الاستجابة للتفكيك.. تمارين على قراءة الشعر (3)

مدحت صفوت

محاولة لفهم التفكيك

قبل التوقف أمام نصوص الشاعرين طه الصياد ومحمد طايل ومحاورتهما من خلال استراتيجيات التفكيك، يتوجب علينا أن نتوقف ولو بشيء من التفصيل مع هذه الاستراتيجيات المربكة في الكتابات النقدية العربية، والتي بدأت في الهيمنة على الساحة الأدبية منذ مؤتمر “لغات النقد وعلوم الإنسان” والذي أقامه مركز الدراسات الإنسانية في جامعة جونز هوبكنز في أكتوبر 1966، بخاصة على النقاد الرومانسيين والناقمين على موجة النقد الجديد، ويمثل بحث دريدا “البنية، العلامة، اللعب في خطاب العلوم الإنسانية” علامة التحول “عن أحلام البنيوية التي تنطوى على مركزية اللوجوس، والدخول في عالم العلامة الحائمة التي لا مركز لبنيتها”[1].

ويوضح كارل ليجو، أن الكثير من الهراء كُتب حول التفكيك. ولسنوات، تم إلقاء الشتائم على النقاد الذين يُعتبرون من أنصار التفكيك. وامتلأت الشتائم بالإدانة الأخلاقية، كما مورس الاستبعاد للخطاب التفكيكي، في الخطابات العربية والغربية على السواء، كما مورست عمليات شجب التفكيك باعتباره استراتيجية غير أخلاقية، وغير سياسية، ومناهضة للإنسانية. حتى وصل ببعض النقاد الغربيين أنفسهم إلى إعلان وفاة التفكيك[2]، وتلقفها النقاد العرب كمسلمة غير قابلة للنقاش. وتبدو الضجة كلها غريبة في ضوء الممارسة الفعلية وتأثير التفكيك. ولعل التفكيك قد أطلق الخوف في الناس لأنه من الصعب تعريفه، وما لا يمكن تعريفه، لا يمكن أن يُحتوى ويُسمى؛ لكن هنا تكمن الطاقة الإنتاجية للتفكيك، في الصعوبة البالغة لتسميته وتعريفه، في انزلاق اللغة التي ترفض أن يتم تثبيتها بسهولة، يوضح التفكيك ويمثّل فهمًا للغة على أنها نابضة بالحياة ومبدعة، تفتح الاحتمالات لصنع المعنى.

وتأسس التفكيك في النظرة الفلسفية المعاصرة بأن العالم، كما هو معروف ومعاش، يتم بناؤه والكشف عنه باللغة. من خلال قراءة النصوص مع نهج فلسفي من النقد الدقيق والصارم، موضحًا أن استخدام اللغة يبني معاني عدة. كنهج للاستجابة للنصوص، يسعى التفكيك إلى تجاوز المعاني الواضحة البديهية من أجل كشف كيف يمكن تفسير النصوص بطرق عديدة مختلفة لأنّ اللغة دائمًا ما تنزلق أثناء عملها، ويتم العمل عليها، من الناحية الخطابية لخلق المعاني. بدلاً من البحث عن معنى منسجم للنص، يجلب القارئ منهجًا تشككيًا وتساؤليًا، ويتنبه إلى عناصر في النص تتناقض مع بعضها البعض أو تفشل في التوافق. من خلال الإحاطة بالفتحات في النص، يبقي القارئ النص مفتوحًا[3].

حتى الجهد لتحديد التفكيك يبقى نصًا مفتوحًا. يدعي البعض أنه لا يمكن تعريف التفكيك. في “التفكيك: النظرية والتطبيق”، يبدأ كريستوفر نوريس  بملاحظة حذرة: “تقديم “التفكيك”  كما لو كان طريقة، أو نظام أو مجموعة من الأفكار المستقرة هو تزييف لطبيعته ووضع نفسنا أمام تهم سوء الفهم الاختزالي، ومع ذلك يقدم البعض تفسيراً مفيداً وغالباً ما يستشهد له للتفكيك: التفكيك ليس شكلًا من أشكال التخريب النصي المصمم لاثبات استحالة وجود المعنى. في الواقع، ترتبط كلمة “الهدم أو إزالة البناء” ارتباطًا وثيقًا بعدم استخدام كلمة “تدمير”، بل تعني كلمة “تحليل”، التي تعني اشتقاقيًا “التراجع” – مرادفًا افتراضيًا لـ “إلغاء التصميم”، كما أن عملية تفكيك النص لا تتم عن طريق الشك العشوائي أو الشكوك المعممة، بل عن طريق الإثارة المتأنية للقوى المتصارعة للدلالة ضمن النص نفسه. إذا تم تدمير أي شيء في القراءة التفكيكية، فإنه ليس المعنى لكن المطالبة بهيمنة لا لبس فيها لطريقة واحدة من الدلالة على أخرى. هذا، بطبيعة الحال، يعني أن النص دال بأكثر من طريقة، وبدرجات متفاوتة من الصراحة[4].

والهدم مفهوم خاص بمارتن هيدجر، وهو تفكيك نقدي نابع من منهجية “الاختزال الظاهراتي” وهو مظهر من مظاهر التفكيك الهوسرلي[5] ورد عليه في الوقت نفسه، يمكن من خلاله تقويض القوى التقليدية التي هيمنت على العلم الطبيعي، وأن يهدم كامل الموروث التقليدي الفلسفي، لهذا فإن لحظات ثلاث قسمت المنهجية الظاهراتية، وهي: اختزال ما هو موجود إلى حقيقة الكينونة، ثم بناء الكينونة، ثم هدم الموروث وتفكيكه، ويرى هيدغر أن مفهوم التدمير “الهدم” هو المعادل الضروري لكل من الاختزال والبناء، أيّ أن الضرورة (التدميرية) الهدمية تقتضي إجرائية نقدية لهدم المفاهيم التقليدية وتفكيكها حتى تتكشف منابعها ومصادرها. وثمة فارق بين التدمير الهيدغري والتفكيك الدريداوي؛ فالأول عملية للكشف عما حجبته التقاليدُ وأخفته عليه، أيّ أن التدمير عنده عملية هدم تصاحبها عملية بناء، فلا يدعو هيدغر إلى التدمير بمعناه الحرفي الضيق وإنما يستخدم لحظة أخرى يتحول إليها في حديثه عن التدمير إلى إعادة التركيب، فيما يشير التفكيك عند دريدا إلى الهدم باعتباره لعبة لا نهائية، فالميتافيزيقا مستوطنة على نحوٍ أزليّ ومن ثم تحتاج إلى تدمير دائم[6].

يكرس التفكيك استراتيجياته لعملية القراءة بمعنى انفتاح المعنى وليس للتفسير  أي الانغلاق على معنى معين، والهدف انفتاح النص، الذي لم يعد لغزًا يمكن حلّه بجهد، بل هو عبارة عن مساحة نصية يتم الأداء فيها. هذا لا يعني أن استراتيجيات التفكيك للقراءة تعني عدم وجود أي انضباط أو صرامة. فالقراءة التفكيكية هي قراءة متأنية، بمعنى أن التفكيك يهتم بالنص، ويعمل على تحفيز القراء وتأثرهم في قراءتهم من خلال معرفتهم وفهمهم للاستراتيجيات التقليدية للقراءة، كما يتم إطلاعهم على ممارسات القراءة من خلال المصفوفات الشخصية والمجتمعية للتوقعات والافتراضات حول كيفية بناء النصوص وتفسيرها.

وتستند اللعبة التفكيكية على ركائز، لا نقول أدوات منهجية بقدر ما تتجلى بوصفها إجراءات استراتيجية تهدف إلى إنتاج تفسيرات لنصوص خاصة، “أقل مما تهدف إلى فحص الطريقة التي يقرأ بها القراء هذه النصوص، والطريقة التي تقدم بها ظاهريًا هذه النصوص ذاتها طريقة مفضلة”[7]. ويحدد سيلفر مان إجراءات التفكيك في ثلاث خطوات[8]، وهي تحديد الثنائيات المتقابلة التي يشتمل عليها التفكيك، فالخطاب الفكريّ مرهق بجملة من الثنائيات مثل محسوس/ معقول، الحضور/ الغياب، السلبية/ الفاعلية، الدال/ المدلول، الداخل/ الخارج، والشرق/ الغرب، وضمن هذا النسق ثمة أفضلية لأحد الحدين على الآخر، ومهمة التفكيك إدراك ذلك وكشفه. ثانيًا: النزوع نحو استخدام مقولات ومفهومات إجرائية غير محسومة، أو ما لا يمكن حسمه وتحديده، فالخطاب التفكيكي لا يعنيه سوى وضع علامات استفهام أمام كل المفاهيم القياسية والمنظمة على الاتساق المنطقي. أمّا المهمة الثالثة فإنّها تحدد في تعاملها مع النصوص في تفسير المشروع نفسه وإرجاءه وتأثيراته واستراتيجية التفكيك[9].

ما يستحق الثناء بشكل خاص حول التفكيك كنهج للاستجابة للشعر هو أن القراء، ولا سيما القراء الشباب في الفصول الدراسية، لا يحتاجون إلى الشعور بالخوف المشكك بالنفس بأن ردودهم على قصيدة خاطئة. بدلاً من الإجابات الصحيحة والخاطئة، يشجع التفكيك الاستجابات التعددية. بدلاً من المعنى الخفي الذي يجب كشفه، يكون النص الشعري موقعًا يسرح فيه خيال القراء وخبرتهم وفهمهم وانفعالاتهم في أداء فريد.

الاستجابة للتفكيك.. النور والسماء

بعد هذه الإطلالة التي خُنّا فيها التفكيك، نلج إلى قصائد اثنين نراهما يمتلكان المقومات التي من الممكن أن تجعلهما في مصاف الشعراء أصحاب الأصوات المستقلة، حال العمل بجد واجتهاد على تنمية كتابتهما، والإخلاص للقصيدة أولًا وقبل أيّ شيء، وندخل إلى النصوص مستعينين باستراتيجيات التفكيك للكشف عن موقف النصوص الشعرية قيد القراءة من الميتافيزيقا، فالأخيرة نصبها التفكيك عدوًا دائمًا يستحق الهدم، “وبطبيعة الحال، إننا لا يمكننا أن نتخيل نهاية الميتافيزيقا، أو أن نضع لها حدًا، ]ولكن[ بوسعنا أن نعمل على انتقادها من الداخل بالتعرف على النظام الهرمى الذي أقامته ]التراتبية[ وقلب هذا النظام رأسًا على عقب”[10]. والوقف أمام النصوص وموقفها من الميتافيزيقا يعني الوقف أمام دلالتين تناثرتا في الخطابات الشعرية، وهما النور والسماء، بوصفهما دالين في التراث الإنساني يشيران إلى الغيب، والأخير ميتافيزيقي في طبيعته.

المراجع:

[1] جابر عصفور اختيار وترجمة: تيارات نقدية محدثة، المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة، ع 900، 2005، مقدمة ترجمة مقال دريدا، ص262. هنا لابد من الإشارة إلى أن مؤشرات “التفكيك” بدأت في كتابات رولان بارت منذ كتابه “الدرجة الصفر للكتابة”، والذي نشر عام 1953، وأكد فيه أن الكتابة متجذرة دائمًا في “ما وراء اللغة” وهي تنمو مثل بذرة وليس مثل خط، وتبدي جوهرًا وتهدد بإفشاء سر، إنها تواصل مضاد “contre- communication”، كما قام بارت بتفكيك القيم البرجوازية بوصفها معوقًا أمام الأنثربولوجيا البراجماتية. لكن التحول الحقيقي نحو “التفكيك” يتضح في مقالة “موت المولف”1968.

[2] Johnson, B. (1994). The wake of deconstruction.Cambridge, U.K.: Blackwell. & Lehman, D. (1991). Signs of the times: Deconstruction and the fall of Paul de Man. New York: Poseidon Press. & Martin, B. (1995). Humanism and its aftermath: The shared fate of deconstruction and politics. Atlantic Highlands, NJ: Humanities Press.

[3]

[4]

[5] نسبة إلى إالفيلسوف الألماني دموند هوسرل Edmund Husserl.

[6] راجع في ذلك: مدحت صفوت: السلطة والمصلحة، استراتيجيات التفكيك والخطاب العربي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ط1، 2017، ص 19-31.

[7] ديفيد بشبندر: نظرية الأدب المعاصر وقراءة الشعر، مرجع سابق ص 76.

[8] ج.سيلفر مان: النصيات والهيرمنيوطيقا والتفكيكية، ت- حسن ناظم وعلي حـاكم صالح، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2002 ص 105 ــ 108.

[9] تزيـفـيـتـيـان تـودروف: من الـشـكلانـيـة الـروسـيـة إلى أخلاقـيـات الـتـاريـخ، ت- غـسـان الـسـيـد، الجـمـعـية التعاونية للنشر، دمشق،2002م ص 108.

[10] جوناثان كلر: جاك دريدا، مرجع سابق، ص180. وفي سبيل هدم “التراتبية” داخل أي نظام تقوم التفكيكية، أولًا، بتوضيح الثنائيات المتناقضة، وأماكن تمركزها داخل ذلك النظام. انظر:

Davis, R. & Schleifer, R. (1989). Contemporary literary criticism: Literary and cultural studies. New York: Longman, p210.

موضوعات متعلقة:

الاستجابة للتفكيك.. تمارين على قراءة الشعر (1)

الاستجابة للتفكيك.. تمارين على قراءة الشعر (2)

الاستجابة للتفكيك.. تمارين على قراءة الشعر (4)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img