الرحلة قراءة وجودية في روايتين لنجيب محفوظ (4)

سيد الوكيل

العقل الجميل :

” المغامرة الحقة في رأس الإنسان ـ ص 98″.

هذا هو القانون الجديد الذي اكتشفه جعفر الراوي بعد مغامرة الجسد مع مروانة، عندما التقى بامرأة أخرى هى (هدى صديق) التي تمثل نموذجًا مضادًا لنموذج مروانة. هى سيدة كريمة الأصل، تتمتع بقدر من الثراء وإن ظل لايماثل ثراء الجد. مثقفة رصينة، ترتاد المسارح والصالونات الثقافية، تزوجته، ثم قادته إلى التعليم النظامي بدلًا من التعليم الأزهرى الذي اختاره له الجد. إيذانا بمرحلة جديدة فى حياته. اتسمت بالنضج والعقلانية والشغف بالمعرفة والأخذ بأسباب العلم والمنطق والملاحظة والتجربة. بما يذكي فيه القدرة على مغالبة هواجسه الحسية التي ميزت مرحلته السابقة في معسكر الشياطين ( مع مروانة ). إنه يعيش عصر العقل. هدى صديق نموضج لإنسان الحداثة.

وكان أن أبدى (جعفر) جدارة في طلب الحياة الجديدة بشروطها: الطموح والشغف للمعرفة واكتساب المهارات الذهنية، فشغل فراغ المرحلة الغيبية، وبدأ الحياة الجديدة بإخلاص يدهش صديقه محمد شكرون وهو يرقب تبدله من حال إلى نقيضه: ” إنك شيطان فى تكيفك مع العربدة، ملاك في تكيفك مع الاستقامة ـ ص107″.

وهكذا فالإنسان ـ إذن ـ ابن بيئته، وليس ابن قدره.

وكالعادة، ففي كل مرحلة جديدة تسمح البنية الحوارية باستنطاق الشخصيات بوجهات النظر والتحليلات الفكرية والمعرفية، تأتي ـ هذه المرة على لسان جعفر الراوي شارحًا لموظف الأوقاف:” وهذا العقل يعتبر مخلوقًا حديثًا نسبيًا إذا قيس بالغرائز والعواطف، فالذي يربط الإنسان بالحياة غريزة، والذى يربطه بالبقاء غريزة، والذي يربطه بالتكاثر غريزة، ودور العقل في كل أؤلئك هو دور الخادم الذكى ـ ص112″. هنا نجد نقدا صريحًا للعقل وتهوينًا شأنه مخالفًا للمبدأ الحداثي.

ولعل هذه المداخلات التفسيرية المبررة فنيًا عبر الحوار، جزء من وسائل دعم القاريء لينتبه إلى النص المصاحب. الذي سوف يتمثل ـ هنا ـ في حداثة التجربة البشرية (عصر الأنوار) ومرجعيتها المطلقة للعقل الخالص. مخلفة وراءها عصور الميتافيزيقا بصورتيها الأسطورية والدينية. لهذا ينبه محمد شكرون صديقه جعفر الراوي، إن هدى صديق المستنيرة تريده ” مقطوع السبب بالراوى ـ ص101″. لكن جعفر الراوي وعلى الرغم من نضاله الشرس في مواجهة الجد، لم يتنكر له لحظة، وظل بحثه عن يراث الجد هو ـ في حد ذاته ـ إقرارًا بالنسب إليه.

والحقيقة، أن هذه المرحلة من حياة جعفر الراوي، سمحت لنجيب محفوظ بمناقشة موضوعة العقل الخالص، سواء عبر حوارات مطولة، أو عبر مفارقات سردية، وهى مناقشات مثيرة ومدهشة. لا تتوقف عند اختبار العقل، بوصفه جهازًا معرفيًا للإنسان الفرد، بل بوصفه تمثيلًا للحداثة وطموحاتها وأحلامها التي جسدت توق الإنسان لفردوس أرضي، حتى لايظل مصيره معلقًا بوعد غيبي يعطل حركة الحياة ويقمع الطاقات المعجزة التي يتمتع بها البشر. لكن المفارقة، ستكشف لنا ـ فيما بعد ـ أن فردوس الجد مازال مطمحًا لجعفر الراوى، وإن لم يتخل جعفر عن كبريائه.

ولعل هذه المناقشات قد اختبرت مقولات ومفاهيم عديدة، وأبدت معارضات لبعضها على نحو مانراه يعارض ـ عبر صوت حعفر الراوي ـ مقولة فرويد عن جبل الجليد المطمور تحت الماء إلا قمته، فيعلق: ” المسألة ليست مسألة حجم ولكنها مسألة قيمة أولًا وأخيرًا ـ ص113″. فضلًا عن معارضاته لمفاهيم مثل: الحرية وارتباطها بالالتزام، فالحرية في تقديره، هى حرية الإرادة الإنسانية:” الحرية الحقيقة وعي بالعقل ورسالته وأهدافه وتحديد الوسائل بحرية الإرادة ـ ص114. لقد دخل جعفر مرحلة الحداثة، الأنوار، الإلهامات المضيئة بالعقل والحكمة. فهل ستهدأ روحه وتكف عن القلق. هل سيدرك ـ أخيرًا ـ بعقله كنه ذاته؟ سنرى.

رواية قلب الليل لنجيب محفوظ
رواية قلب الليل لنجيب محفوظ

ثم، هاهو يرفض الوطنية التى تخضع لتصورات تتسم بالأنانية، مطالبًا أن نقيم أوطاننا بلا تأثر بما ندعوه الوطنية. وهذه ـ كما نظن ـ نظرات تتماس بقوة مع مفاهيم انتجتها الحداثة، عن التعددية، وبشرت بها. عبر رؤى كلية وإنسانية للعالم تجعل العقل مركزًا ومبررًا للوجود ( أنا أفكر إذاً أنا موجود) عالم تتماهى فيه الحدود الزمكانية الميعقة لتطور البشرية. كما تتماهى فيه المذاهب الفلسفية المتضادة، وكأن العالم فردوس يتعايش فيه الجميع.

هكذا ينتهى جعفر الراوى إلى تأليف نظرية توفيقية بين الشيوعية والديموقراطية، ترفضها زوجته ( الديموقراطية) وتراها خطرة مستحيلة التنفيذ، كما يرفضها سعد كبير ( الشيوعى ) ويعتبرها ” سمك لبن تمر هندى ـ ص132″. ونرى في هذا الجزء من الرواية محاججات فكرية تدور بين سعد كبير وجعفر الراوى على نحو محتدم ومتناقض. لكن النقاش الذي يدور بين سعد كبير وهدى صديق بدا أكثر عمقًا وأصالة حتى أن هدى صديق وجدت في نقيضها الشيوعى تميزًا وجدارة عن زوجها الحائر بين المذاهب الفكرية.

ووسط هذا الانهماك العقلى يشعر جعفرالراوى إنه مخول لحمل رسالة إلى البشرية، تبشر بدين جديد قوامه العقل والعدل والحرية. ولاغرو أنه وجد في منعطفات حياته تشابهًا مع حياة النبي ـ ص126″. من المهم النظر باعتبار إلى أن جعفر لم يتوصل إلى نظرية أو أيديولوجيا جديدة، بل دين جديد.

يبدو لى أن مأساة جعفر الراوى العميقة تسكن في وعيه بذاته، فهو يحمل تناقضاته داخله، ولكنه يرغب أن يجمع بينها في نظرية توفيقية تسمح بتعايش الأضداد. أن يجمع بين عصيانه لجده الراوى واحترامه له، يحتاج إليه ويرفض الانصياع لإرادته. يعشق عقل هدى صديق وجسد مروانة، ويحب أن يتعايش مع صديقه الشيوعى وزوجته الديموقراطية. يحب القرآن والإنشاد الديني، ويعشق الطرب والغناء واللهو. هل هى أزمة الإنسان الحداثي؟ وهل يمكن له أن يجد طريقًا وسطًا ومتصالحًا بين كل هذه التناقضات التي تسكنه؟

لكن جعفر الراوى يفرق بين مأساته الخاصة التي” نشأت من الصراع بين عقلي وبين إيماني الراسخ ـ ص116″. وبين مأساة عامة، تاريخية، تتبدى في طبيعة المراحل المفصلية، وانتقال الوعي من الميتافيزيقي والغيبي الذي لازم البشرية قرونًا، إلى العقل والتجربة على حداثتهما. وهنا تتجلى النظرة الموسوعية عند نجيب محفوظ للتراث الإنساني، وتأرجحه بين النقيضين، فالإنسان الذي ُوهب العقل لم يكن مؤهلا لحمله تمامًا ” ومايزال النصر مقررا حتى اليوم للغرائز، على الأقل في الحياة العامة، لم يظفر العقل بالسيادة إلا في العلم، فيما عدا ذلك فهو يخضع للغرائز ـ ص 115″.

لهذا، فإن دين جعفر الراوي الجديد ينبنى على مصالحة تاريخية بين العقل والغريزة. غير أن هذه المصالحة تنهار تمامًا عند أول اختبار يسمح للغريزة أن تنفلت من أسر العقل لتلهمه، ولتبقى مأساة الإنسان هى الدال الوحيد على وجوده.” ثم اجتاحتنى المأساة كأنها زلزال غير مسبوقة بأسباب واضحة ـ ص137″. هنا نتذكر تيري ايجلتون: (إذا حدث تحول أو انحدار أو كسوف للمعنى، تتحول الحياة إلى تراجيديا عنيفة ـ سابق).

كان جعفر قد عانى قلقًا حديثًا متوهمًا أن علاقة ما نشأت بين صديقه ( سعد كبير ) وزوجته، ولطالما حاول وأد هذا الهاجس الذي لم يجد عليه دليلًا. لكن شيئًا غريزيًا كان ينمو مغالبًا عقله. خشية أن ينافسه سعد كبير ملكية هدى صديق التي صارت معادلًا لحياة جديدة: متعقلة، هانئة، مستقرة. لقد أصبح وجود (سعد كبير) مصدر تهديد لحياة جعفر الراوى. فشعر بالغيرة من اهتمام (هدى صديق) به. يذكرنا هذا بموقفه من (محمد شكرون) عندما شعر بالغيرة منه نتيجة لاهتمام الجد ورعايته له. لكنه هذه المرة، لم يكن في رعاية روحانية تهدىء من خواطره، فقط، كان معتمدًا على عقله، معتدًا به، وذات نقاش محتدم بينه وبين ( سعد كبير ) تخلى عنه عقله المقدس، فطعن الراوي صديقة المفضل، الشيوعي رفيق رحلة التنوير حت اراده قتيلًا.

 يقول جعفر الراوى:

” وقفت أتأمل جثته الملقاة بين المكتب والكنبة الجلدية فى ذهول بارد سرمدي وأنا اشعر بأنني تخففت دفعة واحدة من كافة أعباء الحياة وانفعهالاتها، ثم غصت فجأة إلى أعماق دنيا الحلم فرأيت من كوة في جدارها المتهافت شبح المأساة وهو يجري بعيدًا عني في كون آخر مضاد، لاتربطني به صلة بشرية، وسمعت صوتًا، لعله صوتي أو صوت آخر يهتف مذبوحًا: ياعقلى المقدس، لماذا تخليت عني؟ ـ ص141″.

موضوعات متعلقة:

الرحلة..قراءة وجودية في روايتين لنجيب محفوظ (1)

الرحلة..قراءة وجودية في روايتين لنجيب محفوظ (2)

الرحلة..قراءة وجودية في روايتين لنجيب محفوظ (3)

الرحلة قراءة وجودية في روايتين لنجيب محفوظ (5)

الرحلة قراءة وجودية في روايتين لنجيب محفوظ (6)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img