الاستجابة للتفكيك.. تمارين على قراءة الشعر (2)

مدحت صفوت

ومرد ذلك في رأينا أنّ الشاعر ورغم طاقته الشعرية في الكتابة، يعتني بما يسمى بالكلام المزخرف والمنمق، والبناء الإيقاعي الذي يشنف الآذان من جهة، وهو اعتقاد بأن الشعرية لا تستوي والكلام فاقد الزخرفة، في حين تشير الدراسات الأدبية الحديثة إلى شعرية كل ما يحيط بالإنسان من تشكيل لغوي وغير لغوي أحيانًا. ومن جهة ثانية، الاتكاء على المحاكاة في شكلها الأولي والبدائي، التي لم يعد لها مسوغ ولا مبرر في الكتابة، بل لم يعد هناك بما يُعرف بالمحاكاة الساخرة أو غير الساخرة “الجادة”، فبنية العقل المحاكي، أو الذي يرى في المحاكاة ضرورة فنية، تفترض بوجود أصل وصورة، مركز وهامش، ما يعني أنّ العمل الإبداعي والفني انعكاس مباشر لما يحاكيه، وليس للعمل الفني دور سوى أن يكون بمثابة مرآة ينعكس عليها الواقع.

مع تطور الرؤية البشرية، بخاصة منذ ظهور استراتيجيات مع بعد الحداثة، والتعامل مع ثلاثية الإبداع «المؤلف والنص والقارئ» من خلال منظور ورؤية قائمة على نقد الميتافيزيقا؛ حيث ألغى التفكيك، أبرز استراتيجيات ما بعد الحداثة، التمايزَ التقليدي والاعتيادي بين جنس الكتابة الأدبية وأجناس الكتابات الأخرى. «خاصة الكتابات التحليلية والنقدية والأنواع الاستطرادية الأخرى. ويعتمد التميز أولا على الحضور الميتافيزيقي أي على فكرة أن للكاتب في الأدب حضورًا حقيقيًا في النص، بينما يختفي الكاتب في الكتابة النقدية وراء النص الأدبي، الذي يعتبر أوليًا، أو يتطفل عليه»[1]. ومن ثم رفض التفكيك تفسير النص تفسيرًا تقليديًا ينبع من مرجعية موثقة وثابتة ومتجه إلى أصل محدد ودائم الثبات، ما أكسب النص معانٍ لا نهائية.

لم يعد إذن هناك أصل وصورة، وبالتالي انتفت الحاجة إلى المحاكاة، فمن يحاكي الآخر؟ ومثلما قيل «في البدء كانت الكلمة أو اللوجوس» يمكن القول«في الأصل كان الاختلاف»، وليس التشابه، ما يعني أيضًا وأد المحاكاة كتقنية لفهم الوجود قبل أن تكون أداة في تشكيل الإبداع والفنون. مع الاحتراز أن مقولة «في الأصل كان الاختلاف» تحمل محمولات محاكاة بدورها، فأي أصل ذلك كان الاختلافُ كهنته الأولى!! فاستراتيجية التفكيك، غالبًا، ما تقرأ أي أصل بوصفه آثارًا لأصول أخرى، في سلسلة لا متناهية، ومن ثم فلا بداية أصلًا؛ فالأصل، وحسب رأي دريدا، لا يكون أصلًا “النسخة الأولى” إلا بالاستناد إلى النسخة الثانية التي يسود الزعم أنها تكرره وتنسخه. والأول لا يكون أولًا إلا بالاستناد إلى الثاني الذي يدعم الأول في أوليته.

هنا يدرك الشاعر يونس أبو سبع، في نصوصه التي يترك فيها الزخرفة اللغوية والنقش الرصين جانبًا، أن وجود الأشياء طيفي وشبحي، على النحو الذي يبدو واضحًا في كتابات دريدا عن عن الشبح، وصار هذا النزوع حاليًا مبحثًا نقديًا مستقلًا في الدراسات الغربية باسم Hauntology، ويهتم بدراسة الأطياف/ الأشباح في النصوص الأدبية.

«لا أريدُ سوى مَقعَدَينِ

لطيفيْ وطيفِكِ فوقَ السحابَةِ

سوفَ نَمُرُّ بطيئَيْنِ

نُلقي الحكايَا علي الأرض ــ مائدةِ المَوتِ ــ

نرمُقُ أشياعَهَا من بعيدٍ،

ونضحَكُ من زَمَنٍ دائِرٍ في اكتشافِ المزيدِ»

كما يكشف المقطع السابق عن شعرية حقيقية وطاقة مختزنة لدى أبو سبع، فإنه –أي المقطع- كاشف ودال على وعي الشاعر بطبيعة الوجود وطبيعة كينوتة ذاته والذات المخاطبة، فالأمر لا يعد أكثر من وجود طيفي، وهو الوجود المتعين، فلم يعد الإنسان قادرًا على حسم وجوده ككينونة متحققة، إنّما تتراوح الذات بين الكينونة واللاكينونة، لا نقول العدم، بين الحضور والغياب، بين الموت والحياة، وهي الحالة التي تسمح للشاعر ومن يخاطبها أن يلقيا الحكايات على الأرض، «مائدة للموت» وما يسمح باكتشاف ما خفي، بل المزيد مما خفي.

«تعالي فسوفَ نذوبُ افتتانًا بهذا البهاءِ

نمُدُّ الغُصونَ إلى أوَّلِ النُّورِ

نُغرِقُ في صمتِنا عَطَشَ الكلماتِ،

ونَغرَقُ مُستَسلِمَيْنِ لأنفاسِنا الدافِئَةْ!»

يستكمل أبو سبع طرحه الشبحي/ الطيفي، مع التأكيد على أن فكرة الشبح/ الطيف، تكرارية في جوهرها، وطالما وجد التكرار فثمة وجود للتغيير، أي التمظهر على صورة مغايرة في كل مرة، ولا يمكن أن يحدث تكرار ما على نحو مطابق تمامًا، مما «يسمح للنصوص أنّ تعيش بعد وفاة كاتبيها، وللكتابة أن تدوم، وللاسم أن يظل انتهاء حامله، وللذكرى أن تنتقل من جيل لآخر، وللصورة السينمائية أن تتخلف وتعيش بعد فناء من يظهرون فيها»[2].

لا يمنع ما سبق من القول إن يوسف عابد يتوقف في مناطق شعرية بعيدًا عن فكرية الأصلية، التي سعى

دريدا لتفكيكها، فالقضاء على فكرة الأصل هو قضاء على المركزية: مركزية العقل أو اللوغوس والكلمة، والدعوة إلى فلسفة بلا مركز، وهذا يتوافق مع نظرته إلى اللغة باعتبارها لعبة بلا قائد، أي لعبة تباين واختلاف، كما يتوافق مع الأشياء بوصف حضورها مؤقت وعابر، فيلجأ عابد في محاكاته إلى «الظنية» وعدم الجزم واليقين، فالقمر المضيء ليس كائنًا مستقلًا ولا وجودًا متعينًا بذاته لكنه «كأنه»، فالوجود ليس واضحًا إلى الدرجة التي تسمح بالانعكاس المباشر.

«قمرٌ يضيءُ

كأنّه

ثقبٌ بجلبابِ الظلامِ

وصمتُهُ يحكي معَهْ»

لا يمكن لمتلقي متمرس أن يمر على «كأنّه» مرورًا عاديًا، فالأشياء على وجودها ليست كما هي، لكنّها «كأنها»، يزيح عابد الوجود المتعين للقمر، فهو ليس بقمر وليس ثقبًا بجلباب الظلام، هو الانتهاك ذاته الذي يلغي الحضور، ويُحبط كل الرغبات، ويقصد بالرغبات هنا الرغبة في الحضور الأصيل الخالص، وهذا الخلوص الأصيل القديم كما يرى مارتن هيدجر، يتمثل في نواة خالصة IntactKernel، ورغم وجودها في رأي هيدجر إلا أنها مغطاة ومنسية.

هنا يذهب كار ليجو[3] إلى أن الغالب في قراءة الشعر هو «التوقعات العامة» واستخدام لغة رمزية، ما يعني البحث دومًا عن الرموز والاستعارات. غالبًا ما يتخذ قارئ الشعر التقليدي منهجًا استعاريًا لتفسير قصيدة ما، حيث يجب أن تشير كل كلمة إلى أهمية بعيدة جدًا عن أي دلالة واضحة. يبدو أن الوردة لا تكن أبداً وردة عند الإشارة إليها في قصيدة؛ يجب أن تكون رمزًا للحب أو الجمال أو الحياة، وهي رؤية تقليدية بالطبع، ويقلب التفكيك هذا النهج المشترك من خلال اقتراح أنه في الحالات التي يجيز فيها النص تفسيرًا مجازًا، يمكن للقراء تفسير اللغة حرفيًا. نهج القراءة التقليدية يقمع لعب اللغة. من خلال التساؤل حول وتبديل الكلمات الحرفية والرمزية، يتم فتح النص على فرص جديدة للتفاعل. هذا النوع من المقاربة يمكن أن يؤدي إلى اللعب باللغة.

المراجع:

[1] ديفيد بشبندر: نظرية الأدب المعاصر وقراءة الشعر، ت- عبد المقصود عبد الكريم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مكتبة الأسرة، القاهرة 2005، ص83.

[2] صفاء فتحي: من الفكرة إلى الشبح، مجلة أوان، العد 3-4، البحرين، نوفمبر 2003.

[3]  Carl Leggo – Open(ing) Texts: Deconstruction and Responding to Poetry, Vol. 37, No. 3, Literary Theory in the High School English Classroom (Summer, 1998), pp. 186-192

موضوعات متعلقة:

الاستجابة للتفكيك.. تمارين على قراءة الشعر (1)

الاستجابة للتفكيك.. تمارين على قراءة الشعر (3)

الاستجابة للتفكيك.. تمارين على قراءة الشعر (4)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img