الدلالات النفسية والبناء الجمالي في الشعر (2)

د. هويدا صالح

حرص حامد عبد القادر على الدراسة النفسية للأدب، ووضع كتابا أسماه  “علم النفس الأدبي” وحرص فيه على بيان العلاقة التي تربط الأدب بعلم النفس،ومدى حاجة الأديب إلى علم النفس، وعرض لأهم العمليات العقلية في” الإنتاج والتقدير الأدبيين، كالإدراك الحسّي، والتّصور، والتّخيّل وتداعي المعاني، والحكم وأثره في التّقدير، ومايلحق به من تعليلٍ، كالتعليل العلمي الأدبي، وحياةٍ وجدانيّةٍ كالانفعالات والعواطف”([1]).

لكن محمد مندور يختلف مع هؤلاء النقاد الذين حاولوا تفسير الأدب من الوجهة النفسية، واهتم  فقط بالعناصر الجمالية في النص الأدبي، دون التركيز على الأديب، فانتقد منهج محمد خلف الله، ورأى أن :” مذهب خلف الله ومن يرى رأيه سينتهي بنا إلى قتل الأدب. الأدب لا يمكن أن نجدّده ونوجّهه ونحييه إلاّ بعناصره الأدبية البحتة، وهذا مايجب علينا جميعاً أن نجاهد في سبيله، إنّه لَوَهْمٌ بعيد أن نظن في علم النفس، أو في علم الجمال، أو في غيرهما من العلوم كبير فائدة للأدب، يجب علينا أن نعرف كل تلك الأبحاث، ولكن على أن تحتفظ بتلك المعرفة لأنفسنا ولا نزج بها في الأدب ، وإلا كنا مفلسين نوهم الغير ببريق كاذب”([2]).

كذلك وعى عز الدين إسماعيل أهمية قراءة الدلالات النفسية في الأعمال الأدبية، ففي كتابيه “الأدب وفنونه” والتّفسير النّفسي للأدب” يرى أن معرفة تفاصيل الطرق التي يكتب بها الأديب، لا تفيد كثيراً في فهم العمل الأدبي ذاته وفي تفسيره؛ لذا اهتم بجانب دراسة تاريخ شخصية الكاتب بدراسة العمل الأدبي وأنواعه.ورأى أن العمل الأدبي وليد اللاشعور. رأى أن العمل الأدبي نشاط باطني أو لا شعوري، من هنا تأتي ضرورة تفسيره، في ضوء المنهج النّفسيّ التّحليليّ، لأنه المنهج الوحيد الذي يختصّ بتحليل اللاشعور.

يعتمد إسماعيل في تفسيره النفسي لدلالات العمل الأدبي على المعرفة بعلم النفس وآلياته، وليس التذوق الانطباعي:”لأننا في الوقت الذي استطعنا فيه أن نفسّر عناصر العمل الشعري ونحلّله، كنّا قد مهدّنا السبيل للحكم على القيمة الفنية لهذا الشعر حكماً دقيقاً تسنده المعرفة، لا مجرد حكم ذوقي متميّع، وربّما لاحظ القارئ أننا في كثيرٍ من الحالات التي كنّا نفسّر فيها الصّورة أو الرّمز”([3]). ويرى إسماعيل أن كل عمل أدبي قابل للتحليل النفسي، لمعرفة الدلالات النفسية التي تكمن وراءه. ولكنه يشترط ألا يغرق الناقد في الفرضيات السيكولوجية لأنه  يتعامل مع نص أدبي يكتبه مؤلف، وليس مع مرضى نفسيين، ولأن للعمل الأدبي قِيما أخرى، ولا يمكن أن يكون همّاً نفسيا وحسب.‏

كما اهتم عباس محمود العقاد بشخصيات الشعراء، فتتّبع سيرهم الذاتية، ورصد شخصياتهم، من أجل النفاذ إلى أسرار إبداعهم. فحلّل شخصية ابن الرومي. درس فيه أصله، ونشأته، ومزاجه، وتكوينه النفسي والجسدي. وأرجع تشاؤمه إلى اختلال في أعصابه، وسخريته إلى خصائصه الجسدية. كما ردَّ عبقريته إلى أصوله اليونانية، وإلى الطيرة التي استحكمت به.

وقراءة الأثر الفني للعمل الأدبي شغل الكثير من الباحثين، بل من الممكن ” أن  يكون منطوياً على حقائق علم النفس التي عرفها الأديب وبطّن بها عمله الأدبي أو جعلها قاعاً له، ولكن يجب أن تكون هذه الحقائق، في نظره، ممازجةً لهذا العمل ذائبة فيه، لا مضافة إليه، أو مقدمة فيه، فكثيرٌ من المؤلفات الأدبية تحوّلت في رأسه إلى كتبٍ في علم النفس، ودروسٍ فيه نتيجة الإقحام المعتسف للحقائق النفسية”([4]). كماىشرح مصطفى سويف العلاقة بين العمل الفني ومنتجه، ورأى أن:” العمل الفني نشاط حيّ، فلكي نتفهمه يلزمنا أن نلقي الضوء على ما دار لدى الحي الذي أبدعه”([5]).

سوف تحاول الباحثة قراءة الدلالات النفسية في النصوص، و تعي الفرق بين محاولة قراءة الدلالات النفسية وبين تحويل النص الأدبي كوثيقة نفسية تحاصر الشاعر وتعامله كمريض نفسي يعاني من عقد ومشكلات. فثمة فرق بين أن نتعامل مع النص الأدبي كنص جمالي نقرأ دلالاته المختلفة ومن ضمنها الدلالات النفسية وبين أن نطبق مناهج علم النفس على الأديب، وخاصة أن نظريات علم النفس ومدارسه المخلتفة هي فرضيات لم يثبت صحتها بشكل حاسم، فعلم النفس طروحاته افتراضية، لا يشبه العلم التجريبي الذي يمكن أن يقدم نتائج حاسمة تخضع للتجريب في المعمل.

وبما أن فروضات علم النفس نفسها ليست نهائية وحاسمة، فطبيعي أن تكون قراءة الأدب من زاوية علم النفس مجرد قراءات لزوايا رؤية المؤلفين ليست خاطئة وليست صوابا، بل هي تخضع لرؤية الباحث، أي باحث وقدرته على التأويل وتحليل الخطاب. سوف تقوم الباحثة بقراءة ديواني: ” سوف أبقى على جبلي!” لأحمد حافظ، و “” مِلْحٌ الأبجديَّةِ ” لجعفر أحمد، وتحاول أن تكشف عن الدلالات النفسية التي يمكن أن تكشف جانبا من شخصية الشاعرين من ناحية، والتفاعلات النصية التي أفاد منها الشاعران من ناحية أخرى، وأعادا توظيفها في فضاءيهما الشعريين.

منذ القصيدة الأولى في ديوان” سوف أبقى على جبلي!” يسرب لنا أحمد حافظ دلالات نفسية تكشف عن علاقة الذات الشاعرة بالعالم وبالآخر، ثمة جفوة وحزن بينه وبين العالم، يحاول في مفتتح الديوان أن يكشف عن هزائم الذات التي يقسو عليها الآخر/  ما هو خارج الذات:” لا أمرُّ على شَجَرٍ طاردٍ للعصافيرِ

أو حَجَرٍ لا يلينُ لحُزْنِ غريبٍ

رمتْهُ هزائمُهُ في الفراغِ”.

تشعر الذات الشاعرة بالوحدة، فتحاول أن تغوص داخلها، لا تقاوم الحزن والوحدة إلا بالغوص داخل الذات:” كأيِّ رصيفٍ أُؤدِّي مهامي ولا أُزعجُ العابرينَ

بلا حَرَسٍ أعبُرُ الطُرُقاتِ

وآوي إلى كوكبٍ من صنيعِ يديَّ”.

في حين أن جعفر أحمد يرى أن ما يعيد الغريب ومنزله هو “دفء الحقيقة” وهذا ما سيتضح من تتالي قصائد الديوان، فالشاعر ينتصر للحقيقة على مواجع الذات الشاعرة العميقة، لا يهتم كثيرا بأن يغوص داخل ذاته، بقدر ما يغوص داخل الأفكار التي تمثلها ” الحقيقة”، وأنها وحدها هي ما تعيد الغريب الوحيد إلى منزله، في قصيدة” ملح الأبجدية” يقول:” دفءُ الحقيقةِ

حينَ تنبتُ سُنبلَهْ

لتُعيدَ مطرودَ الديارِ

ومنزِلَهْ”، ولأنه مشغول بالأفكار أكثر من رصد الأحاسيس والدلالات النفسية التي تعبر عنها، فعمد إلى تعميم الألم والحزن، دون أن يلمس عمق الألم الذي يمكن أن يسكن الروح:” للغَائبِ المنْفِيِّ ؛

ريحُ بَراءَةٍ ،

ولِمَنْ نفَاهُ اليومَ

قَيْدٌ كبَّلَهْ”.

يطرح الشاعران كلاهما سؤال الكتابة، ورؤيتهما للشعر، كيف يرى كل منهم العالم من موقع الشاعر، هل الشاعر لديه إجابات عن أسئلة الوجود؟ هل الشعر قادر على أن يجيب على أسئلة الذات تجاه الوجود. يقول أحمد  حافظ:” لمْ أكُنْ شاعرًا لَمْ تخُنْهُ قصائدُهُ.

 جئتُ مُتَّشِحًا بالعراءِ ولم تَعْتَرِفْ بيَ قابِلَتِي

كمَّمَتْني بكُمِّ القميصِ ليسكُتَ صوتُ صراخي

وفي عِبِّها خبَّأتْنِي كتَعْويذَةٍ، ورَمَتْني”.

في حين أن جعفر أحمد يغيب أسئلة الذات الشاعرة، ويطرح أسئلة أكثر عمومية، أسئلة  كبرى تخص الوعي الجماعي، ولا تخص الذات الفردية. إنه يخاطب جماعة الشعراء أبناء الطين الذين لم يمنحهم الشعر الخلود، ويطلب منهم أن يكونوا صوت الحقيقة، تتردد مفردة الحقيقة وتجلياتها في الديوان. إنه يحقق رؤية يونج للإبداع، الإبداع صوت الوعي الجمعي، وليس صوت الوعي الفردي. في قصيدة ” الشِّعرُ مِيتَتُهُ الوحيدةُ، نراه يقول:

” يا رفاقَ الطينِ،

منسيُّونَ منسيُّونَ نحنُ !!

فلا المعابدُ خلَّدَتْ أشياءَنا بينَ السطُورِ،

ولا حَكَتْ جِنِّيَّةٌ عنْ أمرِنَا ..

حلَّفتُكمْ بالعيْشِ والمِلْحِ امتنانًا؛

أنْ تكونُوا قدْرَ تكملةِ الرسالةِ،

وخْبِّرُوا الجِيرانَ عنْ كلِّ الحقيقةِ” .

 وحين يواجه الشاعر أسئلة الذات يكتشف عجزها تجاه العالم، العالم في غلظته، في قسوة علاقاته، ولأن بعض الباحثين كما أسلفنا جعلوا من الكتابة وسيلة لمواجهة هزائم الذات، وربما عقد طفولتها ـ بحسب المنهج النفسي لقراءة الأدب ـ نجد أحمد حافظ يعلن فشله في مواجهة هزائم الذات، وعدم قدرته على الإجابة عن أسئلتها، فتصير القصائد مواجهة للضعف الإنساني:” أنا رجلٌ فاشلٌ

لم أستطعْ أنْ أُؤلِّفَ حدُّوتةً

يتسلَّى بها الصبيةُ الساهرونَ

ولم أستطعْ أنْ أكونَ حكيمًا ليمدحَني الناسُ

لكنَّني سوفَ أبقَى على جَبَلِي واقفًا

ويدايَ حُشُودُ تلاويحَ

عينايَ مُشرَعَتانِ كنافذتَيْنِ

وقلبي مدائِنُ للفُقَراءْ”

في حين أن جعفر أحمد الباحث عن الأسئلة الكبرى والحقيقة، يتهرب من أسئلة الذات، لا يريد أن يطرحها أو يواجهها، بل يتحدث عن ذاته الشاعرة باعتبارها آخر خارج الذات:”

سألتهُمْ عنْ شاعرٍ

داستْ خُطاهُ خليَّةَ النحْلِ الأخيرةِ،

ربَّما هُو فِي طريقِ الموْتِ،

قالوا: الشِّعرُ مِيتَتُهُ الوحيدةُ،

والكتابةُ حربُهُ،

يبكي فتنهرُهُهُ البيوتُ،

كأنّهُ عبدٌ حريٌّ أنْ يُؤدبَ،

كيف يُرسِلُ للمساءاتِ اعتذارًا مبهمًا،

خطَّتُهُ صورتُهُ اليتيمةُ

مِنْ خليطٍ لاذعٍ أو ربما مِلحٍ قديمٍ ؟!

كيفَ يغفلُ عنِ حقيقَتهِ،

ويشعلُ ما تبقّى مِنْ صبابتهِ الخديعةَ؟!

فالخديعةُ:

سرُّ تأويلِ المجازِ ونبضُهُ”.

يواصل أحمد حافظ بث إشاراته النفسية التي تكشف وضعية الذات  في مقابل العالم، فهي ذات مهمشة تبحث عن حقيقتها، تبحث عن تمركزها وترفض تهميشها، وفي أثناء رحلة البحث عن الذات تبحث كذلك عن حقيقة الوجود وتطرح أسئلة كبرى. في قصيدة “سيرة عن فتى ما ” يقول:” أنا طفلُ الهوامشِ والأغاني

وحزنُ المجدليَّةِ والبتولِ

عيوني ذابلاتٌ مثل وَرْدٍ

تمشَّى فوقَهُ جيشُ المَغُولِ

تُعذِّبُني الحقيقةُ

حينَ أخطو على التاريخِ

مَبحوحًا صهيلي

أذوِّبُ ملحَ مأساتي نشيدًا

وأشربُهُ بكأسٍ مِن رحيلِ

تعبتُ من الطريقِ

وكلُّ دربٍ أُجرِّبُ ..

ليسَ يومئُ بالوصولِ”.

ونفس الأسئلة يطرحها جعفر أحمد، فشاعره كذلك مهمش، يبحث عن حقيقة وجوده، يطرح أسئلة الكتابة، فلا يجد إلا الحيرة والسؤال الدائم، لكن الحياة تقيده، تحاول أن تقتل روحه، فقد تموضع في هامش الحياة، فيصير الشعر ميتته الوحيدة:” عنْ شاعرٍ يصِفُ الحياةَ مُقيدًا،

ويقولُ: يا ليتَ المماتَ يَحِينُ

 يبكي فتنهرُهُهُ البيوتُ، فلايعي

كيفيةَ الطيرانِ، وهْوَ سجينُ

 جعَلُوهُ هامِشَهمْ وقالُوا لا يُرَى

فتعهَّدتْ فكَّ القيودِ مُتُونُ

 الشِّعرُ مِيتتُهُ الوحيدةُ، والكتابةُ

حربُهُ، وسلاحهُ الزيتونُ “.

يتراوح الشاعران في طرح أسئلة الكتابة، وفي مناقشة قضايا الشأن العام، يحشدون نصوصهم بإشارات ثقافية تقيم جدلا وتفاعلات نصية بين إشارات سياسية وإشارات تاريخية.

في قصيدة ” مُحِبُّونَ بلا حظ” لأحمد حافظ، يمازج الشاعر ما بين الخاص والعام، يجعل من ذاته الشاعرة حاملة لحلم الوطن الكسير، يكشف عن معاناة أمة حاولت أن تنهض عبر التاريخ، لكن مزيدا من الخسارات يطالها:”مشيتُ وعيني لا تزالُ كسيرةً

وشعبٌ من الآلامِ في الروحِ شاهقُ

كظيــمٌ..

وتغفو بينَ عينَيْهِ ثورةٌ

وفي قَلْبِهِ الصُّعْلُوكِ تمشي صواعقُ

أميرٌ على عَرْشِ الخَسَاراتِ

لمْ يَزَلْ بكفَّيْهِ أصفارٌ..

ومولاهُ سارقُ!

دساتيرُهُ دَمٌ

ومن حولِها دُمًى

مُرائيةٌ لما تقولُ البنادقُ

عساكرُهُ بالطَّبْلِ يمشُونَ خلفَهُ

وها هو ذا مِنْ صوتِنا الفَذِّ آبقُ”.

كذلك يفعل جعفر أحمد، عبر إشاراته الثقافية يكشف جدل الخاص والعام، يدين الاستبداد، وينتصر للشعوب المهزومة في قصيدة” أحيك من جلد الراصاص حكاية” يقول :” لمْ تُبْقِ لي غيرَ الممرّاتِ التي شيدْتُها،

وتعمَّدتْ تخريبَها كلُّ العساكِرِ .

كُنتُ أبحَثُ فِي رُبَى ” الشطرَنْجِ “

عنْ ملِكٍ يهابُ دمَ الضحايا وحْدَهُ.

وأحيكُ مِنْ جِلدِ الرصاصِ حكايَةً،

كمْ عِشْتُ أغزِلُ ثوْبَها !”.

يدين أحمد حافظ كل أوجه الاستبداد والخوف، يسعى للتحرر والانعتاق عبر خطاب شعري يحتفي بالحرية:” لأحاولَ أنْ أتحرَّرَ من قبضةِ الخوفِ

أو أتكلَّمِ دونَ مُراقبةٍ لفمي

بالدساتيرِ أو بالشريعةِ .

 أو أقتني وطنًا واسعًا وحنونًا كأُمٍّ

يُهَدْهِدُنا بأغانيهِ”.

كذلك يفعل جعفر أحمد، يدين الحرب والقنبلة، يرفض أن يحكم الناس القهر:” دمعُ النخيلِ يجفُّ

لمَّا شُفتُهُ

لا شيءَ يُجدي

فالدموعُ مؤجَّلَهْ ..

الآنَ حربٌ،

والحروبُ جديرَةٌ

لتُقيمَ موسيقى السماءِ

بقُنْبُلهْ”.

البناء الجمالي

وبعد أن أفاضت الباحثة في رصد الدلالات النفسية والخطاب الثقافي الذي وعاهما الشاعران من المهم أن تتأمل البناء الجمالي لقصائد الشاعرين، لأن الخطاب الثقافي والدلالات لنفسية لا يقيمان شعرا، وإلا كنا استعضنا عن الشعر بكتابة مقال أو بكتابة نصوص قصصية مثلا.

من البديهي أن الشعر خطاب ثقافي يقدم في بناء جمالي يجب أن تتوفر له المفارقة والدهشة والطزاجة، لذا البناء الجمالي هو ما يميز شاعرا عن شاعر، وما يفرق نصا عن نص.

البناء الجمالي في ديوان أحمد حافظ بناء تقليدي غير مفارق. يبدأ الشاعر قصيدته بأن يلقي إلينا بالجملة المفتاح في بناء القصيدة. ثم يبدأ في شرح الحالة الشعرية التي أوصلت الذات الشاعرة لهذه الجملة المفتاح، ثم ينهيها بذات الجملة أو بجملة مشابهة لها في المعنى والبناء. في قصيدة” سوف أبقى على جبلي!” الجملة المفتاح هي عنوان القصيدة، ثم يستجلي حال الذات الشاعرة التي قررت أن تبقى على جبلها، في حالات يكتبها في مقطوعات متتالية،  يصلح أن تكون متجاورة تكمل الحالة، ثم ينهيها بقوله:” سوف أبقَى على جَبَلِي

لا أُفكِّرُ إلا بما سوفَ أكتُبُ عن عالَمٍ ودماءْ!”.

في قصيدة ” سيرةٌ عن فتًى ما” الجملة المفتاح هي عنوان القصيدة، ثم يسير وفق النهج السابق، ويظل يكتب مقاطعه المتوالية عن سيرة هذا الفتى، ثم ينهيها بـ ” وهذي سيرةٌ لفتىً غريبٍ

تفيَّأَ مرَّةً ظلَّ النخيلِ!”.

وهكذا في بقية القصائد.

وكذلك يفعل جعفر أحمد في ديوانه، يستخدم ذات التقنية، الجملة المفتاح هي عنوان القصيدة، ويظل يواصل استجلاء الحالات الشعرية التي تكتب حالة الجملة المفتاح، ثم ينهيها بذات الطريقة. في قصيدة ” مِلْحٌ الأبجديَّةِ “، الجملة المفتاح هي العنوان، ثم يستجلي الحالات الشعرية التي تؤكد معنى العنوان وتشرحه، ثم ينهيها بذات الجملة:”مِلْحُ الأبجديةِ ،

طينُهَا

صبَّارُ رحلتِنَا الطويلةِ ،

سُنبلهْ”.

وكذلك في قصيدة ” الشِّعرُ مِيتَتُهُ الوحيدةُ”.يبنيها بنفس التقنية، وينهيها بـ ” الشِّعرُ مِيتتُهُ الوحيدةُ، والكتابةُ

حربُهُ، وسلاحهُ الزيتونُ”.

ثمة تفاعلات نصية  كثيرة تحضر في الفضاء النصي للقصائد، لكنها تحضر  معها محمولاتها الثقافية والمعرفية، فيوظف  الشاعر جعفر أحمد  كثيرا  من  التناصات التراثية والتاريخية، فنجده يتناص مع شخصية “قيس بن الملوح” و يتناص مع أبي العلاء المعري في شطر بيته” “مَا جَنيْتُ علَى أحَدْ ” كما يتناص مع بيت طرفة بن العبد” ” إذا القومُ نادُوا:

مَنْ فتىً؟ خِلْتُ أنني

عُنيتُ فلمْ أكسلْ، ولمْ أتبلَّدِ “.

كذلك يوظف  التناص الديني مثل  سورة ” غافر” والبسملة، و وتأويل النص الديني ، وشخصيات الأنبياء مثل : أيوب وشعيب، وكذلك قصة سيدنا موسى مع بنات شعيب حينما ملأ لهم بعد أن كن ينتظرن الرعاة حتى ينتهوا من سقاية شياههم.

تغلب على ديوان أحمد حافظ السردية، فهو أقرب إلى بناء قصيدة النثر، وإن جاءت بعض القصائد موزونة. أما ديوان جعفر أحمد فهي موزونة تقريبا، تتراوح ما بين البناء الكلاسيكي للقصيدة العمودية وإن كتبت على هيئة سطور شعرية، وبعضها أقرب إلى التفعيلة.

يغلب على القاموس الشعري للشعرين المعجم الكلاسيكي، فلم يفارقاه إلا قليلا، حيث لم يفارق الشاعران  الوعي التقليدي والمجاز القديم.

كذلك يوظف أحمد حافظ التناص، ويفيد من تفاعلات نصية كثيرة في قصائده، فنجد يتناص مع قصة سيدنا موسى حينما تجلّى  له الله، فتصدع الجبل تحت أقدامه” وبقيتُ على جَبَلِي واقفًا أتلقَّى النبوءاتِ:

لا أتصدَّعُ حينَ تُجَرِّحُني الحَرْبُ

لكنَّني أتصدَّعُ من دمعةٍ وحنينٍ

يمُرَّانِ مرَّ المَغُولِ على جَسَدي!”

كما يتناص مع رؤيا إبراهيم الخليل حينما قال لابنه، يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك، فيقول:” لهُ شرفُ البدايةِ

أنْ يُضحِّي بعمرٍ ضاعَ في رؤيا الخليلِ”. كما يتناص مع شخصية المسيح في قصتي مريم المجدلية  ومريم البتول في قوله:” أنا طفلُ الهوامشِ والأغاني

وحزنُ المجدليَّةِ والبتولِ”.وهكذا.

[1]حامد عبد القادر، دراسات في علم النفس الأدبي، لجنة البيان الأدبي، القاهرة، 1949،ص19.

[2] محمد مندور ، في الميزان، الهيئة العامة للكتاب ، القاهرة، 1944،ص170.

[3] المرجع السابق،ص125.

[4] سامي الدروبي، علم النفس والأدب،دار المعارف، القاهرة،1971،ص128ـ129.

[5] سيد الوكيل، مدارات في النقد والأدب، مرجع سابق،ص39.

موضوعات متعلقة :

الجزء الثانى من الدراسة:

الدلالات النفسية والبناء الجمالي في الشعر (1)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img