الخطاب الشعري متعدد الأصوات (1)

الخطاب الشعري متعدد الأصوات قراءة في ديوان نقوش جنوبية لحسين القباحي. (1)

وائل النجمي

من التحديات التي تواجه الخطاب الشعري المعاصر محاولة التوفيق بين ما هو ذاتي خاص بالشعور الوجداني للشاعر، وبين الوعي الجمعي الذي يحمل أصواتا متعددة، وفي ظل محاولات استكشاف القالب الجديد ما بين شعر التفعيلة أو قصيدة النثر، والكتابة عبر النوعية، فإن التوفيق بين «الذاتي» و«الوعي الجمعي» أمر يحتاج لعناية الخطاب الشعري المعاصر، ويتميز ديوان «نقوش جنوبية» للشاعر ((حسين القباحي)) بأنه أحد الدواوين التي قطعت مسافة كبيرة في تحقيق التوازن بين أطراف المعادلة. سنحاول أن نقف على بعض من التقنيات الشعرية في هذا الديوان بالشكل الذي يمكننا من رصد هذا التمايز في تعددية الصوت، وعمق الجمالية الابداعية في الآن نفسه.

الملاحظة الأولى التي سننطلق منها كون الديوان يحتوى في الحقيقة على ديوانين وليس ديوانا واحدا، وليس ديوانا من جزأين، الأول منهما يحمل اسم: «نقش البداية»، ويحمل عنوانا فرعيا: «قصائد جنوبية .. لامرأة لا جنوبية .. ولا ..»، بينما الآخر يحمل عنوان: «النقش الثاني» وعنوانه الفرعي: «كلام في مستهل الوجع»، ويساعدنا على هذا التأكيد ليس الاختلاف الأسلوبي والنوعي بين قصائد الديوانين، وإنما أيضا تحديد الشاعر أن «نقش البداية» كتبت قصائده فيما بين عامي (1987-1992)، بينما كتبت قصائد النقش الثاني بين عامي (1993-1995)، إذن «نقش البداية» هو ما استغرق وقتا زمنيا أطول مقارنة بالثاني، فالعمر التأليفي لقصائده ضعف عمر الآخر، رغم أن الكم بينهما متقارب، لماذا إذن جاء الديوانان معا؟

لو دققنا القراءة سنكتشف أن الديوانين معا يمثلان رحلة مخاض شعرية، وتَطَهَّر من «الادراك» و«الوعي القديم» الذي كان مصاحبا للشاعر قبل أن يُفْتَن بغواية القصيدة، إلى أرض جديدة، وشطآن جديدة تلوح له أفق الابحار إليها، يقول في قصيدته: «كلام البداية: آخر ما أسرت به الريح للسندباد» – وهي القصيدة الأخيرة من ديوانيه:

«في السراديب السحيقة/ سوف تبدأ رحلة أخرى/ فحاذر أن تغوص/ وصادم الأمواج بالنعناع تنكسر المخاوف.» صـ246

ولو توقفنا عند عنونة القصيدة الأخيرة بأنها «كلام البداية» ووضعناها في مقابل قصيدة «بكائية الرمق الأخير» وهي من القصائد الأولى في ديوانه الأول، لتأكد لنا أن التقسيم المنطقي هنا مقلوب، أول ما يطالعنا به الشاعر هو كلام عن الارتحال، عن ترك عالم يعيش به ويقيم فيه، يقول في قصيدته:

«كان يعرف انتكاس حلمه/ منذ أن بدأ/ وأن خطوه انتهى/ للموضع الخطأ/وأنه صبأ/ لكنه بدأ/ واختار أن يموت مرتين/ حينما اشتعل/ وحينما .. انطفأ.» صـ15

بينما القصيدتان تشيران لعملية الترحال، إلا أنه ارتحال مختلف، ففي القصيدة الختامية «كلام البداية» هو ارتحال حذر، ارتحال مزود بوعي قادر على كسر المخاوف، وارتحال لعالم جديد وبدايات جديدة، أما الارتحال في قصيدة البدائية «بكائية الرمق الأخير» هو ارتحال ميلاد ومخاض جديد، تماما كما تولد العنقاء، بيد أن شاعرنا قد ولد بوعي وادراك جديدين عبر الديوانين المترابطين ادراكيا وشعوريا من رحم القصيدة، ولم يكن هذا الميلاد بالأمر الهين، بل استلزم الكثير من التضحيات والمكابدة، يقول في أولى قصائده:

«طويت في الطريق/ صحائفَ المدن/ لَوَيْتُ دفة الزمن/ عبرت ألف ساحة .. وباحة/ سترت كل خطوة تئن/ مزجت في مراحلي/ الحب بالشجن/ والليل بالحزن/ ووجهي النقي/ بوجهي العفن» صـ9

إذن الديوان الأول هو الموت من عالم الواقع والميلاد في عالم الشعر والخيال، والديوان الثاني هو ديوان الانطلاق والتحليق.

ويتبدى عبر الديوانين أن الشاعر على وعي مدرك بمأزق التعبير عما هو ذاتي ووجداني، وفي الآن ذاته اشتراك همومه الذاتية مع هموم أخرى أعم، وفي التوقيت الذي تشير إليه القصائد – حقبة التسعينيات – كانت العديد من الأحداث التي تزلزل الواقع في العالم العربي تشغل بال الشعراء، كيف إذن حافظ الشاعر على هذه المسافة بين الذاتية والغيرية؟

موضوعات متعلقة:

الخطاب الشعري متعدد الأصوات (2)

 

 

 

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img