الاستعارة التشخيصية قراءة الذات ومحيطها الحي في القصيدة الحديثة (4)

د. شعيب خلف

1 تشخيص الزمن :

الزمن كما الموت عصي علي التعريف جال في أذهان الفلاسفة والمفكرين وعاد يكرر الجولان دون أن يقف عند محطة بائنة، أو يمنح المهرولين خلفه شيئًا من اليقين الذي تهنأ به النفس حينما تصل إلي ما يرضي فضولها، كثيرًا ما ارتبط الزمان والمكان معًا برباط وثيق كان لأهل العلم من الفيزيائيين فيه أراء عديدة فهو طبقًا للنظرية النسبية يمثل بعدًا فيزيائيًا رابعًا للمكان؛ لكن سيظل نعامل الشعراء معه، كما تعامل الإنسان البدائي هو ذاك المشخص الذي يحمل من صفاته العددية الكثير، إن التماثل في الداخل أي ما بين الإنسان وبني جلدته جعل هذا التماثل قائمًا أيضًا بينه وبين محيطه الخارجي، بمعني أنه يمكن لهذا المحيط الخارجي أن يستعير من صفات الإنسان ما يشاء أو إن شئت الدقة أن الإنسان استطاع أن يسبغ علي محيطه الخارجي ما به من صفات ومن هنا “تتجلي حقيقة عظمي هي حقيقة الموقف الاجتماعي من الطبيعة إنه نفي جوهرها المستقل “([i]). كل منا يعرف الزمن جيدًا، يعلم جيدًا ارتباطه بذاته، من الطفل الصغير حتى الشيخ الكبير، كلاهما يدرك أثر الزمن عليه، كنا صغارًا ننتظر متي يمر بنا الزمن كي نصير رجالا، ورأينا كيف يتمني الأجداد الشيوخ أن يعود بهم الزمان كي يعودوا شبابًا، وليس أدل علي ذلك من هذا التمني الدائر علي الألسنة ( ألا ليت الشباب يعود يومًا).

2- 1 تشخيص الزمن في ديوان أنسي طريقي إلي البيت  :

  • الزمن/ شخص:

من زمانٍ عجولٍ..  يهددُ أبراجَنا بالمدافعِ

يعمد الشاعر إلي تشخيص الزمان، فيمنحه من صفات الإنسان العجلة التي هي صفة إنسانية أثبتها الخالق ذاته (خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (37)(  ( الأنبياء ) وقوله تعالي (وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا) الإسراء(11) استعار العجلة من الإنسان ( المستعار منه ) ومنحها للزمان ( المستعار له) وهي صفة حقيقية في الإنسان خلقت معه فصارت ملازمة لها حتى قيام الساعة، هنا نلاحظ أن الإنسان دائمًا ما يحب التخلص من الصفات السيئة التي ارتبطت به فيلصقها بغيره خاصة الدهر، والزمن، والوقت، وهم من يحاول دائمًا أن يعيبهم علي الرغم من العيب فيه منذ البداية، ثم يمنحه صفة إنسانية آخري وهي التهديد، فيسلح الزمان ويجعل له مدافع يهدد بها، لقد وسمه بالتعجل والتهور في آن واحد إذن : الزمن / شخص / عاقل / متهور / مسلح / يهدد، هنا يفهم تصور الشاعر للزمن بكل تعقيداته، وتأبيه علي المطاوعة من خلال نسق مغاير، نسق إنساني يؤطر غير المؤطر، وينسق غير المنسق، ويقرب البعيد حتى يصير ذاتًا متحركة فهو ( يمحو حدودَ المكانِ / يزودُ أعداءَنا بالوسائلِ /أبناءَنا بالغناءِ اللحوحِ ) هنا يمنحه هذا الكم الجديد من الصفات الإنسانية، فهو: يمحو حدود المكان، يزود أعداءنا بالوسائل / يزود أبناءنا بالغناء اللحوح، هذه صفات إنسانية تحمل إلي جانب القوة حيث القدرة علي المحو، سمات الخيانة حيث يزود أعداءنا بالوسائل التي تعينهم علينا، وهذه خيانة عظمي لا يتصف بها غير الإنسان في الغالب، وكما يخوننا مع أعدائنا يخوننا مع أولادنا ايضًا .

  • وقبرُ منْ أحبُّ دائمٌ مؤقتٌ ونائمٌ وساهمٌ ……. حولَهُ الزمانُ في بهائِهِ

  • وأحفاداً لأمواتٍ قدامى ..خائفينَ منَ الزمانِ الصعبِ

إن التعبير الاستعاري (الزمان الصعب ) تعبير متداول علي الألسنة ليس فقط من خلال الاستعارة الإبداعية؛ بل من خلال استعارة العامة، وهو ما يجعلك دائمًا تفكر كيف يكون الإنسان ضحية الزمن علي طول الدوام، هذا التتابع الزمني يعصف بالإنسان من لحظات التغير الدائم  إلي لحظات التغير الدائم، لا يمكن أن يكون هناك ثبات في الزمن كل ما يحيط به من ناحية، وكل ما هو بداخله من أجهزة تشي له بفعل الزمن، رحم الله شوقي ( دقات قلب المرء قائلة له    إن الحياة دقائق وثوان) العقل يعي ذلك جيدًا، خاصة العقل الحديث كوريث لعقل قديم كان يبدأ حكيه ولا يزال ( كان يا ما كان في قديم الزمن والأوان )

وفي الممرِ….. اسطواناتٌ لليلٍ راقصٍ، هنا يمنح الليل أحد مفردات الزمان صفة الرقص، وللرقص دلالات عديدة حين يكون التلاعب بالإنسان يكون الزمن عامل مشترك، فهو في رأي العامة يرفع من يرفع ويحط من يحط وليس تعبير العامة المتداول الدال علي ذلك، حين يقول لك أحدهم ساخرًا متعجبًا ( زمن!! )، أو ( أه يا زمن!! )، وإذا كان أكثر تهذيبًا يقول لك ( لكل زمن دولة ورجال!! ) مما يجعلك تدرك مع (برجسون) أن الزمن معطي مباشر في وجداننا .

  • قبلَ انطلاقِ الليلِ بالإنذارِ، ثم يجعل الليل منذرًا والإنذار صفة مهمة بالنسبة للإنسان وهذا يحيلنا إلي علاقة وطيدة بين الزمن والوعي، لا يمكن أن يكون التعامل مع الزمن بمنطق الغفوة، إنه يدخل معي في منطقة الوعي الكامل، كل شيء يدرك من خلال المصاحبة الزمنية الشمس تتحرك طبقًا لزمن محدد، والقمر وباقي الكواكب والنجوم كذلك تمر في وعاء من الزمن، العلاقة مع الله تمر في سفينة الزمن، أوقات الصلاة زمن ( الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء )، عبادة الصوم زمن حيث هي أيام معدودات، وأيام الحج زمن حين تكون أيامًا معلومات.

ولا الليلُ يرعبُهُ فقدُنا، نحن نحس الزمن وهو لا يحسنا، نشعر به وهو لا يشعر بنا، لا يهمه إن كنا سعداء خلاله أو تعساء، لا يهمه إن مر علينا بطيئًا مملا ًصعبًا، أو سريعًا سهلاً لينًا،لا يهمه إن كانت الحياة ناعمة وثيرة هادئة، أو خشنة صلدة صاخبة،  لا يهمه إن جاء الموت أمام عينيه والتهمنا واحدًا واحدًا، كل هذا لا يؤثر عليه؛ بل يستوي عنده كل شيء، هو يمضي في سجاله دون أن يحرك له من حوله سكونه.

ينامُ مكاني غريبٌ …. ويقرأُ أسرارَ ليلي، هنا يجعل لليل أسرارًا علي سبيل التشخيص أيضًا، وما أكثر ما وصف العامة الليل بأنه ستار أي أنه يحفظ للناس أسرارهم حين يقومون بأعمالهم في ستره وتحت غطائه. وتأخذ مفردات الزمن جانب التجسيد هذه المرة فيمنح الوقت صفة القضم، والقضم للأشياء اليابسة في لغة العرب فيكون شبيهًا بالتفاحة المجنونة:

      على مقعدٍ، يقضمُ الوقتَ، تفاحةً للجنونِ،  ثقيلاً وليسَ يمرُ، هو الزمن غير المتكافئ إذن يعطي من يعطي، ويمنح من يمنح دون عدالة، الموت أكثر منه عدالة لا يفرق بين حي وآخر، أما هو فيرفع من يرفع، ويخفض من يخفض دون أن يحمل في قلبه ذرة من عطف، أو قيد أنملة من حنان .

ينسى أنّ ربيعًا طلَّ ومرَّ، هنا يجعل الربيع – أحد مفردات الزمان- يبصر فيطل، ويمر الزمن الذي ينساب كالنهر انسيابًا يحمل الديمومة كالنهر، لكن إن كان النهر يأتيه يوم ويجف، ويأتيه وقت ويتحول مساره، وتأتيه مواسم فيرتفع منسوبه ويهبط، إلا أن الزمن علي الرغم من التماثل في الانسيابية والمجري مع النهر، إلا أن ديمومته لا تتغير بتغير الوقت أو المواسم، ولا يهمه الجفاف أو انهيار جبال الأمطار.

وأنّ خريفًا طالَ، ثم يجعل الخريف أيضًا أحد مفردات الزمان يطول، والخريف الذي يسبق الربيع أي قبل التجدد والاخضرار، هو موسم الجفاف إذا حين يري الشاعر/ المخلص أن مواسم الجفاف تطول، وأن بوادر التغيير لا تلوح في الأفق، وأن الوضع علي ما هو عليه، إن محتويات الذاكرة ما هي إلا تاريخ وسجلات لواقع ميت لا يتحرك مع حركة الزمن ولا يتنامى مع تنامي الأحداث.

والرجالُ غائبونَ، يقلعونَ وقتَهُمْ بيأسِهِمْ، ويأرنونَ، فالزمانُ حاجزٌ وحاجزٌ!

هو امتداد لما سبق من استعارات للزمن، تأخذ من سمات الإنسان ومن تداعي الزمن في الذاكرة، وربط الأحداث بعضها ببعض، حتى يصل الأمر إلي الرغبة في التخلص من الزمن، ذاك الذي لا ينتهي أو يموت، فليس عبثًا أن تحتفظ الإنسانية اليوم بثياب الإنسان القديم وأدواته في متاحف فنية، فوقائع حياتنا وتعاملنا اليوم تنطوي علي حقيقة علمية نظرية عميقة تشهد أن مظاهر عمل الإنسان ووعيه منذ بدايتها الأولي ذات علاقة مباشرة بالمشكلة الجمالية حقًا إن أولي لحظات العمل والوعي هي في الوقت نفسه استيعاب وإدراك جمالي للعالم ([ii]).

[i][i] – انظر هنا غيورغي غاتشف، الوعي والفن، ترجمة نوفل نيوف، سلسلة عالم المعرفة الكويت، عدد 146فبراير 1990، ص 21.

[ii] – انظر غيورغي غاتشف، الوعي والفن، المرجع السابق، ص 13.

موضوعات متعلقة:

الاستعارة التشخيصية قراءة الذات ومحيطها الحي في القصيدة الحديثة (1)

الاستعارة التشخيصية قراءة الذات ومحيطها الحي في القصيدة الحديثة (2)

الاستعارة التشخيصية قراءة الذات ومحيطها الحي في القصيدة الحديثة (3)

الاستعارة التشخيصية قراءة الذات ومحيطها الحي في القصيدة الحديثة (5)

الاستعارة التشخيصية قراءة الذات ومحيطها الحي في القصيدة الحديثة (6)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img