الخطاب الشعري متعدد الأصوات (2)

الخطاب الشعري متعدد الأصوات قراءة في ديوان نقوش جنوبية لحسين القباحي. (2)

وائل النجمي

دعونا في هذه النقطة نعيد تقسيم الديوان من جديد، لنقسمه وفق الدفقة الشعورية إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول، وهو ما جاءت قصائده على هيئة دفقة شعورية موحدة، لا فاصل كتابي، ولا تقطيعات في القصيدة، من أولها إلى آخرها تأتي مرة واحدة، وهي القصائد التي ترد في العناوين التالية:

«عودة المسافر القديم» صـ36، «القاهرة 1989م» صـ72، «يا أيها الوطن البعيد» صـ78، «مفاهيم جديدة .. لعنترة الجديد» صـ104، «لن يرجعوك» صـ110، «محاولة للرجوع الأخير» صـ144، «أنا وهي وبنت الجن» صـ150، «اعتراف أخير» صـ154، «سفسطة» صـ198، «صور غير مرتبة» صـ220، «كلام البداية» صـ240.

بينما القسم الثاني يشمل القصائد ذات الدفقة الشعورية المتعددة الصوت، لكنها ضمن مكون كتابي واحد، هنا يتم افراد المساحة لظهور أصوات أخرى، لكن من خلال النسق العام الشعوري للقصيدة، دون تغيير اضافي سوى بضع تشكلات كتابية، باقتصاص مجموعة من الأبيات في صفحة وافراد مجموعة متتالية أخرى في صفحة أخرى، ومن قصائد هذا القسم:

«قصائد جنوبية» صـ7، «قصيدة أولى إليها» صـ12، «قراءة في كف مهترئة» صـ23، «عناق» صـ30، «رقصة لم تنته بعد» صـ48، «الرقص على سلم الذاكرة» صـ130، «وحدك الذي» صـ139، «إلى وجه قديم أعرفه» صـ160، «شرخ في جدار الليل» صـ166، «خروج» صـ172، «النوم على كف المستحيل» صـ178، «صهد مطلي بالطيب» صـ186، «مرثية للشمال» صـ192، «لحظة الخروج إلى .. صباح» صـ214، «عريانا جئت» صـ224، «متى سيعرف» صـ232.

أما القسم الثالث، هو الذي يشمل القصائد ذات الدفقات الشعورية المتعددة الطوابق، والمتنوعة الأصوات، تلك التي يتم ايقاف الشعر فيها بفاصل يحمل أرقام، أو عناوين فرعية، ويحمل ملامحا عبر نوعية باستدعاء سمات سردية تستعين بتقنيات المسرح وتقنيات السرد والكورال وغيرها، وقد جاءت تحت هذا القسم القصائد التالية: «بكاء الرمق الأخير» صـ14، «أربع صور محترقة» صـ43، «قصائد جنوبية لامرأة لا جنوبية .. ولا» صـ54، «جلسة على مقهى الوهن» صـ64، «قصائد قصيرة» صـ86، «كلام في مستهل الوجع» صـ118، «صباحات» صـ202.

سنلاحظ إذن أن القصائد التي اعتمدت على الدفقة الشعورية مع تعددية الصوت دون عناوين فرعية أي القسم الثاني من القصائد هي الأكثرية في الديوان، وهي أيضا شهدت تقنيات «عبر نوعية» – باستحضار سمات الكتابة السردية كالمشهد المسرحي والمونولوج وغيرها- خاصة بها، فلنتأمل مثلا قصيدة: «قراءة في كف مهترئة»، يقول الشاعر: «لاهثة .. خرجت/ – من محراب الوجل الرابض في أردان حقيقتها الخرساء/ – تهاوت .. صرخت/ .. قال العرافون:/ ((يموت الغيب على كفيها/ تصمت في عينيها الحكمة/ تنطق بعد قليل/ تحيي كل الموءودين ببطن الرهبة/ تمحو كل التعديلات بخط الإفك» صـ23

سنلاحظ هنا كيف يتم استعارة شكل كتابي ملحمي مسرحي لجعل المتلقي يعيش في قلب الحدث، يعيش تجربة خاصة يتلقاها من زوايا عدة، بدءا من التهيئة لمشهد مرئي بامرأة تخرج لاهثة ثم تقع صارخة، وما بين الخروج والسقوط، مراوغة المحراب الذي تم وصفه بصفات ستعدو سمة تركيبية للصورة الشعرية في مجمل الديوان، أقصد سمة الصورة الممتدة بتراكيب تغاير في مفهومها مع الاستمرار في قراءة الجملة الشعرية، فتأمل كيف يتغير مفهوم المعنى مع المضي في تفاصيل جملة: «من محراب الوجل الرابض في أردان حقيقتها الخرساء».

لكن من أين جاء العرافون إلى القصيدة؟ وما علاقتهم بالمحراب الذي خرجت منه هذه  المرأة – بغض النظر عن اشارة الاهداء في عنوان القصيدة؟ كأننا هنا إزاء جوقة أخرى تم استقطاعها من صوت الشاعر لتقدم ايقاعا شعريا مختلفا، ونجع في مراعاة الاختلاف الأسلوبي في الايقاع الداخلي للكلام الوارد على ألسنة العرافين، ليعطي قدرا من العلوية لهذه الفتاة محور حديثه، حتى إذا ما انتهت جوقة العرافين الذين تم استحضارهم من الدور الدلالي الممنوح لهم؛ انتقل للحديث عن نفسه بلسانه وصوته داخل القصيدة. ولقد جاءت الجملة الشعرية في حالة كلامه عن نفسه مغايرة في السمت والوصف، فهي قصيرة، ومباشرة تماما، كأنما هي خبرة خاصة بالعرافين ما تم نقله، ولا يمكن له – رغم كون الذات الشعرية هي من ألفت كل هذا الشعر – لا يمكن له نقل مثل كلامهم، يقول عقب ذلك:

«صَمَتَ.. فقامتْ/ تقرأ كفَّ الغيبِ/ تمرد .. هاجت/ ألقت في مرجلها بعض تعاويذ الكهان/ وقرأت .. ألف كتاب/ في التهريج المر .. وفي سفسطة العصر/ وناحت حين استسلم»صـ25

هذه المغايرة بين النص المنسوب للعرافين، وبين حكايته بنفسه عنها تجعلنا نشعر بأننا إزاء ملحمة كاملة من الأحداث المسكوت عنها، التي يروي الشاعر بعضها ويغض الطرف عن بعض آخر، ملحمة قوامها السرد المفارق الذي لا ينبني على وقائع وأحداث، بقدر ما ينبني على شعور متداخل.

سيستخدم ((القباحي)) هذه التقنية: رسم مشهد مسرحي بخلفية شاعرية، وتقديم الدفقة الشعورية بشكل أكثر تأكيدا على التداخل الصوتي عند الانتقال للنمط الثالث من التعددية الصوتية، ففي قصيدته «صباحات» سيأتي تمهيد المشهد الشاعري على النحو التالي – في المقطع «صباح 1»:

«مئذنة ودراويش/ واحدة من ألاف النسوة في قصر المأمون/ مسبلة عينيها/ عانقت الجدران ونادت/ بح الصوت/ فما أحد يسمعها» صـ203

وعبر صباحات خمس كأننا إزاء فصول خمسة لمسرحية شعرية لكل منها أحداثها ووقائعها، ودفقها الشعوري أيضا، إلا أنهم يسيرون في تتابع منطقي مبنى على التهيئة الأولى في الصباح الأول، يقول في الصباح الخامس:

«لأنها بطول نخلة/ وصبر سندباد/ والوثاقُ/ وذلك الذي يشد وجهها القديم/ .. ناعم (…) تغض طرفها/ تبيعني الرجاء/ (..) ووحدها/ تبيح للرياح أن تحط/ فوق غصنها/ موالح الشتاء مثلها/ ومثلها/ حلاوة العنب..» صـ210-211

سنلحظ أنه غالبا عندما تقترب قصائد ((القباحي)) من نهايتها، ستتسارع الكلمات، ويزداد الايقاع حدة، وكأننا إزاء قلب يخفق بانتظار ستارة النهاية للتأكيد على ما تم ايصاله من مشاعر وأحاسيس انفعالية عبر القصيدة.

النوع الأخير من القصائد الذي يأتي على هيئة دفقة شعورية واحدة مستطردة في جزالة وفخامة، وايقاع صوتي متدفق كأننا إزاء سيل من الحكي عن مشاعر لا يجدر أن يتوقف، أو أن يتم تقطيعه، وإنما التعامل مع شاعريته على أنها حزمة واحدة، فهي تمتاز برقة التصوير أكثر من غيرها، وباستخدام ضمير المتكلم فيها أكثر من النوعين الأخريين الذين تمت الاشارة لهما، لاحظ مثلا ما ورد في قصيدة «القاهرة 1989»، يقول الشاعر:

«ساكن .. عند انكسار الحرف/ في اللغة القديمة/ والتصاوير التي راحت تلملمني/ وتنسجني/ لدي الأعتاب.. نرجسة/ ومسبحة/ وبعضا من تراتيل التهجد/ في المحاريب المحاكة من دمي/ فحملت أمتعتي»صـ73

لعلنا نلاحظ مقدار الضمائر التي تسند الخطاب للمتكلم، بعكس ما كنا نجد سابقا من حديث عن آخرين، ونلاحظ مقدار الاستكناه في وصف الذات وهي تسافر في خريطة من الحروف، وفي مكانية ونسيج خاص من جمالية لغة تعرف كيف تغاير في تأكيد خصوصية الانفعال للقائل، حتى عندما سيخاطب الشاعر محبوبة يقيمها أمامه، فيقول: «فابتسمي/ فلن تلد الشكايات الطويلة/ غير حنجرة تموء../ لا زلت  أنتظر المساء»صـ76، ثم يعود ليقول: «الآن .. أعرف/ أن من يشريك لا ينوي الرجوع/ وأنني إن مت أبعث/ في الزمان البكر/ ثم أذيع بين الناس .. صوت الولولة»صـ77

حتى عندما سيصل الأمر مداه في أقصى طاقة من الدفق الشعوري الذاتي في قصيدة «أنا .. وهي .. وبنت الجن»، وعندما يأتي قوله عن هذه المحبوبة التي تتراوح بين كونها إنسان وابنة للجان في الآن نفسه، ورغم طول السطر الشعري، إلا أنه ليس مسموحا في هذه الحالة بالبوح إلا من خلال الشاعر ذاته، فأي مقوله له سينقلها هو تحت بند قالت، يقول: «قالت: ((يا ويح وقاحتك المخبوءة فيك تجلت../ أو تقدر أن تستمرئ صهد الغفران لواحدة نَزَفَتَك/ وتركت أشلاء دعابتك المنسية تَقْعِي في وسواس» صـ151

بعكس ما كان سابقا يتم الافراد في القصائد متعددة الأصوات لآخرين يتحدثون بأنفسهم تحت بند «قال العرافون»، هنا يختزل الكلام وبشكل انتقائي حول ما يتعلق بالشاعر دون غيره من مساحات أخرى، ليعود الشاعر سريعا، لذاته وللحديث عن وجدانه: «لا أخجل حين أُعَرِّيني وأنام لدى صخب النهدين طويلا/ .. كم كنت مجوسيا ارتشف النار .. تذكرت .. ولا زلت../ أفيقي يا بنت الجن فمثلي موبوء لا يقدر أن يقتات/ سوى سغب لا يركض إلا لسراب.. فاشتعلي .. أو كوني/ بردا وسلاما .. لكن لا تبدي عورتك الآن .. فإنني مستتر/ في تلك الواحدة الأخرى»صـ153

لقد كشفت القراءة السابقة أن ((حسين القباحي)) استطاع أن يُفرِد مساحة خاصة من صوته الشعري للأصوات الأخرى التي يرغب أن يتحدث عنها أو أن ينقل منها، مستعينا في ذلك بالكتابة عبر النوعية، باستعارة تقنيات المشهد المسرحي والجوقة والكورال وغيرها، واستطاع أن يوجد لنفسه سمتا خاصة إذا ما أراد أن يغلق قصيدته على صوته المفرد، فيأتي كل شيء وفق رؤيته، دون أية امكانية أخرى لحمل وعي مغاير، يأتي هذا رغم معرفتنا بأن الوعي المتحقق في النهاية، في جميع قصائد الديوان، هو وعي الذات الشاعرة، ذلك الوعي المشتبك مع ادراكات ورؤى أخرى متغيرة.

موضوعات متعلقة

الخطاب الشعري متعدد الأصوات (1)

 

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img