الاغتراب والحزن في شعر الشباب(1)  

دراسة في قصائد (طه الصياد وروضة شاهين ووسام دراز ويوسف عابد)

  د. حسام جايل

يرتبط الشباب لدى الكثيرين بالطموح وحب الحياة، والرغبة في إثبات الذات وقبول التحدي والجرأة التي تصل إلى حد النزق والإسراف أحيانًا.

وفى عالم الشعر نرى شعر الشباب – في الغالب – يتغنى بالحب والمحبوب وتصوير فروسية الشاعر وجمال المحبوبة وكيف أنه يحارب الدنيا (القبيلة قديمًا وظروف الحياة حديثًا) ولا يتخلى عن محبوبته وإصراره إلى الفوز بها مهما كلفه الأمر والبعض يتغنى بوطنه وأمجاده ومستقبله الزاهر، كما كان الشاعر قديما يتغنى بمجد قبيلته أو عروبته أو أصله أيا كان .. الخ.

ولكن اللافت للنظر أن معظم شعر الشباب في هذه الأيام نلمح فيه كثيرا من مظاهر الحزن والشكوى والألم والتألم؛ وذلك غير المتوقع من الشباب الذى تحكمه طبيعة السن، وقوانين الكون؛ لكن يبدو أن حساسية العصر الذى نعيشه وبعض الأزمات التي تمر بها المنطقة والأمة والعالم قد تركت آثارها على شبابنا وبخاصة الشعراء منهم.

وطبيعى أن يحدث ذلك استجابة لحساسية العصر الذى نعيشه وسيطرة الأزمة غير المبررة أحيانا – على كل نواحي الحياة. وانطلاقا من مقولة أن الأديب الشاعر ابن بيئته وابن عصره.

لذا نجد نزعة الاقتراب تسيطر بشكل لافت للنظر على نتاج الشباب الشعرى.

ولأن الشعراء هم أكثر الناس رفاهية واستشعارا وتنبؤا بمجريات الأمور ومآلاتها؛ فهم أكثر استجابة لحساسية عصرهم وتفاعلا مع قضايا أوطانهم.

والاغتراب شعور إنسانى طبيعي يزداد لدى أصحاب الحساسية المفرطة، والشعراء ويكبر مع اليأس أو قلة الرجاء ولأن الحزن مكون أصيل من مكون الشخصية المصرية فهو يمارس حضوره الطاغى في شعر الشباب .ويستدعى للتعبير عنه مجموعة من الآليات والأدوات مثل: السرد والصورة لإبراز وتصوير مظاهر الغربة والاغتراب الداخلي والذاتي الذى يعانيه شعراؤنا.

وتتبدى أولى مظاهر الاغتراب والحزن في عناوين القصائد التي لا تشي؛ بل تصرح وتصدر الاغتراب والحزن والانكسار؛ فنجد لدى طه الصياد عناوين من قبيل: أغنية الانكسار الأخيرة، وأنسى طريقي إلى البيت، وبنام مكانى غريب، وكالعادة ينسى نفسه، ولا أنا ولا أحد، ونجد لدى روضة شاهين عناوين مثل: فراشة على الرصيف، وبينى وبينى، وأحلام البنفسج، ومشهد من هناك، وحزن بضوء ما. وعند وسام دراز نجد: بائعة الفطير، وارتطام، وإلى مسافرة في حزنها، وأنشودة الأرض الطائعة، والمزمار، وثقب بجلباب الظلام، وسفر المآساة، وعلى عجزى اتكأت، والمجنون الذى يقرأ.

إن هذا الحزن، وهذا الاغتراب قد ولدا شعورا عميقا بالانكسار حتى في الأغاني لدى طه الصياد لأن بلاده تقسو عليه فتتسع الصحارى وتندلع الحروب وتصرخ الأزهار في سريره، ويموت الحمام بين يديه، ويسكت الإنشاد رغم أن حبيبته جميلة وكثيرة.

الآنَ لا تبقى بلادٌ لي

وتنكسرُ الطريقُ على خطايَ

وأنتِ أنتِ جميلةٌ وكثيرةٌ

لا شكَّ

لكنَّ البلادَ بلادَنا

تقسو علينا 

حينَ ينقرُ طائرٌ يدَها

فتتسعُ الصحاري

حينَ ينقرُ طائرٌ يدَها

فتندلعُ الحروبُ

ويسكتُ الإنشادُ

ويبلغ به الاغتراب يجعله يفقد القدرة على التذكر أو التحكم في حركة بعض أجزاء جسده فينسى طريقه إلى البيت، وينسى يده معقلة تلوح في الهواء، وينسى فمه مفتوحا كشباك بيت

    أصبحتُ أنسى طريقي إلى البيتِ

أنسىى يدي في الهواءِ

تلوحُ للآخرينَ

الذينَ مضوا

قبلَ وقتٍ طويلٍ!

وأنسى فمي مشرعًا

مثلَ شباكِ بيتٍ

يقولُ:”وداعًا”

لجميزةٍ قد غدتْ محضَ ذكرى!

وتتحطم أحلامه الكبيرة، وهو الذى طمع يومًا أن يحمل البحر بين يدى بلاده التي قست أو تقسو عليه – ليكمل نقص الصحارى.

إن الغربة التي يعانيها الصياد غربة داخلية/ اغتراب؛ لأنه شاعر صاحب هم وهدف ورسالة كما يقول:

وحاولتُ أنْ أربطَ الناسَ بالناسِ

مثلَ خطوطِ الهواتفِ

عبرَ حوارِ الضرورةِ

كي لا تشنّ السلالةُ حربًا على نفسِها

ولذا يطلب من بلاده القاسية أن تحتضن العاشقين، وأن تحنو عليهم فهم أبناؤها وعاشقوها الذين أبناءهم/ أزهارهم باسمك، ويطلب منها أن تكف أو تفكك آلة الحرب وهي حرب نفسية في المقام الأول:

 افتحي شارعًا في المدينةِ

للعاشقينَ

الذين يسمونَ باسمِكِ أزهارَهُمْ

فككي آلةَ الحربِ

واحكي لنا

حينَ نفقدُ أعضاءَنا

في المعاركِ

تاريخَ بلدانِنا!

واسعفينا

إذا ما شبعنا رحيلًا

بحكيٍ سيربطُ ليلَ المقيمِ

بما يفعلُ الراحلونَ صباحًا

وما يعبرونَ بهِ

منْ بلادٍ

ومنْ ذكرياتٍ

لقد وصل به الاغتراب إلى أن ينام غريب مكانه، وهذا الغريب ليس سوى الشاعر الذى وصلت به حالة الظنية، وعدم اليقين؛ فربما كان هو الذى ينام مكانه وربما كان غيره وقتما تزداد الظنية والاحتمالية والتوهم، بل يصل الأمر إلى أن يصرح الشاعر باضرابه الدائم، وخوفه الممتد إلى غده، وهنا نلمح بنية المفارقة؛ فالغد يجدر به أن يكون مجالا للأمل والحلم وتحقيق الذات، ولكن اغتراب الشاعر يجعله يخاف هذا الغد، كما يعاني من الشعور الدائم بالترصد:

يكادُ يكونُ الغريبُ أنا

وأكادُ أكونْ الغريبَ!

وإني لمضطربٌ دائمًا

خائفٌ من غدي

منْ غريبٍ ترصدني

منْ دمٍ في دمي

يتسلى بأوردتي

منْ يدٍ

أشعلتْ في يدي

غربةَ الجسدِ

حينما لمْ أكنْ في القطارِ!

وهنا يصل الأمر بالشاعر إلى الذوبان في الغربة، أو التماهي معها  والذوبان فيها.

وهنا تكون ذروة الحيرة ولا جدوى  التفكر والتأمل؛ لأن التأمل في الحياة يزيد أوجاع الحياة كما يقول إيليا أبو ماضى، ويجعل الأمور تختلط

فكرت في الأمر

فاختلط الأمر

ولذلك يتداعى هذا العالم ذو الفلسفة الغريبة؛ فهو عالم تختفي فيه قيم الحق والعدل والجمال؛ لتحل محلها قيم أخرى زائفة زائلة لا تحتفي إلا بالغريب والعنف والعراك والدخان، عالم يمتز بالغدر والطعن في الظهر..

عالمًا يثمنُ الرجالَ

بالعراكِ والدخانِ

والنقودِ والحروبِ

يحتسي أصابعَ الصغارِ

مثلَ رقصةِ الفاشيّ

في فظاظةِ الدروبِ

يطعنُ الكبارَ في ظهورهِمْ

وفي مواضعِ القلوبِ

ومن ثم تسيطر الكآبة والقتامة على المشهد، وتتحول زرقة السماء إلى وحش مخيف، ويسيطر الخريف بكل ما يعنيه من سقوط للأوراق والجفاف وغياب الخضرة والظل ويصبح الحصار بين الخريف المادى المعنوي وبين السماء المخيفة؛ ولذا صور الشاعر حالة قومه في ثلاث مشاهد خريفية وهى أوائل الخريف وأوسطه وآخره.

هكذا تركتُهُمْ، أوائلَ الخريفِ

ينظرونَ للسماءِ

والسماءُ كالقميصِ في بياضهِ العجوزِ صامتٌ

وهكذا تركتُهُمْ، أواسطَ الخريفِ

ينظرونَ للسماءِ

والسماءُ معدنٌ يشعُّ زرقةً مريضةً وسامةً

وهكذا تركتُهُمْ، أواخرَ الخريفِ

ينظرونَ للسماءِ

والسماءُ طائرٌ يجردُ الجبالَ منْ وقارِهِا

ويفضحُ السهولَ

مدّ ساقَهُ ليضربَ الهواءَ في مناجمِ القصديرِ

في مشاغلِ الحريرِ

في مزارعِ الكرومِ

في شوارعِ التخبطِ الضريرِ

إن الاغتراب يصل مداه فيجعله ينام صامتا وعاريا، وهو عري معنوي قبل أن يكون ماديا؛ فهو عار من إنسانيته أو أجبر على التعري منها ومن وطنه؛ ولذا حلم أنه ماسورة تضخ الدماء والماء والبكاء والعويل:

نمتُ صامتاً وعارياً

حلمتُ أنني ماسورةٌ

تضخُ ماءَها دماءَها عواءَها بكاءَها

وتقطعُ الميدانَ شارةً وشاهدًا

ونتيجة طيبة لشعوره بالاغتراب، وأنه يحارب طواحين الهواء؛ تساوى لديه الأمر أو قل صارت ” الكأن” بما تحمله من ظنية ولا جدوى هي بطلة المشهد، واتجه الشاعر لنفسه واهتم بطعم  قهوته بما تحمل من حيرة ومرارة، وتجاهل الزمان والمكان واليوم والغد:

لا يهمني المكان:

(لون غرفتي يهمني!)

ولا يهمني الزمان:

(طعم قهوتي يهمني!)

ولا يهمني انقطاع بهجتي وطول وحدتي

ولا يهمني غدي

وصرختي يدٌ قصيرةٌ

وفرع توتةٍ حسبتُه يدي

ومثل دود القز

يغزل الرفاق موعدي

ولا يجيء موعدي!

وتتعادل وحدة الدم مع العزلة والاغتراب الذاتي، ويصبح الصراخ هو الزائر والعائد، ويكون الحرص على الرغيف الأخير، ويسلم نفسه للريح كالمجنون :

عدوتُ ممسكًا رغيفيَ الأخير

والرياح: مركبات رحلتي ومقودي

ووحده الجنون: شارتي وقائدي

ووحده الدم الذي التقطتُ في قارورتي: أنيس عزلتي وشاهدي

ووحده الصراخ في الظلام: عادتي وعائدي!

وتزداد العزلة والانطوائية أكثر، وينشغل بنفسه أكثر؛ فيتحول لنفسه ومع نفسه بلا سر، ويلوذ بحضنه ويلجأ إليه هربا ومغادرة لذاته؛ فيستجير من ذاته بذاته، ويتدثر بنفسه

أَجولُ

ولا سرَّ بيني وبيني

كأنَّي وأنِّي

نريد افتراقي

أُغادر/ُأهرب

مني لحضني

فيرحلُ عني ويأبى عناقي

ويظل يقيم في خوفه، وفى مرارته، ويستمرئ حزنه؛ فيبكى ويبكى، وتبقى جراحه دليلا عليه

أقيمُ

ببيتٍ من الخوفِ

قرب التقاءِ السحاب

بظلِّ النخيل

وأحزن جدًا

لِأن غروبًا سَيُوجع

قلبي بليلٍ ثقيل

فأبكي وأبكي

ولا يشفق الدمع بي

وتبقى جراحي

دليلي

أنا لستُ سنبلةً بالحياة

فلا مرَّ يأتي بمرٍ

جميل

أنا لست غير حكاية حزنٍ

لِأم وبنتٍ وأختٍ وجيلِ

موضوعات متعلقة:

الاغتراب والحزن في شعر الشباب (3)-الشاعر يوسف عابد

الاغتراب والحزن في شعر الشباب (2)-روضة شاهين ووسام دراز

 

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img