اغتراب الشاعر وأنماط صراعه الفكري (3)

قراءة في ديوان آناء الحب وأطراف الوداع للشاعر محمد عرب صالح

د. حنان رضوان الشاعرة ومدرس النقد الأدبي بجامعة القاهرة

خامسًا. المعجم الشعري في الديوان:

تنوع المعجم الشعري للشاعر في هذا الديوان فاشتمل على مفردات مستمدة من عدة حقول دلالية أبرزها: المفردات المستمدة الطبيعة والكائنات المحيطة بالشاعر، تليها مفردات الغناء والطرب والشعر، ثم مفردات الألم والمعاناة والدمار والفقد، ثم المفردات الدالة على معاني الحب والغزل والعشق، وأخيرًا مفردات  على النحو الآتي:

حقل الطبيعة والكائنات الحية والبيئة المحيطة، ومفرداته: (الريم، الرئم، الصحراء، الصبارة، البئر، السراب، الجياد، الأطلال، التمر، الليل، الشمس، المشمشة، النهر، الغيم، الورد، سنابل القمح، الطين، العنادل، الطيور، الغزال، النجمات).

حقل الغناء والطرب والشعر، ومفرداته: ( أغنية، الشاعر، مواويل،القصيد، المزمار، القافية، الأوتار، الصبا، بياتي، العزف، الناي، الترانيم، الموشح، الدندنة، كمنجة، أوركسترا، االألحان، السكر، الصدح، المسرح، غردوا، الربابة، عود ).

حقل الألم والمعاناة والدمار والفقد، ومفرداته: (دموع، الآهات، خوف، الوداع، يخدشه، الجرح، النبش، النهش، مهدمة، البكاء، اليتم، السهاد، الشوك، الحداد، النواح، الحزن، النار، الرماد، الأنقاض، الموت، الوفاة، الدم، القتيل، الخيانة، لسعة).

حقل الحب والعشق والغزل، ومفرداته: (الحب، عشقوا، الحنين، لحاظك، الصبابة، الفؤاد، الهيام، القلب، الشغافة، الجميل، الغزل، الشوق، الأحلام).

حقل الرحلة والسفر، ومفرداته: (الراحلة، الهودج، الحادي، العابرون، المسافر، يجتاز).

إلى جانب بعض المفردات التاريخية ذات الظلال المميزة مثل: (سور عكا، جيوش التتار، جدران معبد بابل، دمشق، ساعة ال”بيج بن”، لندن) والواردة جميعها في آخر قصائد الديوان (ذات صباح.. ذات حرب)، والتى أحسن الشاعر توظيفها للدلالة على رحلة اغتراب الطفل الفسطيني على امتداد الزمان والمكان.

ومما يلفت النظر كذلك توظيف العامية في قصيدة (خلف حائط المبكى)، حيث يمزج الشاعر بين الفصحى والعامية الفلسطينية على سبيل الحكاية في قوله:

ويلاحظ أن اختيار مفردات هذه الأغنية لم يأت اعتباطًا؛ فقد أجاد الشاعر توظيف الكلمات لتخدم المعنى الذي أراد الإشارة إليه، فالنخل العالي يشير إلى العزة العربية والتاريخ العربي العريق، وهو ما يستشف من شموخ النخل وعلوه، ولكن هذا النخل العالي مال عليه عرجونه، أي مالت عليه فروعه، والعرجون المائل هنا يشير إلى الحياد عن الحق، والميل عنه، وهو ما يرشحه قول الشاعر بعدها:

أي أن الخيول (رمز العزة والجهاد والقوة) قد تاه عنها فارسها وضل طريقه، وهي مقدمة تنحى باللائمة على الإنسان العربي المعاصر الذي تخلي عن البطولة والفروسية، واكتفى بالمشاهدة السلبية. كما يرسم الشاعر بكلماته صورة انقطاع صوت غناء الطفل المفاجئ نتيجة (القصف الأول) الذي يشير إليه عنوان المقطع الشعري:

يا ما .. ما

يا ما …

يا …

وفي دلالة اختيار اسم (خالد) ما فيه من خلود ذكر ذلك الطفل وبقائه، كما فيه إشارة ضمنية إلى بطولته الحربية؛ لكونه يحمل اسم أشهر قادة الحروب الإسلامية، وسيف الله المسلول (خالد بن الوليد):

سادسًا: الصورة الفنيةفي الديوان ومصادر استلهامها

نوَّع الشاعر صوره الفنية في الديوان، وكان أكثر مصادر  استلهامه لصوره من الموروث التاريخي والديني، فشاع في الديوان التأثر بالنص القرآني في أساليبه وقصصه، ومن ذلك التأثر بالأسلوب القرآني (آناء الليل وأطراف النهار) في عنوان الديوان(آناء الحب وأطراف الوداع)، كما سبقت الإشارة، وكذلك توظيف قصة أهل السبت، وتشبيه (الشعراء) بهم في قوله:

ومن الصور الفنية، توظيف قصة يوسف عليه السلام في أكثر من موضع، كقول الشاعر في قصيدة (ما روته صبارة)، حيث تبدو فيه ظلال قصة يوسف في الحديث عن القميص والغواية والسجن:

كما وظف الشاعر القصة نفسها بكل مفرداتها وظلالها بشكلٍ أكثر وضوحًا وأعلى كثافةً في قصيدة (الذي لمتنني فيه) الذي يبدو فيه توظيف القصة بدايةً من عنوان القصيدة، ويتضح ذلك التوظيف من خلال الأبيات التالية:

وقوله:

وكذلك توظيف بعض الأساليب القرآنية في مواضع مختلفةٍ، منها ما يبدو فيها التأثر بقوله تعالى: (والنجم إذا هوى….ثم دنا فتدلى):

وقوله في القصيدة نفسها:

الذي يبدو فيه التاثر بقوله تعالى: (عبس وتولى).

كما تتميز صور الشاعر الفنية بالتدفق والتتابع بشكلٍ تلقائيٍّ، بحيث تفضي كل صورةٍ إلى التي تليها بشكل لا يوحي بأي تكلف أو اصطناع؛ ففي قصيدة (ما روته صبارة) – على سبيل المثال – العابرون في الصحراء لديهم (أمنيات وذكريات)، آمال ومخاوف، وعلى ذكر ذلك تتدافع الصور التي تصف عشقهم الذي يجري في دمائهم، ومخاوف الوداع التي ربما تكون قد تحققت بالفعل.

خلال تلك الرحلة:

ويلي ذلك الحديث عن الحكايا التي هي زاد المسافر، والحنين إلى ذكريات البيت، والمعشوقة، ولمساتها:

ومن الفنيات التي يلجأ إليها الشاعر لإضفاء قالبٍ دراميٍّ على القصيدة توظيف الكتابة للتعبير عن المعنى في بعض الأحيان، بحيث تبدو الكلمات وكأنها تحكي معانيها برسمها وهيئتها، ومثال ذلك أنه عند ذكر كلمة (أهوي) في قصيدة (الذي لمتنني فيه).. كتبها بحروف متفرقة ومتعاقبة على الأسطر التالية لها بشكلٍ متدرجٍ لتحاكي برسمها معنى السقوط:

وكذلك في قصيدة (خلف حائط المبكى)، يصور الشاعر برسم الكلمات انقطاع صوت غناء الطفل لحظة تعرضه للقصف بهذا الشكل:

وفي آخر قصائد الديوان  يختتم الشاعر القصيدة بشكلٍ مفاجئٍ يحاكي فعل الموت الذي هو آخر كلماتها، ليكون هذا الفعل خاتمة الديوان كما أن الموت آخر كل شيء، يقول الشاعر واصفًا ختام حياة الطفل الفلسطيني بعد طول رحلته في الزمان والمكان:

ـــ  و كثيرًا ما يلجأ الشاعر إلى استخدام الرمز في رسم صوره الفنية، ولعل من أبرز النماذج التي يتضح فيها هذا النمط من التصوير (قصيدة القتيل الأخير)؛ حيث ترسم القصيدة في إيجاز صورة رمزية للشاعر الذي عاداه كل شيء حوله حتى ظله، لكنه قهر الخوف وأراد الخلود فبقيت أغانيه يقتسمها اليتامى، ونايه يغني للزيتون.

والمعنى نفسه تؤكده وتكمله قصيدة (عارجة إلى القصيدة)، حيث الحديث عن اغتراب الشاعر ومعاناته الأسطورية من أجل الوصول إلى شعره، واتصاله بعناصر الكون المختلفة وتلاحمه معها من أجل إنتاج القصيدة التي تنير الكون وتكون أختًا للصباح.

وتبدأ الإشارة إلى المعاناة من عنوان القصيدة (عارجة إلى القصيدة) حيث العروج الذي يوحي بعلو منزلة القصيدة، وصعوبة الوصول إليها، مع ما تضفيه مادة (العروج) من ظلال قدسية على طريق الصعود الذي يجب على الشاعر أن يسلكه الوصول إلى قصيدته. وتبدو رحلة معاناة الشاعر خلال القصيدة من خلال عدة إشارات ترسم خيوط تلك الرحلة، وملامح تلك المعاناة؛ فالبداية هي الصمت المطبق الذي تجمع الشعراء في خافقية يستنطقونه منذ الأزل:

ثم تكون القصيدة التي هي من الشاعر بمثابة الابنة من أبيها، بل إنها أعلى منزلة وأرفع مكانة، فهي ابنة الروح لا ابنة الجسد:

وهذه البنت (القصيدة) التي ولدت وتألقت ليلا، أحست بالغربة والتيه في الصباح، ووقفت عاجزة عن الغناء في إشارة إلى صعوبة الفن الشعري واستعصائه على التواصل اليسير مع متلقيه أوجمهوره. وكانت الصدمة أيضًا حين لم تتجاوب ظواهر الكون والكائنات مع الشعر ولم تصغ له، وكان حقه أن يبلغ آذان الجميع حتى الموتى  منهم:

ويشبه الشاعر الشعراء في رحلة التيه والتخبط التي تعرضوا لها بأهل السبت، وكيف أنهم ارتضوا العيش في عالم الشعر، واتخذوا من أبياتهم بيوتًا وزهدوا فيما سواها.

وكيف تحولت تلك الرؤى الشعرية لتكون رمزًا للعزة والشموخ (الذي يرمز له الشاعر بالنخل المهيب)، و كيف تحولت هذه القصائد لتكون مصدرًا للضياء وأختًا للصباح.

سادسًا. موسيقى الشعر وتوظيفها في الديوان

نوع الشاعر أداءه في قصائده بين نمطي الشعر العمودي والشعر الحر، حيث اشتملت قصائد الديوان على ست قصائد من الشعر العمودي هي:

·     ما روته صبارة   
·     أغنية في المنفى

·     أندلسية

·     الشعراء

·       مقام العود

·       عارجة إلى القصيدة

 

وخمس قصائد من الشعر الحر أو (شعر التفعيلة) وهي:.

·     الذي لمتتني فيه

·     خلف حائط المبكى

·      القتيل الأخير

·     ضيف على الأموات

·     ذات صباح .. ذات حرب

وقصيدة واحدة جمع فيها بين نمطي الشعر العمودي والشعر الحر هي قصيدة (جذع) . كما أنه نوع بين البحور الشعرية في قصائده، كالكامل والوافر والخفيف وغيرها، ورغم اعتقادي بأنه لا علاقة بين الوزن الشعري وبين المعنى المراد التعبير عنه، بمعنى أن البحر الشعري الواحد قادر على استيعاب مختلف المعاني الشعرية المتباينة،إلا أنني أرى أن هذا التنوع في استخدام البحور البسيطة والمركبة يدل على تمكن الشاعر الموسيقي وقدرته الإبداعية على استخدام أي قالبٍ موسيقيٍّ للتعبير عما يجول بخاطره.

وقد أحسن الشاعر توظيف القالب الشعري لخدمة المعنى في بعض الأحيان،فالجمع بين نمطي الشعر(العمودي وشعر التفعيلة) في قصيدة (جذع) جاء لغاية فنية، حيث مزج الشاعر بين القالبين في إشارة متعمدة إلى صلة القرابة بينهما، فقصيدة الشعر الحر هي ابنةٌ شرعيةٌ للشعر العمودي، فملامحها بها قدر كبير من التشابه مع معطيات القصيدة العمودية ومفرداتها:

التمر يعرفها .. والليل يعرفها .. أسرى لشامتها

الناي يعزفها .. الجزح ينزفها .. خوف ابتسامتها

غير أنها تحتاج إلى شيء من التأمل لاستشفاف صورها وتبين مقصودها.

سحابها مقفر

وشمسها تأويل

وتصرح قصيدة الشعر الحر بصلة القرابة بينها وبين الأب (الشعر العمودي الأصيل) في ختام القصيدة قائلة:

قالت مغنية التفاح: كان أبي

مستفعلن في الحكايا لا يزال به

من شاعرات المراثي العاشقات طلول

يحنو على بنته الجوعي فيقتلها

وطفله الجذع في حضن الفتاة قتيل

وفي قصيدة (الذي لُمتُنَّني فيه) يلاحظ أن القصيدة جاءت في قالب من الشعر الحر، لكنها اختلفت عن باقي قصائد الشعر الحر في الديوان، حيث لم يلتزم  الشاعر فيها بأية قافية داخلية إلا ثلاثة مواطن  فقط في القصيدة في كلمات (النساء، والأنبياء) (سافكات، مسكرات، الغانيات، السارقات، رحابات، غيابات) (حافية…جارية). لذلك فإن أبيات القصيدة ــ أو بالأحرى سطورها الشعرية ــ تتلاحق ويحس قارئها بأنفاسه تكاد تنقطع في قراءتها إذ تبدو القصيدة بكاملها وكأنها بيتٌ شعريٌ واحدٌ طويلٌ متصل، أو هما على الأرجح بيتان، حيث يمكن تقسيم القصيدة إلى مقطعين طويلين. الأول يمتد من بداية القصيدة، ويشمل مناجاة بطلة القصيدة لنفسها وحديثها إلى النسوة اللائي لمنها:

أما المقطع الثاني فيشمل باقي القصيدة حيث المخاطب في الأبيات هو (يوسف النبي):

وهذا التتابع الكثيف للسطور الشعرية يتناسب مع موضوع القصيدة؛ حيث مقام التذكر الذي تنهال فيه الذكريات وتفيض كالسيل الذي لا يكاد يلاحقه الوعي، وتلهث خلفه أنفاسه. كما أجاد الشاعر كذلك توظيف كلمتي (الصبا) و(بياتي) كما سبقت الإشارة، معتمدًا على الخصائص الموسيقية الشائعة لكل منهما. وقد أبدع الشاعر في اختار قوافيه، خاصةً في استخدامه لبعض القوافي الصعبة وغير الشائعة، كالقافية المنتهية برويّ الشين مع هاء السكت في قصيدة (ما روته صبارة): (وشوشه، أنجشه، تفرشه)، والقافية المنتهية برويّ اللام المشددة المفتوحة في قصيدة الشعراء (ظلّا، اختلّا، معتلّا). ومن العوامل التي أضفت مزيدًا من الموسيقي على بعض القصائد انتهاؤها بشكلٍ دائري، حيث يكرر الشاعر في ختام القصيدة نفس المقطع الذي ابتدأ به بيتها الأول تأكيدًا للمعنى وإضفاء لمزيد من التماسك على البناء الشعري، وقد تكرر ذلك الأمر في قصائد: (ما روته صبارة) التي تبدأ وتنتهي بقول الشاعر: (ريم على بئر الجنوب معطشة)، قصيدة (أغنية في المنفى) التي تبدأ وتنتهي بقول الشاعر: (لآخر ما تبقى من بلادي)، قصيدة (الشعراء) التي تبدأ وتنتهي بقول الشاعر: (سالوا من المعنى فكانوا ظلَّا).

وختامًا:

فمن خلال قراءة هذا الديوان يمكن القول إن الموضوع الأكثر شيوعًا خلال سطوره وبينها هو موضوع اغتراب الشاعر، أو الاغتراب الإنساني بشكلٍ عام، وقد أجاد الشاعر التعبير عن فكرته من خلال حسن اختياره لمعانيه وصوره وأخيلته، مما يؤكد أننا أمام شاعر متمكن من أدواته الفنية، يمتلك قدرة شاعرية بارعة على انتقاء ألفاظه ذات الدلالات الكثيفة والظلال المتشعبة المناسبة لموضوعه، وهو شاعر مثقفٌ على قدرٍ كبيرٍ من الإحاطة  بموروثه التاريخي والديني والفني؛ قادر على استلهامه وإجادة توظيفه في قصائده، مما يمكنه من تقديم عوالمه الشعرية، ورؤاه الفلسفية في سلاسة وتناغم وأن تكون مع تلك الرؤى – مع جاذبيتها وإتقانها – على قدرٍ من العمق ينم عن موهبةٍ إبداعيةٍ متميزة ومتفردة.

موضوعات متعلقة:

اغتراب الشاعر وأنماط صراعه الفكري (2)

اغتراب الشاعر وأنماط صراعه الفكري (1)

 

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img