الاستعارة التشخيصية قراءة الذات ومحيطها الحي في القصيدة الحديثة (1)

 د/ شعيب خلف

لم تمتلك البلاغة في عمومها، والبلاغة العربية علي وجه الخصوص من خلال تراثها الذي بين أيدينا منهجًا لتحليل النصوص، علي الرغم من انطلاقها من نصوص قدمت شواهدها طواعية، وفي سهولة ويسر، هذه الشواهد وجدناها لدى السابق واللاحق، رأينا كيف تكررت شواهد “الرُّماني” عند اللاحقين عليه، وكيف فقد اللاحقون الاستفادة من جرأة قدامة وانفتاحه علي الثقافة اليونانية، حتى دراسة “الآمدي” والتى كان مجالها التطبيقي فسيحًا لم تتسم بالموضعية، ودراسة عبد القاهر التي هضمت ما قبلها، تكررت شواهده بعده، حتى حازم القرطاجني الذي يمثل نهاية التنظير العلمي القائم علي عديد الثقافات قبله والمزاوجة بينها وبين العربية لم ينل من لاحقيه ما يستحق لأننا في العادة لا نبني علي بناء لنكمله،  وشواهد ” السكاكي ” التي صارت عند شارحيه بضاعة ثمينة، وسننًا تعليمية جليلة، فوصفت بلاغته بالمدرسية التي بقيت في أذهان المعلمين يحفظها الدارسون خلفًا عن سلف، كانت النتيجة إذًا أن ما ورثه درسنا البلاغي الحديث مما سبقه، رؤية ثابتة، وشواهد مكررة، وذوق في أغلب الأحيان يبتعد عن الموضوعية، ويخضع لتأثيرات فكرية وسياسية وعقائدية، ولمّا كانت الاستعارة أكثر عناصر هذا الدرس تأثرًا بهذه المؤثرات الفكرية؛ بل وأكثرها تشابكًا بين بلاغيين، ومفسرين، وفلاسفة، وأصوليين، نحويين ولغويين، أدباء ونقاد، كانت لذلك أكثر عناصره ابتعادًا عن الحيدة العلمية لكثرة ما اعتقد الناس فيها من تمام درسها، وأفول نجمها من ناحية، وإيثارًا للسلامة من ناحية ثانية([i])

ليست النظرة للقديم هنا بعين الإنكار، أو إغفال الحق، فهو شئنا أم أبينا القبلة الأولي، والتوجه الأساس الذي كانت منه الانطلاقة، ونقطة البداية، مهما تنوع الخطو بعد ذلك، وأتخذ له طرقًا مغايرة، ومعابر نافرة، ومسالك حائرة، فلم تأت نظرية في الغرب تبحث في الاستعارة وقد أنكرت أرسطو كل الإنكار، أو أغفلته تمام الغفلة؛ بل كانت لمباحثه في هذا النطاق جل التقدير لروعة البداية، ووضوح التصدير لتمام المعرفة والدراية.

كان لتطور علوم اللغة بكل أقسامها، وتعدد علوم اللسان بكل أطيافها، وما وازاها من نشأة علوم إنسانية آخري، وما حدث من تطور بين الإنسان بكل تعقيداته، وبين محيطه، وبين منجز العلم الحديث بكل تشعبه، وتعدد جوانبه خاصة ميدان العلم المعرفي، علم النفس التجريبي، الذكاء الاصطناعي، النظرية الجشطالتية، وتداخل العلوم والمعارف، جعل النظرة للعلم – أي علم- نظرة كلية شمولية، كلية في الرؤية، وشمولية في الأداء والتعبير، هذا الأمر كما كان مع عديد العلوم كان مع النص وعلومه، فلم تكن النظرة قاصرة عليه وحده؛ بل كان كل ما يحيط به من فضاءات: الرسالة، والسياق، والمتلقي، وكل فضاء من هذي الفضاءات الثلاث يرتبط بما يحيط به من سياقات سياسية واجتماعية وفكرية.

لما كانت الاستعارة أثيرة للنص وتعقيداته، وما لحق به من انفتاح علي مختلف العلوم والثقافات، أصابها ما أصابه من ارتباط مهم بباثه، ومحيطه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وبمتلقيه في إطار كل هذه السياقات المحيطة،

ولما كانت اللغة بالفطرة مجازية، وكان الإنسان الذي يستخدمها للتعبير عن ذاته بفطرته مجازيًا أيضًا، جعل هذا المجاز في عمومه ملازمًا لحياة الإنسان، ذاك الذي يحمل دائمًا مواريثه الفطرية فوق كتفيه، حاضرة في وجدانه وذهنه، قبل أن تكون حاضرة في لغته التي يتواصل بها مع محيطه، من هنا كان توجه (لايكوف / جونسن) حيث المحطة المهمة التي جعلت الاستعارة حياة يحيا بها الإنسان ومن خلالها، عندما ينظر إلي نسق تفكيره اليومي يجد ذلك واضحًا “إن النسق التصوري العادي الذي يسير تفكيرنا وسلوكنا له طبيعة استعارية بالأساس”([ii])، إن هذا النسق التصوري الذي جاء في كتاب (الاستعارات التي نحيا بها) يلعب دورًا مهمًا في تصرفاتنا اليومية مع ذاتنا من ناحية ومع الواقع المحيط بنا: الناس، والأشياء خاصة، علي الرغم من يقيننا أن هذا الفعل من الصعب الإمساك به والتحكم فيه.

الاستعارة التشخيصية : PERSONIFICATION التي نقصدها هنا تحدث من خلال تداخل نسقين تصورين: نسق تصوري يشير إلي مجال الإنسان ( المصدر) ونسق تصوري يشير إلي جماد، أو كائن حي غير الإنسان، أو مجرد([iii]) هذه قراءة لعدد من التجارب الشعرية الواعدة، يتضح فيها معًا سمة مهمة وهو استخدام الاستعارة التشخيصية بشكل واضح لعدد من المفردات الدلالية المهمة صاحبة الحضور الطاغي في القصيدة الحديثة ألا وهي: المكان ( الوطن ) والزمان، والموت وكلها ترتبط من خلال نسقها التصوري، بالنسق التصوري للإنسان ومحيطه ومن هنا كانت هذه المفردات تميل للتشخيص أكثر من غيره من التوجهات الدلالية للتشكيلات الاستعارية. إن التشخيص سمة إنسانية لها ميراثها القديم كما لها ديمومتها علي مر العصور كانت مع البداية، وظلت حتى يوم العباد هذا “كان يشخص كل قوة من قوى الطبيعة على انفراد، وكان مقياس كل شيء لديه إنسانيًا. فما عرفه في نفسه وتجربته فهو إنساني، وكل ما زاد عن ذلك فهو خارج عن عالم الإنسان وهو خارق لقوى الإنسان، فقد خاطب الخارج عن عالم الإنسان بلغة الإنسان”([iv]).

[i] – انظر لكاتب هذي السطور، شعيب خلف، التشكيل الاستعاري في شعر أبي العلاء المعري دراسة أسلوبية إحصائية، دار العلم والإيمان، كفر الشيخ ط1، 2008، ص7 .

[ii] – انظر، الاستعارات التي نحيا بها، لجورج لايكوف ومارك جونسن، ترجمة عبد المجيد جحفة،دار توبقال للنشر، ط 1، 1996، ص 21 .

[iii] – انظر شعيب خلف، التشكيل الاستعاري في شعر أبي العلاء، السابق ص 21 .

([iv]) د/ عبد الحميد زايد: الرمز والأسطورة الفرعونية، عالم الفكر الكويتية، المجلد 16 العدد 3، 1985، ص63.

موضوعات متعلقة:

الاستعارة التشخيصية قراءة الذات ومحيطها الحي في القصيدة الحديثة (2)

الاستعارة التشخيصية قراءة الذات ومحيطها الحي في القصيدة الحديثة (3)

الاستعارة التشخيصية قراءة الذات ومحيطها الحي في القصيدة الحديثة (4)

الاستعارة التشخيصية قراءة الذات ومحيطها الحي في القصيدة الحديثة (5)

الاستعارة التشخيصية قراءة الذات ومحيطها الحي في القصيدة الحديثة (6)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img