الاستعارة التشخيصية قراءة الذات ومحيطها الحي في القصيدة الحديثة (2)

د. شعيب خلف

تشخيص الموت :

1- 1 تشخيص الموت عند يوسف عابد/ في( رحيل إلي المجاز) :

– والموتُ يفرشُ في الحقيقةِ أذرعَهْ

  • في تختِ ميلاديَ الموتُ الأليفُ

  • وموتي صارَ يشغلني

  • رأيتُ صديقي يقاطعهُ الموتُ

  • ويشربنا الموتُ حتى الثمالةِ فارجعْ

  • لتكشفَ ما خبّأ الموتُ من فلسفةْ

  • يقولُ: الحياةُ غموضٌ وفي الموتِ يتضحُ الأمرُ

  • كانَ الصباحُ صباحًا ونحنُ سئمناكَ يا موت

  • وكان المساءُ مساءًا ونحن سئمناكَ يا موت يا لعنة الشعراءْ

  • قريبٌ هو الموتُ …بعيدٌ كمعنى القصيدةْ!

في هذا الكم من الاستعارات التي تشخص الموت في كل ما اقتبسنا من قصائد الديوان من تشكيلات استعارية، فإننا بطبيعة التشخيص تستند إلي مستعار منه واحد وهو الإنسان، ومستعار له واحد أيضًا وهو الموت، هنا نستطيع أن ننظر للمستعار منه علي أنه (المصدر)، الذي أستقي منه صفاته للمستعار له (الهدف) الذي ينوي الشاعر إلحاق هذه الصفات به، إننا أمام نسقين تصورين نسق الإنسان وهو نسق مادي ملموس، تقوم عليه الحياة، وتبقي من أجله الحياة، ونسق الموت وهو نسق معنوي غير ملموس، يسرق الحياة من أصحابها، فلا نراهم بعدها لكننا نري نتيجة سرقته ولا نري السارق، لا تعرفه؛ لكنك متأكد أنه هو الذي سرق، هذه العملية النسقية لا تتم من خلال تشابه واضح وظاهر بين الموت والإنسان، ومن خلال هذه المشابهة أستطيع أن أبني هذه العملية الاستعارية، ليس هذا هو المقصود علي الأقل من جانبي الإبداع والتحليل، وإنما المقصود هو تجربة الموت في ذهن الشاعر، ومن هنا نبدأ في الابتعاد عن التصورين السابقين: الأرسطي، والعربي تجاه الدور الرئيس للمشابهة في بناء الاستعارة، نعلم تمامًا حقيقة الموت، بل يعده البعض الحقيقة الكبرى الوحيدة في هذه الحياة؛ بل ولدوره الكبير في تنغيص الحياة لمن يخافه أو يتواري من ذكره، الموت شخص يفرش أذرعه ليحتوي من يريد، إن الذراع واليد في النسق التصوري الإنساني وفي محيطه الثقافي وفي موروثه الديني والعقائدي هي رمز القوة، أغلب التفاسير أجمعت في قوله تعالي( يد الله فوق أيديهم) (الفتح 10) أي قوة الله تعالي فوق قوتهم، ولما أدعت اليهود علي الله قالت ( يد الله مغلولة غلت أيديهم ) المائدة 64  نجح الشاعر في إقامة نسقه الاستعاري الذي أخذه من مجال الإنسان إلي مجال الموت،  وهو اليد بميراثها المسيطر، ورمزيتها للقوة المطلقة، مرة أخري يري الشاعر الموت من خلال نسق مغاير، وهو نسق الشراب عند الإنسان من خلال (ويشربنا الموتُ حتى الثمالةِ فارجعْ) إن الشراب المستعار من النسق التصوري للإنسان، وهو نسق تصوري قديم، من خلال ميراث أسطوري وعلاقة وطيدة بين الماء والموت، وهذه ليست ردة للوراء، أو هروبًا من واقع معرفي لا يفي بالغرض، بل هو ميراث نحمله فوق أكتافنا، حينما ذكر الشاعر استعارة يشربنا الموت وأيضًا أن صديقه يقاطعه الموت يذكرنا بأسطورة جلجامش حين وجد أن مصيره لن يختلف عن مصير صديقه أنكيدو الذي اختطفه الموت، فهرب هائمًا في البراري والقفار خائفًا من الموت وباحثًا عن الخلود، ويزداد التشخيص وضوحًا في ملحمة “جلجامش” الخالدة 0 لقد انشغل ” جلجامش ” بفكرة الموت والحياة، بعد أن رآه يحصد الناس حوله؛ إذن هو أمر – لا بُدَّ – واقع ؛ فلا سبيل من وراء المواجهة الخاسرة، لا بد من طريقة يخلد بها نفسه واسمه بعد مماته، هذا هو جلجامش يقول : ” أنظر من فوق السور 000 فأرى الأحداث الميتة طافية في النهر … و أرى أنى سأغدو مثلها حقا ” ([i]) يأخذ الموت في الملحمة فعل التجسيد والتشخيص ففي [ اللوح العاشر/ العمود الثالث ] حين خاطبت فتاة الحان جلجامش : ” فالآلهة لما خلقت البشر 000 جعلت الموت لهم نصيبًا 000 وحبست في أيديها الحياة ” ([ii]) و في اللوح العاشر/ العمود الرابع ” النص الأساسي ” قال له لورشنابى قال لجلجامش : … اضغط بحزم يا جلجامش، خذ مجدافًا … لا تلمس يدك مياه الموت ..” ([iii]).

وتستمر الملحمة في تجسيد الموت وتشخيصه؛ فنجد في” اللوح الحادي عشر/ العمود الخامس ” على لسان جلجامش : ” وسكنت المدينة حجرة نومي … وحيثما قلبت وجهي أجد الموت ” ([iv])  وننتقل من التشخيص الذي جعل الموت شاربًا نهمًا لكل من كتب عليه الموت والإنسان هو المشروب، إلي الموت مشروبًا والإنسان شاربًا، وكأن قدر الإنسان أن يكون عقابه بصفة من صفاته, وذلك حينما يتحول الموت إلي شراب في إحدى الاستعارات القرآنية القاسية العادلة، ألا وهي ( كل نفس ذائقة الموت ) (35 الأنبياء)، ثم تأتي استعارة ( الموت الأليف) هل يمكن استعارة نسق الألفة للموت؟ هل يمكن أن يري الموت أليفًا؟ كيف يكون الموت أليفًا؟ منتهي الغرابة أن يري الشاعر، أو الفيلسوف الموت أليفًا وقد وصفه خالقه بالمصيبة ( الأنبياء 106) كما يجعل الشاعر للموت فلسفة خاصة به هي فلسفة الموت، هو قادر أن يخبأها؛ لكن الشاعر يتوهم أن الإنسان قادر أن يكشف ما خبأه الموت، علي الرغم من رؤية الشاعر أن الموت هو الوحيد الذي يكشف غموض الحياة، ويستمر في تشخيص الموت حين تجعله شخصًا يجلب السأم لكل من يعرفه.

يظل الموت هو الأكثر ديمقراطية وعدالة في رأي الكثيرين، فهو لا يفرق بين غني وفقير وبين ملوك ورعايا، لكل أجل محدد، ولكل توقيت معلوم، لا صديق له ولا صاحب، بل يقف من نفسه ما يقفه من الآخرين، حينما لا يبقي غير وجه الخالق، وينتهي ساعتها دور الموت، حينما يحل محله الخلود، لذلك كان الاهتمام بما بعد الموت أهم من الموت نفسه، ومن هنا تأتي أهمية الخلود ووجوده الدائم علي طاولة البحث. كما ارتبط البحث في الموت بمبحث الخلود ارتبط أيضًا بمبحث الحرية في رأي الفلاسفة والباحثين، فخطيئة أدم الأولي ومخالفته لأوامر الخالق هي من الناحية الفلسفية لدي هؤلاء، هي عقاب فوري علي ممارسة آدم لحريته فخرج بذلك من عالم الخلود ليواجه الموت علي الرغم من ذلك فهروب الفلاسفة الدائم من الحديث عن الموت غيرته الفلسفة الوجودية التي كان لها إسهامها المعروف في هذا الجانب .  لقد تميز الفكر المثيولوجي تجاه الموت بميزة مهمة ألا وهى منح هذه الظاهرة جانبًا تجسيديًّا تشخيصيًا 0 فليس الموت – كما هو لنا – فعل الاحتضار ومفارقة الحياة كما يقول المعجم، إنه ضرب من الحقيقة المشخصة والمجسدة ؛ فنقرأ في ” نصوص الأهرام المصرية ” وصفًا لبداية الكون يقول : ” قبل أن تتكون السماء 000 قبل أن يتكون الناس 000قبل أن تولد الآلهة 000قبل أن يتكون الموت “([v])  . وكان “ول ديورانت ” قد أورد هذه الأبيات لشاعر مصري قديم ” الموت أمامي اليوم … كرائحة أزهار الأزورد … كالجلوس على شواطئ السكر … الموت أمامي اليوم  .. كتدفق السيل الجارف … كرجوع الرجل من سفينة حربية إلى بيته “([vi]) وفي معجم الحضارة المصرية القديمة يروى أنه  حينما خاطب المصريون الموت خاطبوه على صورة مشخصة حين جعلوه لصًا بغيضًا ([vii])  . وكما شخصه المصريون  شخصه السومريون، ويتضح ذلك من تسميتهم له ؛ فأطلقوا عليه اسم ” كور ” وهى تعنى في الأصل : الجبل ([viii])

( [i] ) – فراس السواح : جلجامش ملحمة الرافدين الخالدة، منشورات علاء الدين، دمشق ط1، 1996، ص                       43.

( [ii] ) ـ  فراس السواح : المرجع السابق ص 202 .

( [iii] ) ـ فراس السواح، المرجع السابق، ص 201- 202 .

( [iv] ) ـ فراس السواح، نفسه ص 211 – 212 .

( [v]) –  هنري فرانكفورت وآخرون : ما قبل الفلسفة : ترجمة جبرا إبراهيم جبرا، منشورات دار مكتبة الحياة، بغداد، د . ت، ص (26 ).

([vi] )- ول ديورانت، قصة الحضارة، ترجمة زكى نجيب محمود، بيروت، دار الجيل، 1998، ص 53 .

[vii] ) ) –  جورج بوزنر وآخرون، معجم الحضارة المصرية القديمة، ترجمة، أمين سلامة، الهيئة المصرية العامة للكتاب ( مكتبة الأسرة 2001) ص 322 .

( [viii]) – فراس السواح : مغامرة العقل الأولى : دار الكلمة للنشر، ط 3، 1982، ص (220 ).

موضوعات متعلقة:

الاستعارة التشخيصية قراءة الذات ومحيطها الحي في القصيدة الحديثة (1)

الاستعارة التشخيصية قراءة الذات ومحيطها الحي في القصيدة الحديثة (3)

الاستعارة التشخيصية قراءة الذات ومحيطها الحي في القصيدة الحديثة (4)

الاستعارة التشخيصية قراءة الذات ومحيطها الحي في القصيدة الحديثة (5)

الاستعارة التشخيصية قراءة الذات ومحيطها الحي في القصيدة الحديثة (6)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img