الدلالات النفسية والبناء الجمالي في الشعر (1)

د. هويدا صالح

إن الدراسات الثقافية التي تعتمد على تحليل الخطاب الشعري وسّعت زاوية الرؤية لدى النقاد والباحثين  الذين يتصدون لقراءة العمل الأدبي، وخرجت بالعمل الأدبي من بنيته اللغوية المغلقة التي حدته بها الدراسات البنيوية إلى بنية أكثر رحابة تعتمد على قراءة الإشارات الثقافية والخطاب الثقافي الذي يتضمنه العمل الأدبي. وهذه الدراسات الثقافية تتيح للباحثة أن تستخدم آليات تحليل الخطاب للوصول إلى مقولات العمل الأدبي الثقافية، فالعمل الأدبي ليس مجرد صيغة للتلفظ، إنما يحمل خطابا، مما يستدعي إدراج النص ضمن أنساق ثقافية، مما يتطلب الاهتمام بقراءة السياق الثقافي والفكري والنفسي له.

يحتوي العمل الأدبي على عناصر مضمرة تحيل إلى الواقعي والمرجعي؛ لأنه ببساطة انعكاس للصورة النفسية للكاتب، وربما تتحكم فيه بواعث خفية لا يعرفها حتى الكاتب نفسه، لا تظهر إلا بالتحليل والتأويل.ومن هنا تأتي أهمية تحليل الخطاب الثقافي الذي يعكس  الدلالات النفسي التي تحيل على نفسية المبدع من ناحية، والإشارات الثقافية التي تحيل إلى التفاعلات النصية داخل العمل الأدبي، مما يعكس السياقات الثقافية والاجتماعية التي تحيط بالمبدع، وتشكل رؤيته للعالم.

والعمل الأدبي عامة هو تعبير عن مجموعة القوى النفسية التي تتحكم في المبدع. وقراءة الدلالات النفسية للدواوين محل الدراسة اعتمادا على المنهج النفسي الذي يحاول تفسير الأدب على أساس نفسي هي وسيلة من وسائل استقصاء البعد السيرذاتي في النص، أجل أن تكشف الباحثة القناع عن ذات المؤلف الحقيقية، مهما حاول هذا المؤلف أن يقوم بالتعمية على القارئ.ولا يختلف أحد على أن كل  نص إبداعي هو نتيجة سببية نفسية.

الدلالات النفسية:

بدأ الاهتمام بقراءة الدلالات النفسية للنص الأدبي مع  نشأة الدراسات النفسية الحديثة.‏ ولا يمكن قراءة الدلالات النفسية للقصائد محل الدراسة؛ بغية أن نصل إلى دلالات استخدام الشاعر  إلى أقنعة وحيل نفسية تساعده على أن يسرب عناصر طرفا من سيرته النفسية  إلى فضائه الشعري  إلا باستخدام المنهج النفسي في قراءة النصوص، وقبل أن تكشف الباحثة عن تلك الحيل النفسية والأقنعة عليها أن تستجلي بشئ من الإيجاز تاريخ استخدام المنهج النفسي وتعريفاته المختلفة.

المنهج النفسي هو ذلك المنهج الذي يسمح بإخضاع النص الأدبي إلى آليات التحليل النفسي، ويحاول :” الانتفاع من النظريات النفسية في تفسير الظواهر الأدبية، والكشف عن عللها وأسبابها ومنابعها الخفية وخيوطها الدقيقة، وما لها من أعماق وأبعاد وآثار ممتدة”([1]).

وهذه القراءة النفسية؛ كما تهدف إلى الوصول إلى الدلالات النفسية، كذلك تهدف إلى قراءة التفاعل الجدلي بين الذات الشاعرة مع الإطار الثقافي والاجتماعي، في محاولة لربط التكوين النفسي لها مع السياق الاجتماعي والزمكاني، ومن ثم السياق الحضاري.

للمنهج النفسي في الأدب جذور قديمة أرجعها بعض النقاد إلى أرسطو وأفلاطون، حيث يرى البعض أنه قدي يعود إلى” نظريات أفلاطون عن أثر الشعر على العواطف الإنسانية، كذلك نلاحظ أن “نظرية التطهير” عند أرسطو إنما تربط الإبداع الأدبي بوظائفه النفسية من خلال استثارة عاطفتي الخوف والشفقة”([2]).

كذلك حاول الشاعر الإنجليزي كلوردج تفسير الأدب تفسيرا نفسيا، حيث اهتم بنفسية المبدع، وعلاقته بنصه، فوضع كتاب “السيرة الأدبية” عام 1817 ، وهو من أوائل الكتب التي نبهت لعناصر السير الذاتية في النص الأدبي.

لكن تعد مؤلفات سيجموند فرويد البدايات الحقيقية لاستخدام المنهج النفسي في قراءة الأدب، ففرويد في الأساس استعان بالأدب في تأسيس علم النفس، فحاول عبر  دراسة ظواهر الإبداع في الأدب والفن أن يقرأ الظواهر النفسية، من هنا يمكن أن” نعتبر ما قبل “فرويد” من قبيل الملاحظات العامة التي لا تؤسس لمنهج نفسي بقدر ما تعتبر إرهاصاً وتوطئة له”([3]). رأى فرويد أن” العمل الأدبي موقع أثري له دلالة واسعة، ولابد من كشف غوامضه وأسراره، فالإنسان يبني واقعه في علاقة أساسية مع رغباته المكبوتة ومخاوفه، ويعبر عنها في صورة سلوك أو لغة أو خيال”([4]). ويعتبر فرويد في تحليله النفسي للأدب والفن أنهما  يعبران عن”  اللاوعي الفردي”.

وقد نفى فرويد في طروحاته البعد الاجتماعي وأثره في النص، ورد الأمر كله لما هو شخصي، سواء اللاشعور  أو العقد النفسية التي تتحكم في نفسية المبدع، فالإبداع في رأيه هو تنفيس عن الصراع المكبوت داخل الشخصية، وكأن المبدعين في رأيه مرضى نفسيون يخفون أمراضهم بالنفسية في إبداعاتهم، وبذا تصبح مهمة الناقد البحث في التحولات التي أجراها المبدع لتغطية مكبوتاته النفسية عن طريق الكتابة.‏

وقد اعطى دورا للإبداع جوهريا في قراءة نفسيات المبدعين، بل رأى أن الأدباء أقدر على تحليل نفسيات شخوصهم من علماء النفس في عياداتهم، فقال:”إن الشعراء والقصاصين يعرفون أشياء كثيرة ما تزال حكمتنا المدرسية قاصرة عن فهمها. إنهم أساتذتنا في إدراك النفس”([5]).‏

وقد نظر كارل يونج إلى الإبداع نظرة مغايرة عن نظرة أستاذه فرويد، حيث رأى أن المتحكم فيه ليس اللاشعور الفردي للمبدع، بل  اللاشعور الجمعي للأمة  التي ينتسب إليها، فالشخصية الإنسانية تعبر عن تجربة الجماعة الممتدة الجذور عبر العصور، بل تحتفظ الشخصية الإنسانية داخلها بخريطة جينية نفسية للمجتمع، وبكل النماذج والأنماط التي تتضمنها ثقافة الجماعية الإنسانية عبر الأجيال و”تنتقل على شكل رواسب نفسية موروثة عن تجارب الأسلاف، وتدخل هذه النماذج والأنماط في تركيب طريقة التخيل الإنساني، وطريقة الشعور، وفي منظومة القيم، والفاعلية النفسية الإنسانية”([6]).

إذن العمل الإبداعي في نظر يونج ينطلق من  اتصال شعور الفرد (المبدع) بمكونات اللاشعور الجمعي, وهو أعمق من اللاشعور الفردي ؛لذا” يعبر عن رغبات غامضة تأتي من اللاوعي الجمعي، ويساعده على ذلك الحدس، أو إدراك الذهن للعمليات اللاشعورية، مما يساعد المبدع على التوافق مع العالم باستخدام الرموز اللاشعورية التي يتلقاها خلال عالمه الباطني”([7]).

في حين أن إدلر وهو واحد من تلاميذ فرويد قام بتحليل عملية الإبداع بشكل رمزي، حيث” يقرن بين الأحلام والرموز “([8]).ويرفض ما طرحه فرويد عن الكبت الجنسي التي تتحكم في عملية الإبداع، فالحركة دافع للإبداع. لا شك أن نظرية “أدلر” فتحت وعي نقاد االأدب في تفسيرهم لعاهات المبدعين وعقدهم ونواقصهم، والربط فيما بينها وبين إبداعهم وتفسيرها في ضوء المعرفة المتحصلة عن الأديب أو الفنان([9]).

وقد حاول  أصحاب نظرية الجشتالت([10])  أن يبحثوا عن ” الكيفية التي يحدث بها العمل الفني، وفي الأثر الكلي الذي يتركه في إدراك متلقي العمل ومتذوقه “([11]) .

ومع جهود البنيوية  ربط  جاك لاكان أحد أهم البنويين في القرن العشرين بين علم النفس واللغة كحامل رئيسي للمحتوى الذي يقدمه العمل الأدبي، وتعد نظريته  اللغوية من أبرز النظريات اللغوية في مجال علم النفس المعاصر حيث تدفع إلى البحث في  أعماق النفس الإنسانية. وقد ربط لاكان بين علم النفس والأدب ، واعتبر أن اللاشعور مبني بطريقة لغوية، ومن ثم يعد الأدب باعتباره بنية لغوية هو الأقدر على تمثيل اللاوعي، فتصبح”بنية اللغة هي المدخل الصحيح للنقد النفسي”([12]).

كما أن الناقد شارل مورون وضع مصطلح “النقد النفسي” الذي يشتغل على تفسير نصوص الفنان الواحد بعضها ببعض، بغية الكشف عن جمالياتها، فيدرس الناقد هذه الأعمال وتجمعاتها وتطورها حتى يستطيع الوصول إلى الشخصية اللاشعورية للأديب، ثم التأكد من هذه النتائج من خلال حياته

النقاد العرب والتفسير النفسي للأدب:

ولم يكن النقاد العرب غائبين عن التفسير النفسي للأدب، فقد أفادوا مما طرحه الغرب في نظرياتهم النقدية حول التفسير النفسي للأدب، في منتصف القرن العشرين، فدعا محمد خلف الله في كتابه “من الوجهة النفسية في دراسات الأدب والنقده”([13]) إلى ضرورة الإفادة من نظريات علم النّفس في تفسير الأدب. كما  أشار   أمين الخولي في كتابه”فن القول” إلى أهمية “توثيق  الصّلة بين علم النفس والأدب، وأرسى قواعد النقد النفسي، وأن تعدّدت مجالات بحثه؛ إذ كان من الأوائل الذين دعوا إلى ربط الأدب بالحياة الاجتماعية، وإلى دراسة التطوّر اللغوي للعربية”([14]).

ودرس الخولي العلاقة  بين علم النفس والبلاغة، ورأى أنها يجب أن ” أن تُدرس في ضوء السيّاق النفسي أو المعرفة النفسية؛ فالفهم الصحيح للقرآن الكريم، لا يقوم في نظره إلا على إدراك مااستخدمه من ظواهر فنية بلاغية بوساطة القواعد النفسية؛ فكلّ ما فيه من إيجازٍ وإطنابٍ وتوكيدٍ، وإشارةٍ، وإجمالٍ، وتفصيلٍ، وتكرار وإطالة وترتيب ومناسبة، وكل ذلك لا يعلل إلا بالفهم النفسي وحده”([15]). بل إن العلاقة بين الأثر الأدبي وصاحبه  علاقة جدلية في رأيه، فـ ” كلاهما مكمّل للآخر، ولن يكون هذا الفهم النفسي كاملا إلا بالنظر إلى أدب الأديب جملة وتفصيلا، أو كلا متكاملا ووحدة متماسكة”([16]).

مراجع الجزء الأول من الدراسة

[1] عبد الجواد المحمص: المنهج النفسي في النقد،دراسة تطبيقية على شعر أبو الوفا،مجلة الحرس الوطني، السنة 16، العدد 155،السعودية،صفر 1419،ص80.

[2] صالح هويدي،النقد الأدبي الحديث، قضاياه ومناهجه، منشورات السابع من أبريل،  ليبيا،2005،ص80.

   صلاح فضل، مناهج النقد المعاصر، ط1، دار الآفاق العربية، القاهرة،1997،ص64.[3]

  ميجان رويلي،سعد البازغي،دليل الناقد الأدبي،المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2000،ص333.[4]

[5] مصطفى سويف ـ الأسس النفسية للإبداع الفني في الشعر خاصة ـ دار المعارف بمصر ـ 1981ص88.‏

[6] المرجع السابق،ص68.

[7] المصدر السابق،ص69.

[8] صلاح فضل، مناهج النقد المعاصر،مرجع سابق،ص74.

 ([9])  صالح هويدي ، النقد الأدبي الحديث، قضاياه ومناهجه، مرجع سابق،ص 86.

[10] مدرسة الجشتالت ـ حسب الموسوعة الحرة ويكيبيديا ـ  من المدارس التي اهتمت بدراسة علم النفس، ويعود الفضل إلى الاهتمام بدراسة قوانين الإدراك، وتوصلت إلى قانونه الأساسي وهو ” أن الكل أكبر من مجموع أجزائه” فنحن حينما نقرأ كلمتي ( باب ) و ( أب) وهما مؤلفتان من نفس الحروف فنحن لا ندركهما كحروف منفصلة وإنما كوحدات كلية. زد على هذا الأساس أمكن التوصل  إلى  القوانين الأخرى للادراك.

 ([11])  المرجع السابق،ص 87.

صلاح فضـل : مناهج النقد المعاصرـ مرجع سابق،ص75.[12]

[13] محمد خلف الله ، من الوجهة النفسية في دراسات الأدب والنقده، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة، 1970.

[14] عكاشة حسانين شايف، اتجاهات النقد المعاصر في مصر، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1985.ص145.

[15] أمين الخولي، مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، 1995،ص203.

[16] المرجع السابق،ص334.

موضوعات متعلقة:

الجزء الثانى من الدراسة

الدلالات النفسية والبناء الجمالي في الشعر (2)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img