الاستجابة للتفكيك.. تمارين على قراءة الشعر (4)

مدحت صفوت

نشدد على أن الهدف الدائم من القراءات التفكيكية هو تفكيك التمركز الميتافيزيقي داخل النص، والأخير من وجهة نظر التفكيك نتاج تداخل مجموعة من الآثار النصية، وهي فكرة مستقاة من كتابات هيدجر، ولم يعد النص “محصول كتابة منتهيا، ]أو[ محتوى قد غلفه كتاب أو حددته هوامشه؛ بل هو شبكة اختلافية، نسيج من الآثار التي تحيل أبدًا إلى شيء غير نفسها، إلى آثار اختلافية أخرى”[1]. وهكذا دواليك في عملية لا متناهية من الإحالة إلى آثار “مرجعية“. ويبدو النص نتاج مجموع “بنيات داخلية يتكون فيها”[2].

ينتشر دال النور بوفرة داخل الخطاب الشعري لمحمد طايل، ويتناثر داخل ثنايا الخطاب الشعري، بدءًا من اللافتة «العنوان» التي وضعها لمجموعة قضصائده «انطلاق النور»، ثمّ الاقتباسات القرآنية والتوراتية والإنجيلية التي صدر بها قصائده، وهي: «اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ»، «وَقَالَ اللهُ: لِيَكُنْ نُورٌ، فَكَانَ نُورٌ. وَرَأَى اللهُ النُّورَ أَنَّهُ حَسَنٌ»، و«فَلْيُضِئْ نُورُكُم أَمَامَ النَّاس». إذن لا يعمل خطاب طايل الشعري إلى وضع علامة كشط على الميتافيزيقا بقدر الاحتفاء بها، فالنور الذي سينتشر داخل النصوص يأتي منذ البداية إشارة دالة على المقدس، على الذات الإلهية نفسها أو على الإنسان الذي يُعمر الأرض، ما يعين أننا سنطالع خطابًا يستضيف الدوال الميتافيزيقة، ضيافة احتفالية تبدو أحيانًا بلا قيد أوشرط، وليست ضيافة مساءلة وتفكيك.

«عِنْدَما نَبَتَتْ وَرْدَةٌ في مَوَاتِ الصَّحَارِي،

 وَشَبَّ شُعَاعٌ عَنِ السُّورِ،

واسْتَرَقَتْ غَيْمَةٌ مِقْعَدًا فَوْقَ حَقْلِ الحَزانى..

وَجَاءَ بِساطُ النُّبوءةِ،

 طَوَّفَ صَدْرَ المَساء بأصْدَائِها،

“قَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ”

هَا هُوَذَا..

يَتَهَادَى عَلَى كَتِفَيْن مِنَ النُّورِ،

يَلْبَسُ قُفْطَانَهُ مِنْ خُيُوطِ السَّمَاواتِ،

 مُلْتَمِعٌ مِثْلُ قَطْرِ النَّدَى،

لَيَقُصَّ عَلَى الكَوْنِ إصْبَاحَهُ»

هنا يعمل النصّ على التداخل بين النبي والشاعر النبي، محاولًا إكساب الذات بعضًا من النبوة، نتيجة للاعتقاد في كون الشاعر نبيًا، فبعد أن يأتي بساط النبوة يخرج يَتَهَادَى عَلَى كَتِفَيْن مِنَ النُّورِ، ويوظف دال النور على منح هذه القداسة للذات الشاعرة التي ستلبس قفطانها من «خيوط السماء».

النور المقدس لم يكن الحضور الأول لدال النور، فسبقه في النصّ ذاته أن حضر النور ملاذًا لأيدي الجياع، «وأَيْدِي “الجِيَاعِ” إِلَى النُّورِ تُـمْـدَدُ حَالِمَةً باشْتِعَالِ السَّحَابِ»، وهو احتفاء عظيم بدال ميتافيزيقي، لكنّ الشاعر المتردد يمرر على خجل علامة كشط على هذا الملاذ، فالنتيجة دوما مع الدوال الميتافيزيقة ليست مضمونة، وأيدي الجياع التي امتدت للنور « تنسَلُّ خَاوِيَةً.. مِثلَ سِرْبِ طُيُورٍ مُهَاجِرَةٍ، تَتَسَاقَطُ مُرهَقةً مِن سُدَى الاقْتِرابِ».

وتظل علامة الكشط السابقة علامة خجولة، ليست موقفًا واضحًا من الميتافيزيقا، على النقيض سيرى الشاعر، سواء طايل بوصفه مؤلف القصيدة، أو الشاعر الذي تتحدث عنه القصيدة، أن النور جبل سيعتليه الشاعر ذات لقيا، في إشارة إلى جبل موسى النبي، عمومًا هنا النور كيان مادي ضخم، فبعد أن كان الكنفين صار منطقة تلقي وحي النبوة والقصائد، ويتلقي عهد الشعرية، ليهتف: «طُوبَى لِمَنْ أبْجَديَّتُهُ شَقَّتِ القَلْبَ خُبزًا إلى الجَائِعِينَ»، ما يعني أن النور جعل الذات الشاعرة مباركة بالشعر، وتزيد بركتها كلما انحازت للجمال الشعري.

يواصل الخطاب الشعري احتفاله بالنور، وتصويره بالصور الرومانتيكية والمثالية، فهو أيضًا ذاكرة للبساتين، وهو مائدة للجياع، وتلقي مفردة مائدة بدلالتها لتؤكد من جهة وأكثر أن علامة الكشط التي وضعها النصّ على بهاء النور لم تكن سوى علامة بالخطأ! علامة غير مقصودة ولا متعمدة على نحو واعي، لكنها تسربت من باطن النصّ وطفحت لتكشف عما لا يود الخطاب قوله، هل يمكن أن نقول إن هذه العلامة الطائشة تنفي الاحتفاء المزخرف بالنور كلية؟ ربما بإمكاننا ذلك.

«والحُبَّ بَوْصَلةً للْوُصُولِ،

لتَأتِي الأشِّعَةُ من شُرْفَةِ الغَدِ،

 تَفْتَرِش النُّورَ مَائِدةً للجياعِ وذاكرةً للبساتين،

وليَكُنِ الفَجْرُ و”ليَكُنِ النُّورُ”».

على النقيض، لا يستخدم الشاعر طه الصياد مفردة النور، وتغيب عن قصائده موضع القراءة كدال شعري، أما بالنسبة للدوال التي تدور في الفلك نفسه، كالضوء مثلًا، فيحل الدال مرتين فقط وعلى نحو رومانتيكي، فيقول الصياد: «كنتُ إحدى فراشاتِها النائماتِ، على أولِ الضوءِ»، كما يقول:

«لأجلِ العيالِ الصغارِ الكبارِ

افتحي كوةً في جدارِ الدمارِ

ليعبرَ ضوءُ النهارِ».

يتباين إذن خطاب الصياد عن خطاب زميله في الاحتفاء بالنور، كما يختلف في إبراز علامة الكشط على الدال الميتافيزيقي السماء، بوضوح ودون مواربة ويقول: «والسماءُ؟ السماءُ انتهتْ!»، مبكرًا الأإعلان عن نهاية السماء، ليس باعلان عن عدم تعيينها بالقطع وإنّما يمكن الذهاب أبعد مكن ذلك حيث انتهاء الفعالية وغياب التأثير، وهو تأويل تدعمه بعض مقاطع الخطاب الشعري حين تذهب بأن الرادات تتحكم في كل شيء، بما فيها السماء!

«والرادارات

ترصدُ أدنى سحابٍ

يمرُ على نومِنا في الضحى

والراداراتُ

ترصدُ أدنى سماءٍ

نُشَيّدُ منْ أغنياتِ الحصادِ

وأدنى انتشاءٍ لعاشقةٍ

تحتَ سقفِ البلادِ

وأدنى احتجاجٍ على أيِ شيءٍ

وأدنى اشتهاءٍ لحلمِ الحياةِ»

هنا يدرك الجميع أن كلّ علامة تعيش الخطر، وكل لغة تحت مشرط الحذف، واللغة ليست التجربة ولا متعالية عليها، إنها بيت الوجود الذي لا شكل ثابت له، وكلما استند إلى هيئة غيّر الشطب في هيئته. والكشط دليل على أنه لا كمال نهائي، ولا اكتمال تام، إشارة إلى المرئي واللامرئي، إلى الكينونة واللاكينونة، إلى الحضور واللاحضور، لا أقول الغياب. وتترك علامة الكشط التي يضعها الخطاب الشعري على السماء آثار انكسار مفاجئ وسريع كالطريقة التي يضع بها الخطاب علامته:

«وانطفأنا مرارًا

ولا الأغنياتُ التي لا تُعَدُّ

ولا الليلُ يرعبُهُ فقدُنا

وانكسارُ السماءِ المفاجئِ

مثلَ بريدٍ سريعٍ!»

السماء بكل هذه الصور الشعرية غير النمطية، من المؤكد أن تنتهي الذات الشاعرة بالإقرار بأن السماء ليست لها، لكنه إقرار غير واضح تمامًا، وجاء في تركيب جملة ليسأل المتلقي ما الذي قصده الخطاب بـ«ليس لنا» صحن السماء أم القمر، وذلك حين يقول: وكأنّ القمرَ الذائبْ، قطعةَ سكرْ، في صحنِ سماءٍ واسعةٍ ليسَ لنا!»، القراءة الأولى تشير إلى أن القمر هو المقصود، وهي قراءة سليمة من نواحي شتى، لكنها لا تلغي قراءات أخرى منها أن صحن السماء هو المشار إليه.

ونزولًا من السماء إلى الأرض، نعود إلى التساؤل الذي سبق أن طرحناه على موقف الخطاب الشعري عند محمد طايل، «هل العلامة الطائشة تنفي الاحتفاء المزخرف بالنور كلية؟»، ومن الواضح أن الخطاب يدعم اعتقادنا المائل نحو تعظيم دور علامة الكشط، يقول الخطاب

«وأسرقُ الرِّيشَ السَّماويَّ،

 المعَلَّقَ في جَناحِ الرِّيحِ

وأقول للأرْضِ الَّتي كَبَرت عَلى الإنسانِ في قَفزاتِهِ ،

 بمَجرَّتينِ: الحُبِّ والتَّجْرِيح:

أنَا قَادِمٌ»

تبدو الأرض بوصفها مركزًا للإنسان عنصر مواجهة أكثر من كونها عنصر احتواء، واتساقًا من رؤية الخطاب الشعري، لا بد أن تصبح الأرض عنصر مواجهة، فهي المنفى التي صارت «مسلوبة الروح»، هنا يعمل الفردُ، ونقصد الذات فردًا واحدة، على سرقة ما يسميه بالريش السماوي، ليس احتماءً بالسماء، فالمحتمي لا يسرق، وإنّما يناشد ويطلب ويسأل، هنا الفرد يسرق كنوع من المواجهة أيضًا، فالفرد الذي يقف متحديًا الأرض، رافعًا شعار «أنا قادم»، يواجه أيضًا السماء لكن بمكر، فهو يعرف أن مواجهة الأعلى وألأدنى ليست شجاعة، بل انتحار.

العالم الذي يشطب الميتافيزيقا ليس بأفضل حال في خطاب طه الصياد، كما أن اللجوء إلى العلم التجريبي الخالص لم يحل مشكلات الإنسان، ولم يقض تمامًا على الحروب، وصارت التكنولوجيا أداة لتدمير الإنسان وتشويه بلاده، أي أنها صارت تقنية عدمية لتلاشي الإنسان:

«وتنكسرُ المنازلُ

تحتَ غاراتِ العدوِّ

ويقصفُ الطيرانُ

آلافًا منَ الأهدافِ:

آلهةً وعشاقًا

وأشجاراً وأمواتًا

وأحفاداً لأمواتٍ قدامى

خائفينَ منَ الزمانِ الصعبِ

منْ آلاتِ هولاكو الحديثةِ

منْ جنونِ التكنولوجيا

حينَ يضغطُ قائدٌ في خندقٍ زراً

فينفجرُ المكانُ!»

يعني المقطع السابق، أن العدمية الذي بدأ في ترسيم حدودها الألماني فريدريك نيتشه، ومن بعده هايدجر، وشكلت مرحلة فاصلة في مسار الحداثة، إذ تحولت من مبدأ/ ركيزة حداثية إلى نقطة تقويض الحداثة، والاستحالة إلى ما بعد الحداثة، جاءت نتيجة لتحول “التقنية” ميتافيزيقيا للهيمنة على الإنسان واستبدلت بحداثة الحرية والإيخاء والمساواة، حداثة النخبة المتعقلنة والمحدثة على بقية العالم، وذلك بواسطة تنظيم التجارة والمصانع وبواسطة الاستعمار[3]، ويمكن القول هنا: إن العدمية كانت بمثابة البوابة لنقد الحداثة، وبداية لتحول جديد عرف بما بعد الحداثة.

في نصوص الشاعرين طه الصياد ومحمد طايل، ورغم عدم خلو القصائد من شوائب الآخرين بخاصة محمود درويش، فإنها تبقى نصوصًا تعرف لغتها كيف تزحزح الدال عن موقعه، وتجعله يفصح عن حنينه إلى ما يتمم اللغة ويكمل النقصان، تحط «الموروث» أحيانًا من مكانته، وتنزله من عليائه، وتكشف من عوزه فترمي به حركة التاريخ، وتحاول النصوص جاهدة أن تقلقل اللغة والفكرة، أو تقهرهما أو تنتهكهما، فيما يرمي الخطاب إلى البحث عن غير المفكر فيه، أو غير القابل للتفكير فيه.

المراجع:

[1]. ميجان الرويلي: قضايا نقدية لما بعد البنيوية، ص 193.

[2] سعيد يقطين: انفتاح النص الروائي، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1، 1989، ص32.

[3] مارشال بيرمان: الحداثة أمس واليوم وغدًا، ت. جابر عصفور، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مجلة إبداع، أبريل 1991، ص 29.

موضوعات متعلقة:

الاستجابة للتفكيك.. تمارين على قراءة الشعر (1)

الاستجابة للتفكيك.. تمارين على قراءة الشعر (2)

الاستجابة للتفكيك.. تمارين على قراءة الشعر (3)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img