الاستجابة للتفكيك.. تمارين على قراءة الشعر (1)

مدحت صفوت

ليس للكتابة شكل واحد، ولا تعريف أحادي جامع مانع، وهناك اختلافات كثيرة وعميقة حول ماهية المفهوم وتعريفه، ومن ثم حول الأهداف التي تصبوا إليها عملية الكتابة وممارستها، وكيفية تحقق هذه الأهداف. والملاحظ أن تفسيرات وشروح مصطلح الكتابة الأدبية في عمومها والشعرية بخاصة، لم تنج من عمليات الاستقطاب والتجاذب التي مارستها عليها التوجهات والأيديولوجيات بأشكالها المتعددة، مما أدى إلى رسم مسارات محددة لرؤى المفهوم، وبتعدد الإيديولوجيات تعددت المسارات والرؤى.

لا يبدو الأمر بسيطًا إلى الدرجة التي بدا عليها في السطور السابقة، فالكتابة الأدبية –بوصفها مفهومًا- اتسم بالكثير من الالتباس الدلالي والمفاهيمي، وهي صعبة الفهم في ذاتها، فهي مركبة ومعقدة، وعملية حازت على اهتمامات الكثيرين من دارسي العلوم المختلفة، الدراسات الأدبية واللغوية، علم الاجتماع، العلوم السياسية، دراسات الحضارة والتاريخ، والدراسات النفسية وغيرها.

إذن الكتابة الأدبية أيًا كان الجنس الأدبي الذي تنتمي إليه، هي نوع من المفاهيم التي تتمرد على المفهمة، وتأبى أن توضع في إطار، كما ترفض كل تعريف أو تحديد. هذا التمرد ناتج من كون الكتابة مفهومًا تداوليًا ووصفيًا من ناحية، ومن ناحية أخرى مفهومًا معياريًا. ويرى بول دي مان أن “الاستعمال الشائع للكلمة يرجح التضمينات التداولية عادة على الاحتمالات النظرية التي تبقى بغير اكتشاف”[1]، وربما يرجع التمرد على التأطير أو الاصطلاح إلى كون الكتابة هي “ذلك المؤقت والعابر”؛ فهي ليست مفهومًا سوسيولوجيًا أو سياسيًا أو تاريخيًا يحصر المعنى ويأطره.

الكتابة ليست خلقًا من العدم، إنّما هي علامة كشط على ماسبق، إعادة تحوير وإنتاج لما ما مضى، اعتراض على القائم وتنبوءًا بالآتي. لا يعني ذلك أنه لا جديد على المستوى المضاميني في الكتابة، وإنّما نتقصد من وراء ذلك أن الكتابة لا تقوم إلا استنادًا على الخبرة السابقة والمعرفة بما مضى. ونعتقد في أن قول عنترة بن شداد «هلْ غادرَ الشُّعراءُ منْ متردَّم؟» لم يكن مقصده أنّه لا قول بعدما قيل في الشعر، أو أن مسالك الشعر قد سلكت كافةً، لكننا نرى أنه يمكن قراءة التساؤل ضمن ما أشرنا إليه من «كشط وشطب» وهي مقولات من نحت الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا.

الكتابة معاينة للمستقبل أكثر من معاينتها للحاضر، وترتبط بالآتي أكثر من ارتباطها بالآني، فهي الحركة والانفجار، تسعى للاستمرار قدر كراهيتها للسكون، بنية فكرية تجمع بداخلها مجموعة من القسمات المشتركة بين مستويات الوجود الإنساني كافة.

المقدمة السابقة، ليست ضربًا من التنظير، بقدر ما نعتبرها مدخلًا مناسبًا للحديث عن قصائد ثمانية من الشعراء الشباب، أتاح لي «بيت الشعر» في مدينة الأقصر الإطلاع على تجاربهم الأولى، سواء كانت في شكل قصائد مجمعة تحت لافتة ديوان، أو قصائد متفرقة، وشملت قائمة الشباب أسماء: روضة شاهين، طه الصياد، محمد طايل، محمود شريف، نورا عثمان، وسام دراز، يوسف عابد، ويونس أبو سبع. ونظرًا للتفاوت في التجارب وتباينها، فإننا قد رأينا أن نشير إلى ملاحظات عامة عند الشعراء، وهي ملاحظات تناثرت على نحو جلّي في الكتابات كافة، مع التوقف باستفاضة أمام نصوص شاعرين هما طه الصياد ومحمد طايل، تطبيقًا لاستراتيجيات التفكيك حسبما طرحها الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا ومن بعد أعلام مدرسة ييل الأمريكية، ما يعني وجوب الحديث عن هذه الاستراتيجيات وكيفية تطبيقها.

ملاحظات أولية وعامة

بعد قراءة الأعمال الشعرية للشعراء المشار إليهم من قبل، لا ينكر أحد أن النصوص التي استغرقتني ملئية بالطاقة الشعرية على تفاوت المستويات، كل نصّ حسب جهد صاحبه، وكل شاعر حسب قدراته الكتابية وخبرته الجمالية والمعرفية، وإن لم تخرج في أقصى طموحاتها خارج الأطر الرومانتيكية، وظلت الرؤى غير ناضجة، و«القصائد» في أغلبها تلهث وراء التداعي والإيقاع والجرس الموسيقي، دون غاية كلية أو هدف رئيس.

ونقصد بالتداعي إمكانية توليد الصور الفنية، ومعاني القصيدة، وذلك وفق منظور تكراري، للسياقات الدلالية عبر إعادة المفردات أو المترادفات، كذا القيام على بنية إيقاعية شديدة الصخب، والاعتماد على

ظلال الدلالات بأبعادها المباشرة انطلاقًا من تداخل أجواء وعوالم تخييلية متباينة في النص الواحد، وهو ما نلحظه متوافر عند نورا عثمان وروضة شاهين ومحمود شريف.

بصفة عامة، بدت القصائد خليطًا من الأصوات الشعرية الراسخة، دون أن يبدو صوت الشعراء الشباب إلا فيما ندر، وبإمكان المتلقي أن يتلمس صوت محمود درويش عند يونس أبو سبع مثلًا، أكثر مما يقرأ أبو سبع وقصيدته، وإن بدا الأخير أفضل حالًا من بقية الشعراء موضع الدراسة، الذين يلهثون وراء القصيدة الزخرفية الإيقاعية، التي تصنع تناغمًا صوتيًا أشبه بالجعجعة دون الطحن، وهي سمة نلاحظها في كثير من الكتابات التي تسير على درب القصيدة «الجواهرية» نسبة إلى مهدي الجواهري، أو «البردونية» في مستويات أقل نسبة إلى عبد الله البردوني.

إن الاحتفاء الشكلي والصوتي، يمكن إرجاعه في رأينا إلى السعي الدائم من الشباب إلى إرضاء ذائقة لجان تحكيم مسابقات الشعر التي راجت في السنوات الأخيرة، وهي مسابقات تستهدف نشر الرؤى التقليدية عن الشعر في صورته «الصوتية»، ومحاربة الكتابة الشعرية في صورتها المقروءة، وهنا الكتابة ليست نقشًا أمينًا للصوت وإنما الكتابة بما تعني من نثر العلامات وتناثرها وانتشارها خلاف الكلام المنطوق والملتحم حول ذاته،  فالكتابة هي «القضاء على كل صوت، وعلى كل أصل. وهي الحياد، التأليف، ]واللف الذى تتيه فيه ذاتيتنا الفاعلة[، إنها السواد البياض الذى تضيع فيه كل هوية ابتداءً من هوية الجسد الذى يكتب»[2]. هكذا يراها رولان بارت. أما عند جاك دريدا فاللغة والكتابة «نسقان لعلامات متباينة، ذلك أن المبرر الوحيد لوجود الثانية هو تمثيل الأولى»[3].

تبدو المسابقات الشعرية، سواء في مشرق العالم العربي ومغربه، محمودة في جانب ومذمومة في جوانبَ عدّة، في ترويج نوع من القصائد المعلبة، وأصبح هناك شبه اتفاق على «استمارة شعرية» أو قالب يُصب فيه عمود الشعر، وبعض اللجان راج عن أعضاء لجنة تحكيمها أن أحدهم يحبذ أسطرة الصور، والثاني يفضل اللغة التراثية، وثالث التناص مع التركيب القرآني، فيعمل الشعراء الشباب على «نظم» يرضي لجنة التحكيم وما تعارف عنه ذائقتها، وفي الوقت الذي تشجع فيه المسابقات وجوائزها على الاهتمام بالشعر، تجر الأخير من رقبته إلى البادية وثقافة الصوت، وهي ثقافة لا تعرف سوى اتجاه واحد، من الأعلى للأدنى، كل ثقافة سمع ثقافة أمر وطاعة، استنادًا إلى المقولة التوارتية «انفخ فيجتمعوا».

التداعي يدفع بروضة شاهين أن تنحت صورة غير محببة في موضع تبتغي منه الإشارة إلى الجمال:

«قَبَّلتُ وَجْهَ النَهْرِ

كي أصيرَ نُطْفةً على جَبينهِ»

ليس المجاز أن تزيح المفردة عن استعمالها التدوالي على أي نحو، إلا إذا تقصد الخطاب ومنشئوه أن ينتجا صورة من طرفين بعيدين أو متناقضين كلية، فكيف نتخيل ذات تحكي عن نفسها أنها «نطفة على جبين»، بالطبع صورة ليست في موضعها، وتثير التقزز على عكس ما ترنو إليه الشاعرة من إثارة التعاطف مع الذات المحكي عنها. وهو التداعي ذاته الذي جعل الشاعرة «ترص» المروج والجداول والتلال والريح، دون أيّ مفارقة عن الاستخدامات السابقة في الشعرية العربية وغير العربية.

«في المروجِ البعيدةِ

قُرْبَ الجداولِ

فَوْقَ التِّلالٔ..

كانت الريح

تَقْتلعُ الغَيْمَ

تُلقي به

في جُيوبي

تُراودُني عن سُكوتي

فتَنزِعُ رَائِحَتي

ثُمَّ تَبذر رائحةَ البرتقالْ»

ليست الرومانتيكية ببعيدة عن التداعي، فالرؤية الرومانتيكية مثلما تكون نتاجًا للتداعي فإنها تتخذ من الأخير وسيطًا كتابيًا. والرومانتيكية نزعة مثالية في جوهرها تقر بسطوة الشر على الإنسان وحياته[4]، ومع ذلك لا تتخلى عن التفاؤل الدائم، وهو تفاؤل وهمي محتوم بالهزيمة والانسحاق والاندحار أمام قوى الشر، وليس للإنسان في هذا الصراع سوى التأرجح الأبدي بين التمرد والخضوع للإرادة القدرية، هذا الإنسان الذي تراه النزعة الرومانتيكية وحدة ثنائية متضادة القطبين: الروح والجسد، لا دور له سوى التساؤل عن معنى العالم الذي لا بارقة فيه للتخلص من الشر، وعليه فالرحلة البشرية مسار سعي للبحث عن معنى الألم الإنساني.

النزعة المثالية السابقة تسوق محمد طايل إلى أن يُكسب الحب «تراتيلا»، فيقول «تراتيل آيات الحب»، فلابد للحب الذي عليه أن يواجه الكره أن يكون له آيات، ولهذه الآيات تراتيل، وهي عبارة غارقة في الرومانسية ناهيك عن تقليديتها. وهي المثالية التي تجعل أحلام وسام دراز «سانحة كفُسْتُقةٍ تُقَشِّر نفسَها للطيرِ»، هكذا تتبنى المثالية بنية التفاني من أجل العابر كالطير، والبنت ُ«لها شفتانِ، مُلوَّنتانِ بنورِ الشمسِ ودمعِ العُشبِ»، والواقع على بؤسه ففيه بعض التفاؤل الرومانسي، عبر الورد والشمس والريح والجداول والضوء في صورته «الطيبة»، التي يتبناها يونس أبو سبع عن ذاته:

« أنا يا حبيبةُ

لونٌ من الضوءِ

ما زالَ يبحثُ عن وَسَطٍ غيرِ هذا الهواءِ».

وهو التداعي نفسه الذي نجده عند محمود شريف، عندما يكون للمواويل حزن «حزن المواويل»، أو أن يقول «بلا حزن بلا مواويل»، الأمر الذي يتكرر مع نورا عثمان «أذكرُ نَخرَةً بالرُّوحِ -يا كُلَّ الَّذي بالرُّوحِ- أذكرْ»، كما نجدها في عبارات من قبيل «وأنا مقيَّدةٌ إليكَ تَشُدُّني عيني»، أو

«وأنا اختصارُ الكونِ

زفرةُ آدمٍ في الخُلدِ

وَحشَتُهُ الَّتي أضحتْ عيالًا مُثقلينَ بقلبِهِ

وأنا مشيئتُهُ ليبقى»

كما لم تنج القصائد من المحاكاة التقليدية، وهنا لابد أنّ نوضح للشباب بأن المحاكاة والتمثيل تصوران عن الإبداع انتهيا من الكتابة الإبداعية، وفي قصائد يوسف عابد مثلًا، يكتفي الشاعر باستعمال المحاكاة عبر الأدوات الأولية، بخاصة أداة التشبيه «ك»، فتصبح الذات «كالريح» و«كالماء» و«كالنار»، عبر اللجوء إلى صور رومانتيكية طرقها قبله الشعراء من أقصى البسيطة إلى أدناها:

«كالريحِ

يحملُ نايَهُ في روحهِ

ويذوبُ إيقاعًا، ليحميَ حِملَهُ»

قبل أن يعاود الشاعر إلى صورة يمكن أن نقول أنّها في المتناول «يحرقُ بعضَهُ في بَعضِهِ»، إلى أن يستعيد ظلال أسطورة الفينيق الذي بزغَ من رماده، ونفَّض جناحيه من الرماد، وطار صوب الشرق، الى أبواب الجنة يواكبه رف من الطيور، الصورة التي لم تخلُ منها دواوين الشاعر السوري أدونيس، وأعادها الكثيرون من شعراء السبعبنبات في مصر، يعيد عابد ترديدها بالكيفية ذاتها والطريقة شكلها.

المراجع:

[1] بول دي مان: العمى والبصيرة، مقالات في بلاغة النقد المعاصر، ت:سعيد الغانمي، منشورات المجمع الثقافي، أبوظبي، ط1، 1995، ص260.

 [2]رولان بارت: درس في السيميولوجيا، ت-عبد السلام بن عبد العالي، دار توبقال، الدار البيضاء، ط1، 1998.

[3] كاظم جهاد: مدخل إلى قراءة دريدا في الفلسفة الغربية، بما هي صيدلية أفلاطون، م فصول، ج11، ع4، شتاء 1993، ص203.

[4] للمزيد حول الرومانتيكية، راجع: فيكتور هوجو: مقدمة كرومويل، بيان الرومانتيكية،  ت-علي نجيب إبراهيم، دار كنعان، دمشق، ط1، 2006.

موضوعات متعلقة:

الاستجابة للتفكيك.. تمارين على قراءة الشعر (2)

الاستجابة للتفكيك.. تمارين على قراءة الشعر (3)

الاستجابة للتفكيك.. تمارين على قراءة الشعر (4)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img