الاغتراب والحزن في شعر الشباب (2)

دراسة في قصائد (طه الصياد وروضة شاهين ووسام دراز ويوسف عابد)

  د. حسام جايل

سيطر الاغتراب ذاته على روضة شاهين؛ فجعلها تتحدث عن أحلام البنفسج؛ ذلك الزهر الحزين رغم بهجته ليصبح البنفسج هو الشباب أو أحلامهم الكبيرة المحطمة:

وُلِدْتُّ عَلى سَاعَةٍ عُطِّلَتْ

واسْتَقَرْتْ

يَداى بحَلْقي

أتَمَّ الجَميعُ الكَلامَ

وكنتُ أُتِمُّ السُّكوتْ

إذا جاءَ لَيلٌ

أدُسُّ الظَّلامَ بِحَنْجَرَتي

وَأَمُدُّ يَديَّ

كَطَيْرٍ كَسِيحٍ

لَهُ العَجْزُ والخَوْفُ

مُنْذُ الوِلادةِ

حتى يَموتْ

ذَبُلْتُ

كَزَهْرِ البَنَفْسَجِ

عِنْدَ انْتهَاءِ الحَنين

وهذه الغربة تلجئ الشاعرة/ روضة شاهين إلى الرغبة في البوح والفضفضة والغناء الحزين ولهذا تتكرر كلما مثل: النعيم والنشيد والغناء والبوح في قصائدها كثيرا، وتتضح أيضا مظاهر الغربة وتتجلى في شعورها بالخطيئة؛ فهي محاطة بها. وحتى غناؤها خطيئة لأن الحب، بل الرؤى والخطا والحياة والممات كلذ لك خطيئة، ونلحظ أنها عندما شبهت فمها في الغناء اختارت آلة وترية حزينة وهي الكمان:

كَجِذْعِ كَمَانٍ حَزين

فَتَحْتُ فَمي

كي أُغَنِّي

وَجَدْتُ الغِناء

خَطيئَة

وَجدتُ الجميعَ

يَخيطُونَ قَلبيَ

فَالحُبُ أيضًا

خطيئة

وجدتُ رُؤايَ/خُطايَ/

حياتي/مَمَاتي

خَطيئة

وكلما زاد النقاء والبراءة زادت حدة الشعور بالاغتراب، ويظل التساؤل عن سر الوضع الغريب والتسليم بمشيئة الله، وهو سؤال يحمل قدرا كبيرا من المرارة بقدر ما يحمل من روعة الصياغة وبساطتها. ولا تكفي عن جلد الذات في بداية السؤال بشيء من التقرير والتجدد؛ لأننا نقيم الحياة لنسجن فيها:

نُقِيمُ الحَيَاةَ

لَنُسْجنَ فِيها

كأنَّ البقاءَ

عقابٌ مبين

شَقَاءٌ مَرِيرٌ

وَإِنَّا سَنَبْقى

مَعَ الصُّبْحِ وَالحَقِّ حتَّى يَبين

نُرِيدُ

بِقَدْرِ الحَيَاةِ نَقَاءً

وَللَّهِ في الوَضْعِ هذا شُئونْ

ويستمر هذا الشعور بالاغتراب؛ حتى أن وسام دراز سرعان ما تخذلنا عندما نلمح لديها بارقة أمل في ” قصيدة ” بائعة الفطير” التي تستهلها بمطلع وصفى جميل:

صباحٌ،

والعنادِلُ تستريحُ من الغناءِ

وتَستتيبُ الشمسَ عن حرقِ الطريقِ

ليعبُرَ النّعناعُ في شاي المُحطِّبِ نحوَ غابَته الحبيبةِ،

شارعُ الألوانِ يَتركُ في صبيٍّ _لا ابن عامٍ أو شهورٍ رُبّما_ عُنوانَهُ،

والفُلُّ يَسرحُ في إشاراتِ الحياةِ

،يُوزِّعُ النظراتِ بين العاشقَيْنِ السائِقَيْنِ لحيثُ مَقهًى واسعٍ كالحبِ،

والأحلام سانحة كفُسْتُقةٍ تُقَشِّر نفسَها للطيرِ.

ولكنها، أو كأنها تستدرك وتستعيد اغترابها وتتكيئ على بنية الظنية والاحتمالية كما فعل طه الصياد من قبل

كأنَّ قلبيَ أخضر،ٌ لم يَختبرْهُ الحزنْ

،لم يهطلْ عليه الراحلون من السماء

ولم يُعَكِّرْ ماءَهُ حَجَرُ التَذَكُّرِ….

ويتحول المشهد إلى الحزن التام، وتبتل السماء بدموعها، ويمر قطار الموت حاصدا صغارا يحلمون بغد أحلى وأجمل:

ونَدَّيْتُ السماءَ بدمعتي

ولفَفْتُها فِيها،

قِطارُ الموت مُمتليءٌ بثوارٍ صغارٍ

كانَ يُعجبهم فَطيري،

وهنا يظهر لنا النسيان كمظهر جلى للإحساس بهذا الاغتراب في قصيدة تحقيق صحفي مع الوقت” فيحضر النسيان بالاسم والفعل، ويتكرر ارتباطه بالحزن والانتظار كما يتكرر الانتقاص بالفعل والاسم في قصيدة ” ارتطام” فكل شيء ناقص وغير مكتمل. وبناء على هذا النقص الناشئ من الشعور بالاغتراب تمارس الشاعرة التأجيل لغربتها وحزنها ووحدتها:

أمُرُّ على لقاءاتٍ مُؤجَّلَةٍ

يُعكِّرُني انعِكاسِيَ مُفردًا في النِّيلِ

هذا البدرُ يَنْقصُهُ انتصافٌ

والنَّسيمُ الرَّطْبُ تنقصُ صدرَهُ رئةٌ

وظِلي عالقٌ في الوردِ

تَنْقصهُ انحناءةُ قاطفٍ

وأنا حزينٌ

واللقاءُ مؤجلُّ

واليومُ ناقِصْ!.

فوقَ هذا النهرِ وحدي

إن سيطرة الاغتراب تجعل يوسف عابد يغادر الحقيقة راحلا إلى المجاز، مودعا كل شيء، تاركا إرثه للريح:

قالُ المسافرُ

حينَ ودَّعَ أهلَهُ:

للريحِ أنْ تَرثَ المكانَ وظلَّهُ

وبكى..
ليعرفَأنَّ دمعةَ تائهٍ

ستُريقُ ألفَ سحابةٍ لتُظلَّهُ

كانَ الرحيلُ

إلى المجازِ محرّمًا

فاخْتارَ أنْ يبكي دمًا ليُحلَّه

وفي غنائيته الحزينة أو قل ترنمه وشجنه؛ يتحد هذا المغترب بالريح  والنار والماء والتيه ويتزوج بروح الخيال، وينكر حلمه وأمله/ طفله:

يمشي بأرصفةِ الظنونِ
يريد أن يلقي
بأروقة الحقيقةِ رَحْلَهُ

متزوّجٌ روحَ الخيالِ
وكمْ قضى بالغيمِ شهوتَهُ
وأنكرَ طفلَهُ

ويسيطر التيه عليه ويفرق جسده في البحار السبع، ويسكت روحه؛ ولهذا لا يرى القمر سوى مجرد ثقب في جلباب الظلام الذى يرتديه عالمه

 

قمرٌ على الشبّاكِ

بعثرَ أدمعَهْ

فسكبْتُ روحي فيه

حتّى أسمعَهْ 

قمرٌ يضيءُ

كأنّه

ثقبٌ بجلبابِ الظلامٍ

وصمتُهُ يحكي معَهْ

ناجيتُ أزرَقَهُ

فعانقَ وحدتي

أسرفتُ في حلمي

فأسدلَ برقعَهْ

ما زلتُ من تيهٍ

إلى تيهٍ…

فإنْ أبصرْتَني

ترَ أدمعي في الأشرعةْ

لي في البحارِ السبْعِ

حَيرتيَ التي

كم فرّقتْ جسدي هناكَ

لأجمعَهْ

إن الشاعر هنا يحاول أن يبحث عن نقطة ضوء وسط الظلام، مسرفا في حلمه وطموحه لكن كل شيء يصده ويعانده ويحاصره التيه الذي حاصر رفقاءه الصياد وروضة وويام من قبل.

وهذا المسافر شقى أعار الليل رؤياه ولذا فإن حياته عبارة عن سِفر من المأساة لا يحظى فيها بشيء من النور أو طيف من النهار:

ذاك الشقيُّ

أعارَ الليلَ رؤياهُ

حتى اتّضحْتِ بعيدًا عن مراياهُ

لو كان يحظى

ببعضِ النورِ فسّرها

أو مر طيفُ نهارٍ

كان حاكاهُ

موضوعات متعلقة:

الاغتراب والحزن في شعر الشباب (3)-الشاعر يوسف عابد

الاغتراب والحزن في شعر الشباب(1) -الشاعر طه الصياد  

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img