الرؤيا الشعرية في القصيدة الشبابية المصرية (3)

– دراسة في المرجعيات الصوفية -نحو مقاربة “الاستعارية – الابستيمية” (3)

أستاذ وباحث في النقد العربي: أحمد الحريشي (المغرب)

إن اليقين المطمئن الذي يبثه الله في قلب السالك بوصفه المنقذ من الظلال، لهو المعادل الموضوعي لنقيضه في التجربة الشعرية الشبابية، حيث يتحول مردافا للشك نفسه.. هذا الشك الذي يُسقط عليه الشاعر بشكل استعاري ملفت كل الصفات اليقينية، التي اعتبرها النظام العرفاني حكرا على التصديق الإيماني وحده، والذي يعيشه ويعايشه الولي في حضرة الله كواقعة اجتماعية، إذ “متى غاب حتى نثبت حضوره!!” كما يقول القوم، في حين يقول الشاعر شريف أمين:

“صدَّعْتَني بالشوقِ.. ثم هزمْتَني

بالشكِّ.. ثم تريدُني أنْ ألْعَنَه

الشكُّ أقوى منكَ.. أبْلَغُ مِنْ يَقِينِكَ

حُجَّةً.. عند افتقادِ البيِّنة

(…)

لكِنْ لأمْرٍ ما ستسقطُ فكرةٌ

في الشكِّ.. تُودي بالحياةِ الممكنة”([1])

فيصير الشك بهذا المعنى الشعري أقوى بينة وأبلغ حجة من اليقين نفسه، بل ويصير هو الدرب الوحيد للوصول إلى الخلاص الحقيقي للذات الشاعرة، حيث تكمن المحبة الإنسانية:

ولَرُبَّمَا يأتي الزمانُ بشاعِرٍ

يشدُو.. وسيدةٍ تمُرُّ لتَفْتِنَهْ

في قلبِها وجعُ الغيابِ وثورةُ

الذكرى.. وأمراضُ الفراقِ المزمنة

في قلبِهِ خوفٌ سيتبَعُ سيرَهُ

حتى تبلِّغَهُ المحبَّةُ مأمَنَهْ”([2])

إن الطاقة التحليلية التي تتحيها الاستعارة الابستيمية لا تتوقف عند هذا الحد، بل تسمح لنا أن نتبين النفس الملحمي والدرامي التراجيدي الذي يستعير سردية النص الصوفي نفسه، قصد الخلوص لنتائج مغايرة تماما هي على النقيض مع القصة الأصلية، كما هو حال قصيدة محمد اسماعيل: “من ذاكرة الرمل”، التي يصور فيها مظاهر التصريف الإلهي للذات الإنسانية وهي تخاطب الملكوت، بل وتسيره أنَّا شاءت:

“الشمس تغفو لحظة

فأرى غدي

من جفن تلك الشمس

أبصرها رؤاياَ

سافرت تتبعني الجهات

دخلتُني حربا

كأني قد دخلتُ حما سوايا

وأرى سرابي في الرمال حقيقة

من دس وسط الرمل أسرار المرايا؟

كتب الخلود

لحرفي الرملي قد خبأت سم الشعر

في حلق المنايا!!

وبدأت في مدي الطريق

لينتهي كل الألى

يتطلعون لمنتهايا!”([3])

لكن هذا المنتهى الدرامي سيعلن عنه في نهاية القصيدة مدويا ونازفا بوجع يعيد مأساة الحلاج اتحادا وصلبا:

“قال الغريب:

الموت يكرهنا معا

لنتحد بي

حين تنكرني قوايا

قل للظماء:

تمسكوا في أذرعي

فالماء ينبع حين ينبع من دمايا!!”([4])

هنا الاستعارة تستضمر شخصنة المأساة الحلاجية إشاريا واستعاريا، بوصفها قناعا تستعير منه قيم الفداء والتضحية، بين الولي المقتول أو المصلوب وبين الشاعر النازف في رؤياه، لكنها تُخضع هذه القيم الصوفية -وفق البرادغم الشعري- إلى نمط من التصوير التخييلي، لتجسيد مأساة الذات الشاعرة وانطحانها الاجتماعي، وانحيازها المطلق للأرضي والإنساني واالمستضعفين من الناس.

لكن حالة الظمأ المشار إليها في القصيدة تحيل إلى أن الماء المتفجر من دم الشاعر ليس إلا وحيه وقصيدته التي يقترحها، لري صدى المتعطشين للخلاص، فيصير فعل الخلق والوحي والإبداع مطية لتضخم الذات الشاعرة، واكتفاءها بذاتها  بوصفها خالقة للكون والعالم، انطلاقا من اعتبار الشاعر محمد اسماعيل” الوحي الحياة…”([5]

وكما يقرر الشاعر محمد إسماعيل منطلقا من النظرة الملكوتية المقتبَسة من لغة السماء في الخلق وإعادة تكوين وتشكيل العالم، لتستل رويتها الخاصة للوجود:

“علمتنا السما أبجديتها

فكتبنا على الرمل بعض التلال!”([6])

إن فعالية الخلق الشعري  للرؤيا وإعادة تشكيلها للكون من خلال أفعال اللغة نفسها، يجعل الشاعر يستبدل استعاريا الكشف الصوفي الذي يبثه – المطلق والغيبي في قلب السالك فتتحصل له المعرفة القلبية من غير وسائط- مرادفا للإلهام والوحي الإبداعي الذي يستنبطه الشاعر من عمق التجربة الذاتية التأملية وهواجسها، فيصير إله نفسه المتصرف في كونه، يقول الشاعر محمد إسماعيل:

“للشاعر الرب في هواجسه

عين ترى وجه الله في الشفق

له صنوف المجاز

فاكهة

والشمس مرمية على طبق”([7])

هكذا يبني الشاعر المنظور الرؤيوي للعالم، من خلال البنية نفسها التي يبني من خلالها الصوفي رؤيته الباطنية الغيبية للواقع، بيد أن الشاعر ينحرف عن النسق السابق بما تتيحه آلية الاستعارة الابستيمية من تغاير بين طرفيهما لتؤسس لوعي جديد، يعتبر الذات هي مركز الكون، حيث فناؤها يعني العدم المحض، لغياب اليقين المطلق بالغيبي والمفارق من جهة، وبالواقعي والمحايث من جهة أخرى، مما يضطر الشاعر لإعادة تشكيل العالم وفق رؤية إيروسية، تعتمد على العشق الأنثوي المادي،  الذي تعبر عنه مجمل التجربة الشبابية الشعرية، بوصفه تجسيدا للخلاص العام الذي تشترك فيه هذه التجارب الخاصة كلها، يقول محمد إسماعيل:

“ما الفجر …

إن لم تأتني فجرا؟

ما قلبي الصوفي..؟!

ما وجعي…

إن لم يذق من ثغرها خمرا

ما الليل ما أسرار هدأته

لو لم تكن هي للدجى سترا”([8])

وهو المنزع نفسه الذي اتخذه محمد متيم بتعامله مع النظام العرفاني الصوفي، متكئا عليه استعاريا، لتبليغ  رؤيته الدنيوية المتحيزة لخيار الرغبة والشاهد والمرئي، على حساب الارتقاء في المقامات الغيبية، يقول الشاعر في نص “كأنه النزع”:

“من يستأجر ظهري

كي يصعد نحو الله؟!

وأغنيتي ليثبت قلب حبيبته

في صدر الدنيا؟!”([9])

إن الشاعر محمد المتيم لم يتخذ الليل نسكا ومعراجا للمطلق السماوي، بل يصرح بجرأة منتصرة للواقعي القاسي والاجتماعي المحايث:

“وسرت محاذاة الليل

وآنست العالمَ

لن يتجلى المولى للإسفلت

فيشبع كل الجوعى !”([10])

إن الإقرار بتداخل النظامين المعرفين في صياغة التجربة الرؤيوية الشبابية المصرية،  حيث  تشترك من نظامها البياني مع النظام العرفاني منهجيا، في النظر إلى العالم نظرا تفسيريا عبر آلية التأويل أو الإشارة بلغة القوم، متجاوزة حدود الوظيفة  الوصفية التي شكلت هوية المعنى الكلاسي للشعر القديم، يفجر المعنى على تأويلات متعددة بتعدد مرجعيات التأويل المزدوجة، والنابعة من التداخل التقني الذي تولده الاستعارة الإبستيمة بين طرفيها المتظافرين البياني والعرفاني، في برزخ دلالي يقف بين المقدس والمدنس، وهذا ما شكل للشاعر الشاب مصدر إغراء وجذب عبر  عنه بوعي كبير الشاعر محمد إسماعيل:

“للأساطير هيبتها

ولنا ما تقول الرياح لطيش الرمال:

يا ابن معصيتي البكر يا ابن جنوني المقدس

يا ابن زواجي المحالْ

كن كما تشتهي أنت طفل المدلل

ولتشتعل بدخان احتمالْ

في العبارة متسع للحقيقة

وفي الموت متسع للخيالْ”([11])

هكذا يتخذ الشاعر من العصيان المقدس مدخلا لتحرير الذات من الوصايا والوصاية والحدود والقيود، و الأسلاف والأعراف الجاثمة على حريته المطلقة في الخلق والحياة، بما تحيل إليه هذه الحياة من تناقضات وتداخلات بين الغيبي والمادي، والروحي والجسدي، والفردي والجماعي، والمقدس والمدنس، منصرة في النهاية لدنيوية الحياة التي تليق بالإنسان المعاصر الرافض للتشييء والرقمنة والتسليع التكنولوجي والحصار الإسمنتي الخانق الذي ينتصب سقفا صلبا ضد طموحاته:

“كالموت لا هدف ثابت لطموحاتنا

كالحياة نفر من الوهم

صوب الحقيقة! أين الحقيقة؟!

لم نكترث للسؤال وسرنا إلى جهة الله …

وعودوا إلى خيمة من دماء

لكم في الخيام حياةٌ

يحاصرها الطوب والتكنولوجيا…”([12])

على سبيل الختم:

تقوم إذن التجربة الشعرية الشبابية بالاتكاء على النظام العرفاني اتكاء استعاريا، سواء على مستوى التوظيف المعجمي أو التناصي أو الدلالي، ونقصد بالإتكاء الاستعاري قدرة التجربة الشبابية الفردية على الاشتغال الجمالي الواعي على تفكيك هذا النسق العرفاني، بتحويل مقولاته السبحانية المفارقة إلى دنيوية محايثة للواقع المعيش، دنوية تنطلق من القيم نفسها التي اعتبرها الصوفي تجل مطلق لوحدة الوجود، التي تنتهي بالفناء في ذات الله، في حين انزاحت بها التجربة الشبابية استعاريا، إلى كون شعري  يحتفي بالقيم المنتصرة للإنسان والحياة والرغبة، وإذا كانت هوية الصوفي تكمن في الارتقاء السماوي نحو المكاشفة والخلاص فإن القصيدة الشابة تصنع هويتها من الهاوية والسقوط والأرضي والارتكاس والتشظي.

وإن آلية التحليل الاستعاري الابستيمي المنحوتة في هذا البحث لتَعد بالشيء الكثير في الكشف عن الكثير من جوانب الريادة التجديدية التي اختلقتها القصيدة الشبابية العربية، والمصرية على وجه خاص، بتوافق جمالي واع مع داخل نسقها الشعري العربي من حيث الحفاظ على بنيتها الفنية، مع قدرتها الإبداعية على تفجير الدلالة، وإضاءة زوايا لم تضأ من قبل، وكذا تَعِدُ البحث النقدي من ناحية أخرى بضبط العلاقات الاستعارية التي تقيمها القصيدة الشابة في تأسيس مرجعيات إنتاج المعنى والرؤيا فيها، كما هو الحال في تماسها الاستعاري العميق مع النظام البرهاني الفلسفي الذي سيشكل لنا مدخلا آخر في ملامسة هذا المتن المتعدد المفتوح، في غير هذا السياق.

ولكن التقاطعات الحقة التي يقرها المتن الشبابي للقصيدة المصرية مع النظام العرفاني وبين نظامه البياني الشعري من الناحية الرؤيوية الفنية، لتغري بالكثير من الخلاصات التي تؤكد على ضرورة البحث الحفري الجمالي في أصول مرجعيات إنتاج المعنى والدلالة في الثقافة العربية، كمعادل موضوعي لتأصيل شعري لقيمة الإنسان العربي الروحية، بوصفه كيانا مقدسا لا تمس حرمته، والدفع بها إلى حدود التأمل والتأويل والفردانية المسؤولة والحرية الكاملة المطلقة، تكريسا لمفهوم الإنسان قيميا وحقوقيا، وكمقترح أساس لحداثة عربية حقة، تنطلق من الإنسان لكي تصل إليه.

([1])  الفرار إلى العزلة،  الشاعر شريف أمين، قصيدة: أيقونة عتاب، ص 13.

([2])  نفسه.

([3])  مجموعة ألواح الريح والرمل، لمحمد اسماعيل، قصيدة من ذاكرة الرمل 18-21.

([4])  نفسه.

([5]) ا مجموعة ألواح الريح والرمل، محمد اسماعيل، لمقطع 6 من قصيدة (من أحوال الريح: السفر الأول).

([6])  نفسه.

([7]) نفسه، قصيدة: أكثر من مرة.

([8])  مجموعة ألواح الريح والرمل، محمد اسماعيل، من قصيدة: “أنثى تعيد تعريف الكون”.

([9])  قصيدة “كأنه النزع”، للشاعر محمد المتيم..

([10])  نفسه.

([11])  ألواح الريح والرمل، للشاعر محمد اسماعيل.

([12])   نفسه.

موضوعات متعلقة:

الرؤيا الشعرية في القصيدة الشبابية المصرية (2)

الرؤيا الشعرية في القصيدة الشبابية المصرية (1)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img