الاغتراب والحزن في شعر الشباب (3)

دراسة في قصائد (طه الصياد وروضة شاهين ووسام دراز ويوسف عابد)

د. حسام جايل

والشاعر يوسف عابد يتكئ كثيرا على صورة المسافر وحياته، وكأني به يصور الإنسان في معاناته الدائمة في البحث عن ذاته المفقودة المتحطمة على صخر الحياة المعاندة. وهو في سفره تائه يحوطه الضباب وحظه شارد، يتقرب بألمه وآهاته وتوجعه:

مسافرًا

يحملُ الألواحَ

خارطةً من الضبابِ

وأقصى الحلمِ

مرساهُ

تُملي عليه خطاهُ الريحُ

تدفعُهُ

لشاردِ الحظّ

في الصحراء مرعاهُ

ها سِفرُ مأساتِهِ
ما زالَ يكتبُهُ..
الليلُ صاحبُهُ،
قربانُهُ الآهُ

ولهذا فهو يصرح بغربته المقدرة عليه ولا يدري لها سببا ولا يعرف لها علة؛ رغم بحثه أو مطاردته لحلمه وتشبثه بأمل وملامحه. واستخدام كلمة الملامح هنا ذات دلالة على الذات والتمسك بها في حرب التمييع والذوبان الذي يمارسه العالم ضد الهوية والتحقق. محاولا رؤية الأشياء على حقيقتها بلا ضبابية أو تشويش مستعينا بالتناص القرآني. وهو هنا يفعل كما فعل أقرانه من قبل معلنين غربتهم الذاتية في عالم لا يستقر فيه وضع على حال أو على طبيعته:

أنا الغريبُ

السماويُّ الذي

انْفرطتْ

منهُ ملامحُهُ في الريحِ

حين بدا

أطاردُ الشيءَ

واللاشيءَ والكلماتِ

السابحاتِ عصافيرًا بغيرِ مدى

فلتكتبيني بحبرٍ واضحٍ

لأرى

-من دونِ وجهِ

ضبابِ التيهِ-

مُلتحدا

وتستهويه الغنائية الحزينة أو الترنم كما سبق وأسلفنا فيفيض في التعبير عن اغترابهم وحزنه، ومهما حاول الخلاص فهو تائه حيث بدا؛ خطاه حفر يحمل هاويته أينما ذهب

تُهتُ منّي والخُطا حُفَرٌ

أعلو

وتعلو

معي

جدرانُ هاويتي

ولا غرابة في ذلك؛ فهو يرى نفسه ويعبر عنها بأنه ابن الأمس والموت. وذنبه وخطيئته أنه شاعر ثمل بالمثالية وحرية الاختيار

أنا ابْنُ أمسِ

وموتي

صارَ يشغلني

يا أوَّلِ الفجرِ

خُذني

نحو آخرتي!

لا ذنبَ لي

غيرَ أنّي شاعرٌ ثملٌ

أختارُ موتي

كما أختارُ قافيتي!

والمتتبع لقصائد يوسف عابد يري سيطرة معجم الموت والتيه والغموض، والعجز والغربة والظلمة والضباب واليح والهباء وذلك ناتج طبيعي لاغترابه الداخلي وصدمته المجتمعية كرفاقه.

إن الشعراء الشباب في سبيل التعبير عن اغترابهم الذى تناولنا بعضا من مظاهره وتجلياته فيما سبق، قد استعانوا ببعض الأدوات والوسائل مثل السرد والصورة، والمفارقة والتكرار والغنائية الحزينة.

لقد كان السرد حاضراً بقوة في قصائد الشعراء – وذلك نتيجة حتمية لرغبة الشعراء في الحكي والإفصاح؛ ذلك أن المغترب يحتاج إلى الفضفضة والحكي والبوح بما يعتمل في صدره من غربة وآلام. فهذا هو طه الصياد في أغنية الانكسار الأخير يصف ويسرد:

ها هي الأصواتُ

أصواتُ القنابلِ ذاتُها

والبندقيةُ نفسُها

والحربُ عينُ الحربِ

يبدأَ كلُّ شيءٍ في التداعي

والهبوطِ لنقطةٍ دمويةٍ

وهو بصدد السرد أو التغنى بانكساره يستخدم واو العطف سبعا وثلاثين مرة في هذه القصيدة فقط، إضافة إلى استخدام الأدوات الأخرى بما يقارب الخمسين وذلك لربط المشاهد السردية ببعضها.

والمشهدية  نفسها تسيطر على قصيدة” أنسى طريقى إلى البيت” حيث يتشكل المشهد الأول بالفعل الماضي للدلالة على تمام الحدث وانتهائه يتلوه الفعل المضارع الدال على التجدد والاستمرار:

أصبحتُ أنسى طريقي إلى البيتِ

أنسىى يدي في الهواءِ

تلوحُ للآخرينَ

الذينَ مضوا

قبلَ وقتٍ طويلٍ!

يتم يتكرر الفعل المضارع “أنسى” وفى كل مرة يضاف إليه مفعول به جديد، ومن ثم يشرع الشاعر في سرد مشهد جديد يكمل به حكايته الحزينة ويصور لنا به مأساته.

وهى الطريقة ذاتها المتبعة في قصيدته “ينام مكانى غريب” وتتصل طريقة السرد هنا بصورة البيت وما يتصل به من سرد التفاصيل وقصة النزوح والصورة من البيت وإليه

وتتكئ بنية السرد لدى شعرائنا على السؤال الذى يتكرر كثيرا في قصائدهم سواء بالصيغة الاستفهامية أو بالدلالة من خلال السياق.

يقول طه الصياد في أغنية الانكسار:

كمْ منْ مرةٍ سنموتُ

منفيينَ خارجَ حقلِها الممتدِّ

منْ كفِّ العقيدِ إلى العقيدِ

وها هي الأزهارُ

تصرخُ في سريريَ

والحمامُ يموتُ بين يديّ

كمْ ننسى حقولَ التينِ والزيتونِ

ويقول في قصيدة: ينام مكانى غريب:

فهلْ كانَ ذاكَ الغريبُ أنا

أمْ هوَ الآخرونَ

إذا اتحدوا شظيةً في ذراعي

وقنبلةً

قد تفجرُ بيتي الصغيرَ

ومكتبتي ؟!

ويقول في قصيدة ” لا أنا ولا أحد”

أظن أنني قتلتُه هنا

فما اسمه؟

وهل هو الذي قتلتُ أولًا أم الأخير؟

هل بكى؟

وهل أصبتُ بالرصاص رأسه؟

نسيتُ من يكون صاحبي الشهيد

هل عرفتُه لكي أقول صاحبي؟!

وهل تبعتُ صرختَهْ؟

وهل قضى من الحياة قبل موته شؤونه وحاجته؟

وهل تشردتْ عيونه

وشاف طفلةً صغيرةً تلمه بكيسها الصغير

في حقيبةٍ صغيرةٍ

وتغمض العيون في أسىً

وترتجيه أن يعود مرةً؟

ويتكرر لدى روضة شاهين حينما تقول:

فَهلْ تُهْزَمُ الحَرْبُ

هذا الزَّمانْ؟

فَمَن

سَيَقودُ المَسيرَةَ فينا؟

وَمَنْ

سَيَجِيء لنا بالحِصان؟ْ

ومن

يَجْمَعُ اليَوْمَ أوْجاعَنَا

ثُمَّ يَطْرُدُها

بِأنينِ الكمان؟ْ

أو في قولها في قصيدة: الآن .. وقد ابتعد الخليل

ماذا أصاب قلبك النَّدي..؟

وهل قَبِلتَ أن أكون فِدْيةً..؟!

لمن..؟!

والسؤال لديهم يأتي مشفوعا بالإجابة، أو متبوعا بسؤال آخر وفى كلتا الحالتين؛ فإنه يساهم في تطوير السرد واستمراره.

ومن الأدوات التي اعتمد عليها الشعراء في التعبير عن غربتهم كذلك، الصورة، وهى في كثير من الأحيان- صور عنقودية تتوالد من بعضها البعض تعتبر عن ذلك الخط الدرامى المتنامى في قصائد الشباب تعبيراً أو تجسيداً لاغترابهم.

فنجد صورة البحر لديهم جميعا ولا سيما يوسف عابد حيث يستخدمها بكثرة دلالة على تشتته وتشظيه:

بحر الندى “المتقارب”
فعولن فعولن فعووفعولْ
(على كلِّ حالٍ تسيرُ الحياةُ)
ولكنّ في القلبِ بعضَ فضولْ

وكقوله:

لي في البحارِ السبْعِ

حَيرتيَ التي

كم فرّقتْ جسدي هناكَ

لأجمعَهْ

كما يكثر لديهم حضور التيه وتصويره بأكثر من صورة، يقول يوسف عابد:

في التيهِ يختنقُ المكانُ بذاتِهِ

في التيهِ يتبعني السرابُ..

لأتبَعَهْ

ويقول أيضا:                                   موزّعًا

بين أوتارِ الربيعِ

ولا

همّتْ أصابعُ

تُهدي التيهَ مأواهُ

وقوله:                                         في التيهِ

 لا فرحٌ  سماويٌّ..

بهِ

حتّى فراشاتُ السعادةِ

موجعةْ

كما نجد صورة البحر لدى وسام دراز لكنها تتخذ منه مجالا لتصوير حالتها على عكس يوسف الذي تفاعل معه وفرق فيع جسده:

وأجيد شراء الورد

وأعرف معنى أن يتَّضحَ البحرُ

وأتقن تسمية النَّجمةْ…

أنتظر

وقلبي ينتظر

ويُؤنِسني

 أو كقولها:

يقولُ: أنا جاءٍ

مِن بنتٍ طاهرةٍ تُشبِهُ سَجدةْ

،هيَ خَجلَى مثل البحرِ

إذا غَمَزَتْهُ الشمسُ بقوسِ قزحْ

وهذه روضة شاهين تتخذ منه ذخيرة للحياة والحب والثورة وربما الهدوء أيضا؛ فتقول:

كَمَا غَيْمَةٍ

قَدْ مَلَأتُ جيوبي

برائحة البحر

والياسمين

ويعود طه الصياد للبحر محاولا أن يحمله ليروي أو يكمل نقص صحاريه التي جاء منها، ويستحضر البحر برماله وملحه وشواطئه ليكمل صورته التي يتغياها:

حينَ حاولتُ أنْ أحملَ البحرَ بينَ البلادِ

لأكملَ نقصَ الصحاري

التي جئتُ منها

لتطفو خيامُ القبائلِ

مثلَ قواربِ صيدٍ

على شاطئِ البحرِ

والرملُ يسخنُ منْ ملمسِ الشمسِ

والملحِ

والحبِ

لكنّهُ البحرَ يدنو لينأى

وتتكرر صورة البحر لديه بكل أبعاده كما ذكرت من قبل، ولكنه هنا يتغنى بشجو عن حرية البحر ويسرد علينا صورا مختلفة وجميلة من حرية أو حريات البحر التي ينبغي أن نتمتع بها، ولذا يطول المقطع الذي يتغنى فيه بحرية البحر في قصيدته أنسى طريقي إلى البيت حيث يقول:

ولسنا نؤثرُ في الحربِ والسلمِ

لسنا نعطّلُ حريةَ البحرِ! 

حريةُ البحرِ

أنْ يخلعَ الموجَ من جسمِهِ

والرمالَ

وزرقةَ آلامهِ

في الطريقِ إلى حانةٍ

لا تردُّ الغريبَ

ويطلبَ كأسًا منَ المستحيلِ

ويسكرَ حتى الثمالةِ!

أنْ يتحررَ من خوفهِ

كي يسيرَ إلى نفسِهِ

عاريًا

منْ ضحايا بلادٍ

يريدونَ أنْ يعبروا بالقواربِ أحلامَهَم

ثمّ لا يصلونَ

ولا يرجعونَ! 

وحريةُ البحرِ

أنْ يخلعَ البحرَ منْ صرخةٍ في السماءِ

السماءُ صليبٌ

ونحنُ وقفْنا

على خطوةٍ للمسيحِ

لنبلغَ أسرارَها

بعدَ حينٍ

سنبلغُ أسرارَها كلَّها!

وبعد؛ فهذه إطلالة على شعر مجموعة من شبابنا حاولت فيها أن أستخرج بعض الملامح المشتركة في إنتاجهم بوصفهم جيلا واحدا يعيش بيئة واحدا ويتأثر بما يجري على أرض وطنه، وما يميز هذا الجيل من أحلام وطموح، وكيف بدا هذا الصراع بين المفترض والواقع أو بين آلامهم وأحلامهم المشروعة.

والحق أقول: أنه برغم اشتراكهم في الشعور بالغربة أو الاغتراب إلا أن لكل منهم خصوصية في الرؤية والتعبير ورسم الصورة التي تجعل من كل منهم شاعرا علما في القريب العاجل إن تمسك كل منهم بموهبته وداوم على القراءة والإبداع، وتخلصوا جميعا أو تخففوا من الحزن والغربة الذاتية وجلد الذات. كما يجب عليهم أن يتخلصوا من النزعة الدرويشية التي فرضتها عليهم تأثرهم بشاعر العروبة الكبير محمود درويش. وفي ظني أن الزمن والتجربة كفيلان بهذا لمن أراد أن يكون نفسه في الشعر.

موضوعات متعلقة:

الاغتراب والحزن في شعر الشباب (2)-روضة شاهين ووسام دراز

الاغتراب والحزن في شعر الشباب(1) -الشاعر طه الصياد  

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img