكاء الصياد).

وحديث الشاعر عن السفر والرحلة والذكريات في القصيدة السابقة  (الصبارة) يفضي إلى الحديث عن (المنفى) في قصيدة (أغنية في المنفى)، بعد انتقال المسافرين أو العابرين إلى خارج أوطانهم حيث الغربة والنفى. كما أن هاتيك المعاني تتلاقى وعنوان الديوان أو المجموعة الشعرية التي تدور في محورها الأساسي حول معاني الحب والوداع، (حيث رحلة الاغتراب عن الوطن ووداعه) كما يستشف من معاني القصيدة الأولى وما ينتج من عاطفة تعمق الإحساس بالاغتراب حيث الاستقرار في المنفى (كما يفهم من دلالة عنوان القصيدة الثانية).

ونلمح في عنوان قصيدة (أغنية في المنفى) معنيين متصارعين هما: معنى (الغناء) ومعنى (النفي / أو الاغتراب)، اللذان يشيران إلى عاطفتين متباينتين ومتلازمتين في الوقت ذاته، هما عاطفتا الحنين إلى الوطن، والتحسر والتألم لفراقه. ومن مطلع القصيدة يتجلى حزن الشاعر العميق، وشعوره بالأسى لما آل إليه أمر وطنه، وما أصابه من تدمير يوحي به استهلال القصيدة بقوله: (لآخر ما تبقى من بلادي)، حيث التأثير الإيحائي العارم بتفتت البلاد، وندرة ما بقى منها من أثر…كما يتجلي اعتزاز الشاعر بتلك البقية الباقية من بلاده، وعزمه على أن يهب لها كل ما لديه، نذرًا خالصًا، وأول هذه الهبات الغالية شعره الذي نذره لها ورديّ المهاد.

لآخر ما تبقى من بلادي

نذرت الشعر وردي المهاد

وتبدو القصيدة التالية (الذي لُمتُنَّني فيه) في عمومها متناسبةً تماما مع عنوان المجموعة الشعرية، والعلاقة واضحة؛ فهى تتناول حديثًا عن (الحب والوداع) في إحدى صورهما الأكثر شيوعًا، وهو عشق المرأة للرجل، ووداعها له بعد تغييبه في السجن. والرابط بينها وبين القصيدة السابقة يكمن في التشابه النفسي بين كل من معنى (الوطن) و(المحبوب) أو (المعشوق) وبين معنى (النفي من الوطن) و(الحرمان من المعشوق) وبين معاني الحنين والأسى والندم المرتبطة بتذكر الماضي وشجونه في كلتا الحالتين.

أما قصائد ( أندلسية)، و(الشعراء)، و(مقام العود)، و(القتيل الأخير)، و(عارجة إلى القصيدة)، و(الجذع) – فجميعها تهوِّم في عوالم الموسيقى والشعر والغناء والموشحات، وتتحدث عن بطولة الشاعر ودوره في حياة أمته، وعلاقة التوحد بين الشاعر وشعره، ومنزلة القصيدة من الشاعر وأثرها في حياته، وجميع المعاني الرومانسية المتعلقة بالشوق والغرام والغزل والعشق، وما يتخللها من فراق وآلام، والتي تربط تلك القصائد بعنوان الديوان الأساسي الذي يدور حول المعنى الأشمل (الحب والوداع).

بينما تركز قصيدتا (خلف حائط المبكى)، و(ذات صباح..ذات حرب) على نوع خاصٍّ من البطولة هي بطولة فداء الوطن، حيث الحديث عن مأساة الطفل الفلسطيني، وصور العدوان عليه، واغترابه المجتمعي بين وجهات النظر المختلفة في الحكم عليه، واغترابه المكاني كذلك في رحلاته المتعاقبة عبر الزمان مع شوقه وحنينه الدائم إلى موطنه.

وأما قصيدة (ضيف على الأموات) فهي تعبر عن نظرةٍ فلسفيةٍ عميقة عن رحلة الإنسان في الحياة، والتأمل في تجربة الموت التي تمثل النهاية الحتمية لتلك الرحلة، وتتخللها لمحة رقيقة من الصوفية في التعبير عن العشق الإلهي..فهي أيضًا تلخص معاني الحب والوداع الواردة في عنوان الديوان، وتترابط مع قصائده بذلك الخيط الرفيع المتعلق بمعنى الاغتراب وصوره، وهكذا تتضام حبات القصائد، وتنتظم في عقد الديوان مشكِّلةً ذلك الكل المتناسق والمتجانس في مضمونه وترتيب أجزائه.

موضوعات متعلقة:

اغتراب الشاعر وأنماط صراعه الفكري (3)

اغتراب الشاعر وأنماط صراعه الفكري (2)

 

 

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img