الاستعارة التشخيصية قراءة الذات ومحيطها الحي في القصيدة الحديثة (6)

د.شعيب خلف

– تشخيص الوطن :

يظل الوطن – أي وطن- في وجدان ساكنيه أهم ما تهفو إليه الروح، وأروع ما يختزن القلب، وأطيب ما تستريح إليه النفس،  ولا يعلم ذلك جيدًا ويحسه إلا من أغترب عنه، كنا نردد في الغربة قول الشاعر ابن بابك (عبد الصمد بن منصور بن الحسن ت 410ه:

     هذي بقية نفس فارقت وطنًا    وفرقة النفس تتلو فرقة الوطن

وتذكر لحظات الطفولة والصبا هذه التي تبقي فينا بتعبير (باشلار) ولا يمكن استبدالها بغيرها بتعبير جرير الرائع :

حي المنازل إذ لا نبتغي بدلا     بالدار دارًا ولا الجيران جيرانا

بل وبتعبير إبراهيم طوقان ( ديننا حبك يا هذا الوطن)، والأروع قول الجاحظ في رسالة الحنين إلي الأوطان، تلك الرسالة  التي جمع فيها كمًا كبيرًا من الأقوال والأشعار في حب الأوطان وأهمها هذا الاقتباس( كانت العرب إذا غزت أو سافرت حملت معها من تربة بلدها رملاً وعفرًا تستنشقه عند نزلة أو زكام أو صداع )([1])،  ومما يؤكِّد ما قلنا في حبِّ الأوْطان قول الله عزّ وجلّ حين ذكر الدِّيار يُخْبر عن مواقعها من قلوب عباده فقال: ” لو أنّا كتبْنا عليهمْ أن اقْتلوا أنْفُسكُمْ أو اخْرجُوا من دياركم ما فعلوه إلاَّ قليلٌ منهم ” النساء 66، فسوَّى بين قتل أنفسهم وبين الخروج من ديارهم. وقال تعالى: ” وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أُخرجنا من ديارنا وأبنائنا “([2])

3- 1 في ديوان أنسي طريقي إلي البيت لطه الصياد :

الوطن ( البلاد)/  شخص “

  • (لكنَّ البلادَ بلادَنا، تقسو علينا)
  • (حينَ ينقرُ طائرٌ يدَها فتتسعُ الصحاري)
  • (حينَ ينقرُ طائرٌ يدَها فتندلعُ الحروبُ)
  • (سنرفعُها على أكتافِنا مثلَ الصليبِ أنا وأنتِ، بلادَنا)
  • (وبلادُنا معطوبةٌ)
  • نكبرُ في المنافي كلُّنا جرحى ولا تبقى البلادُ على الخرائطِ في مواضعِها
  • والآنَ تنكمشُ البلادُ كأنّها فأرٌ صغيرٌ خائفٌ
  • لا ذنبٌ لها إلا تسللُ شرفةِ الوطنِ المشردِ
  • نامَ الممرُ على أصابعِنا
  • ونامَ عمالُ المزارعِ والمحالجِ بعدما قُصِفَتْ أغاني القطنِ في أفواهِهِمْ
  • وبلادِنا العزلاءِ ليلاً!
  • ولنْ نتركَ الأرضَ مثقلةً بالضحايا ولا جوَّنا ملعبًا للغزاة
  • ولا بحرنا واسعًا للخطايا
  • ولا نخلنًا عاريًا
  • تحتَ سقفِ البلادِ
  • والبلادُ؟ البلادُ هي الطلقةُ الثانيةْ!
  • ومنْ فكرةٍ للإبادةِ تخلعُ أشجارَنا والبيوتَ مدائنَنَا منْ مواضعِها
  • إلى قريتي في شمالِ البلادِ المريضِ أفكرُ في الأمرِ
  • بلادي التي حفظتُ في انكسارها شعارها، وفي جفافها جرارها، وفي حريقها ثمارها ومن مكيدة الجرائد التي تزيف الثوار، نارَها!

وقبرُ منْ أحبُّ دائمٌ مؤقتٌ ونائمٌ وساهمٌ …………حولَهُ حلمتُ أنَّ ثورةً تودعُ البلادَ قدْ تعودُ

        إن حب الأوطان أمر لا يحتاج المزايدة من أحد علي أحد، فالكل في حب الوطن سواء، هذا الميراث بقي فينا يحمل من العتب أحيانًا ومن الرضي أحيانًا كثيرة، وفي النهاية يبقي الوطن كالوالدين لا يحاسب ولا يعاتب والجاحظ فطن لهذه السمة  “فقلت لئن قلت ذلك لقد قالت العجم من علامة الرشد أن تكون النفس إلي مولدها مشتاقة وإلي مسقط رأسها تواقة وقالت الهند حرمة بلدك عليك كحرمة أبويك”([3]).

ويعد ابن الرومي أول من ذكر أسباب حب الأوطان:

 وحبب أوطان الرجال إليهم … مآرب قضاها الشباب هنالكا.

وما فعله النبي في الهجرة، وما أظهره من محبة الوطن الذي تركه خلفه  حين توجه صوب مكة قائلا (والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض إلي الله …”([4]) لهو المثل والنموذج لحب الوطن.

إن ما سبق من تشكيل استعاري يعمد فيه الشاعر لتشخيص الوطن، وإضفاء الصفات الإنسانية عليه، ومخاطبته مرة مخاطبة الصديق المعاتب حين يقسو، كما يقسو الأب علي أبنائه فيبقي العتاب ما بقيت المحبة(لكنَّ البلادَ بلادَنا، تقسو علينا) إن قسوة الوطن قسوة أبوية تعليمية وتربوية يدرك قيمتها بعد ذلك، ناهيك عن ظروفه وما يمر، وأوضاعه التي لا تسر، فمن يتحمل غضب الوالدين غير الأبناء، ومن يصبر غير ذوي القربى، هنا يكمل الشاعر استعاراته فيحملها علي الكتفين ليست فقط كما يدشن الفعل للوالدين بل يزداد الأمر قداسة (سنرفعُها على أكتافِنا مثلَ الصليبِ أنا وأنتِ، بلادَنا) وهذا الفعل لا يكون إلا مع وطن يستحق التقديس والإجلال والحفظ من الأعداء والمغرضين الذين يتربصون بوطن يحمل للدنيا عبق التاريخ، ويحمل للإنسانية رقيها القديم وعقلها الحليم، (بلادي التي حفظتُ في انكسارها شعارها، وفي جفافها جرارها، وفي حريقها ثمارها ومن مكيدة الجرائد التي تزيف الثوار، نارَها!

3- 2 تشخيص الوطن

 روضة شاهين / قصائد :

مع روضة شاهين يأخذ التشخيص منحي أخر مع إحدى مفردات الوطن المهمة والتي حملت التقديس علي مر التاريخ ألا وهو النيل النهر، النيل الذي  ندين له بالكثير فهو الذي جعل من المصريين ذوي أنس كما يقول إميل لودفيغ([5]) .

النهر / شخص : قَبَّلتُ وَجْهَ النَهْرِ، كي أصيرَ نُطْفةً على جَبينهِ، أفْنَيْتُ روحي في هواه

  • وكُلَّما تَجَمَّدتْ خُطايَ، يَمضي في خُطاه، وَأغرقَ المَدينةَ العجوزَ، كي يطيلَ عُمره
  • عَجبْتُ أنَّهمْ، يُقَدِّسونَ أمره

في هذا العدد من الاستعارات التشخيصية، تقوم الشاعرة (روضة شاهين) بتشخيص النهر (نهر النيل ) الذي حظي بهذا التشخيص منذ عرفه الإنسان القديم وكانت كل التراتيل التي توجه للنيل تري فيه الذي يغذي ويطعم، ويجلب الخير والمؤنة لمصر كلها؛ بل ويقدم الخير، ويهب الحياة لكل إنسان في أي مكان، ويؤكد ما نذهب إليه من تشخيص النيل في الميثولوجيا المصرية القديمة حكاية وأسطورة عروس النيل،  حينما أشار الكاهن علي الملك أن النيل غضبان ويحتاج للزواج والذرية، فكانت عروس النيل التي تلقي سنويًا في موعد الاحتفال بفيضان النيل. تستفيد (روضة) من ميراثها القديم، وتنظر للنيل كما نظر إليه أجدادها، فجعلت له وجهًا وجبينًا وهوي يذوب محبوه فيه، كما جعلت له أقدامًا بها يخطو، وجعلته يغضب، فيغرق المدينة كي يعيش هو، ويطول عمره هو، وهنا يخرج النيل عن سلطة النهر الذي يفيض بالخير إلي سلطة الديكتاتور الذي يفني من حوله ليحيا هو، ويعيش هو، وهذا إسقاط علي عصور الاستبداد والقهر، حينما يتحول من المفترض فيه أن يكون رمزًا للعطاء إلي رمز للقهر والاستبداد، هذه تجارب فيزيائية ثقافية تاريخية عن واقع مرير يتحرك فيه رمز الخير إلي رمز للجدب والقحط والتحول من حالة اجتماعية وسياسية إلي حالة اجتماعية وسياسية مغايرة،  التشخيص ينقل الحب والغرام والذوبان في ذاك المحبوب لكي يبادل الغرام غرامًا والعطاء عطاء مماثلا، لكن يبدو المغايرة واضحة هو يأخذ ولا يعطي، يستقبل ولا يمنح، النيل هنا ربما يكون معادلا موضوعيًا لكل شكل أبوي مسيطر.

ويستمر تشخيص الوطن عند روضة شاهين    :

الوطن / شخص : وبالنِّيلِ يَنْشَقُّ صدْرُ البِلادِ

  • هذي بلادي راحلة
  • ثوري بلادي واغضبي
  • وكفاك يا وطني كفاك
  • يا أيها الوطن الأمين

هنا تجعل روضة شاهين للبلاد صدرًا يشقه النيل، وشق الصدر ومرور النيل معناه ببساطة شديدة أن النيل يغسل هذا الوطن، فيبقي نقيًا صافيًا، فشق الصدر تطهير مما تراكم من دنس، ثم تأتي استعارة ( هذي بلادي راحلة ) هذه هي المحبة الزائدة للوطن المكان، لكننا ندرك أن الأوطان لا ترحل كما يرحل الناس، الأوطان تبقي ثابتة في مكانها ما دام أبناؤها قادرين علي الدفاع عنها، إنه الخوف إذن علي الوطن، فنخاف عليه من الرحيل، والخارطة الجديدة للأوطان تؤكد رحلتها إلي السديم ولذلك كانت الاستعارة التالية (ثوري بلادي واغضبي) إن الثورة تحريك للراكد، ونفض للغبار، وزرع للبوار، ومن تلتها الاستعارة الجديدة التي تنادي الوطن بالأمين، وتسبغ عليه أعلي الصفات الإنسانية حيث الحفظ من الله ومن مواطنيه، وحيث بقاء مواطنيه علي قائمة أمانته وحفظه دون أن يكون لتصرفات الهوج أي تأثير علي المسيرة .

3- 3 تشخيص الوطن في رحيل إلي المجاز ليوسف عابد

الوطن / شخص : البلادُ تفرُّ من الرئتينِ

كعطرِ الحبيبةِ حين تغيبُ!

  • والبلادُ غناءُ الندى السرمديّ
  • كيف أكتبُ عنّي
  • وعن وطنٍ راحلٍ في ضباباتِه
  • دون أن أجرحَ الضوءَ؟

دائمًا ما كانت الأمكنة ( الأوطان ) مجالاً مهمًا لإبراز الشاعرية إن (هولدرن) كان محقًا حين قال إن الإنسان يسكن شاعريًا يشير إلي ضرورة وجود مخيال للبيت والحي … إن علاقة الشخص بمسكنه تنتصب من المعطيات البصرية، والشمية، والصوتية، والحسية، والحركية، الملموسة، والمسموعة … إن مسكنه الذي يعد امتدادًا يصنعه الإنسان لجسده، وتوسعًا ثقافيًا لهذا الأخير يؤمن له الأمن الجسدي والمعنوي في آن معًا([6])  إن استعارة البلاد تفر من الرئتين، هي رؤية مهمة للوطن الذي يماثل الشهيق والزفير، وهي أيضًا امتداد لرؤية الوطن داخل الجسد، هنا أصبح الوجود الواسع في الخارج هو وجود محكم في الداخل بل هو اتحاد في الوجود، فما هو معنويًا في الخارج صار حسيًا في الداخل، هنا استطاعت الذات والزمان والمكان أن تجمع شمل هذه العلاقة، كما يتبادل الداخل والخارج الأدوار. إن استعارة (وطن راحل) علي قدر ما تمتلكه من صعوبة ويأس إلا أنها تحمل الأمل، فالرحلة ممتدة والقدرة علي التصويب والمغايرة لطريق جديد وارد؛ بل مطلوب لا محالة، لا يمكن أن تفقد الذات مكانها طالما أن الرحلة معلومة، هنا تأخذ الرحلة طريقها الصحيح  .

3- 4 تشخيص الوطن عند وسام دراز في بائعة الفطير

الوطن / شخص :

  • وأنا أُطِلُّ علَى بلاديَ مِن عيونِ حَبيبتي

ظهرتْ ليَ الأرضُ الحَزينةُ طفلةً / تَمشي مع الغُرباءِ مُمسِكةً بطرفِ ثِيابهمْ

تَبكي إذا اشتاقُوا مَواطِنَهمْ

وتَضحكُ إن رَضَوا بنبوءَةِ العَرَّافِ.. وابتَسموا!

 تَحارُ إِذا استقرَّتْ في عيونِهمُ الدموعُ البِكْرُ

تَخشى أن يُشتِّتَها السقوطُ

  • أَيْقَظَتِ المدينةُ بَحْرَها: غادِرْ سَرِيرَكَ

إن الوطن كالوالدين، لا يجوز محاسبته إذا جار، ولا يمكن عقابه إذا أخطأ، فكيف تحاسب من أعطي دون حساب ؟  وكيف تعاقب من قدر .. وصفح  دون عقاب ؟ من هنا كانت دلالة هذا البيت الكبيرة في الجمع بين الوطن والأهل، في العفو والصفح، مهما بدر منهما من جور، فالوطن أعز علي النفس من النفس، ومهما صدر منهما من بخل فالأهل أقرب إلي القلب من شغاف القلب  :

        ( بلادي وإن جارت علي عزيزة         وأهلي وإن ضنوا علي كرام )

والسؤال الذي يطرح : هل يظن أحد أن هناك كتابة مهمومة ملتزمة لا يكون الوطن وقضاياه طرفًا أساسيًا فيها ؟ فإذا كان ذلك كذلك فكيف يكون الوطن إذًا حاضرًا فيما يكتب المبدعون من أبنائه ؟

الوطن بداية، هو الإنسان، الفرد الذي منه تتكون الجماعة، والوطن هو المكان الذي ينبت هذا الإنسان ويخلّقه جسدًا وروحًا وفكرًا، وهو الشجر الوارف الذي يتفيأ تحته من هجير الدهر وتقلبات الزمان، وهو الرداء الذي نرتديه ليستر عوراتنا إذا طال العمر وامتدت السنون

هذه كانت جولة في عدد خمسة دواوين شعرية، لشعراء شباب في مقتبل حياتهم الإبداعية لاحظنا فيها سمة أسلوبية وبلاغية واضحة، وهي الاهتمام بالاستعارة في وقت ابتعدت فيه كثير من النصوص الحديثة عن إعطاء أهمية للبلاغة الرصينة، إن الاستعارة في هذه النصوص جاءت من خلال رؤية معرفية لثلاثة أنساق تصورية وهي ( الوطن والزمن والموت ) من خلال نسق تصور مغاير وهو الإنسان، ذاك الكائن الحي الذي يري الأشياء دائمًا علي صورته .

[1] – أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، رسالة الحنين إلي الأوطان، دار الرائد العربي، بيروت لبنان، ط2، 1982، ص16 .

[2] – الجاحظ، رسالة الحنين إلي الأوطان، المصدر السابق، ص 8، وما بعدها.

[3] – الجاحظ، الحنين إلي الأوطان، السابق، ص8 .

[4] حديث عبد الله بن عدي بن الحمراء، مسند الإمام أحمد، ط الرسالة، بإشراف شعيب الأرناءوط (18715) .

[5] – إميل لودفيغ، النيل حياة نهر، ترجمة / عادل زعيتر، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1997. ص 449 .

[6] – انظر في هذا دافيد لوبروتون، أنثروبولوجيا الجسد والحداثة، ترجمة محمد عرب صاصيلا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الأولي 1993 ص 106، 107.

موضوعات متعقة:

الاستعارة التشخيصية قراءة الذات ومحيطها الحي في القصيدة الحديثة (1)

الاستعارة التشخيصية قراءة الذات ومحيطها الحي في القصيدة الحديثة (2)

الاستعارة التشخيصية قراءة الذات ومحيطها الحي في القصيدة الحديثة (3)

الاستعارة التشخيصية قراءة الذات ومحيطها الحي في القصيدة الحديثة (4)

الاستعارة التشخيصية قراءة الذات ومحيطها الحي في القصيدة الحديثة (5)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img