الرحلة قراءة وجودية في روايتين لنجيب محفوظ (5)

سيد الوكيل

مأساة الشحاذ

 لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ (إنجيل مرقس 8ـ36)

رواية الشحاذ لنجيب محفوظ
رواية الشحاذ لنجيب محفوظ

يقول ( يحيى الرخاوي):” إن كل العلامات التي تصف حال عمر الحمزاوي هى علامات لمرض معروف ( الاكتئاب )، وهو مرض يصيب وظائف النفس الثلاث ( العاطفة والتفكير والسلوك) بالهمود والانحطاط، وهو يصيب عادة ذوي الشخصية النوابية، أي التي يتناوب مزاجها بين المرح، والحزن والأحوال العادية، تلك الشخصية التي أطلق عليها صلاح جاهين، الشخصية الفرحنقباضية، وهى تسمية خليقة بالاعتبار “. “7”.

ثم يشير في موضع آخر ـ بتحفظ إلا يحيل ذلك إلى مذهب فلسفسي بذاته ـ عن نوع من الاكتئاب تم تصنيفه على أنه: الاكتئاب الوجودي. أو الاكتئاب المتعلق بالكينونة.الذي يواجه فيه الإنسان  السؤال الخالد ( أكون أو لا أكون).

قراءة يحيى الرخاوي لرواية الشحاذ، لم تجزم تمامًا بأن عمر الحمزاوي عاش تجربة وجودية، إذ يغلّب ـ بوصفه عالم نفس ـ تصنيفها على أنها حالة مرضية نفسية ( اكتئاب ) لكن إشارته إلى الاكتئاب الوجودي، وأعراض الاضطراب المحمل بأسئلة مصيرية وكونية، ومجمل قرائته وشواهده، كل هذا يحملنا على الاعتقاد بأن عمر الحمزاوي خاض تجربة وجودية. فما تفسير كل هذا، وما الفارق بين تجربة جعفر الراوي وتجربة عمر الحمزاوي؟

انتهت رحلة جعفر الراوي بانهيار العقل الذي اعتز وآمن به، وتبدى له شبح المأساة وهو يجري بعيدًا عنه في كون آخر، ومرة أخرى، ألا تذكرنا تلك النهاية بمقولة تيري ايجلتون: ” اليقين العقلي مهلك  للروح، لأنه إذا حدث تحول أو انحدار أو كسوف للمعنى، تتحول الحياة إلى تراجيديا عنيفة ” ؟

هل كان نجيب محفوظ يهدف إلى هذا المعنى؟ ليقوض خدعة العقل الذي آمنت به الحداثة على نحو مطلق، وصار بديلًا للدين؟ هل هو استشراف لما بعد الحداثة بوعي ثاقب لروائي فيلسوف أدرك مبكرًا ما تنطوى عليه الحداثة من أوهام؟ ربما.

يقول عمر الحمزاوي بطل رواية الشحاذ: ” أتريد أن تعرف سري حقًا يامصطفى، اسمع عندما أمضني الفشل جريت نحو القوة التي آمنا من قبل بأنها شر لابد أن يزول ـ ص42″. عمر الحمزاوي يقصد الدين، الذي اعتبره في أيام نضاله الشيوعي ( أفيون الشعوب ). وفي موضع آخر من الرواية يقول مصطفى ( صديق عمر ورفيق رحلة النضال ): “خبرنا الآن عن معنى الحياة؟ ـ ص 100″ ثم يستطرد: ” لماذا نسأل؟ الحكاية أن العقيدة كانت تعطينا معنى متكاملًا، وأننا نحاول أن نملأ الفراغ تحقيقًا لقانون طبيعي ـ ص100″.

من السياق، نفهم العقيدة التي يشير إليها ( مصطفى ) على نحو مطلق لمعنى العقيدة، فبعد أن تخليا ( عمر ومصطفى ) عن عقيدة ( أيديولوجيا ) النضال الاشتراكي من أجل الإنسانية، ومن قبلها الدين ( أفيون الشعوب) وجدا نفسيهما فارغين من كل معنى. هو نفس المآل الذي انتهى إليه إنسان الحداثة، بعدما استبدل الدين بالعقل، ثم وجده بائسًا بلاحيلة.

في واحدة من لحظات القلق يقول عمر الحمزاوي: ” لابد من شيء .. الشيء أو الجنون أو الموت ـ ).

رواية الشحاذ تبدأ من حيث انتهت قلب الليل. فإذا كان جعفر الراوي قد تمرد على حياة الجد الإلهى، ومضي في رحلات الفشل وراء سكينة الدين، ثم شهوة الجنس ونشوة الفن والغناء، وانتهى إلى أنوار العقل بين يدي هدى صديق. فإن أزمة عمر الحمزاوي تبدأ من هذه النقطة الأخيرة. أنوار العقل وسطوعه، وهو لم يتعرض( عمر ) لخيانة العقل كما حدث لجعفر الراوي، بل على العكس، حقق عمر الحمزاوي النجاح تلو النجاح. أنهى نضاله الثوري بعد قيام ثورة يوليو واطمأن إلى ماحققه النظام السياسي من إنجازات على المسار الاشتراكي، ارتاح إلى هذه النتيجة، فنفض يديه من مغبة النضال الثوري من أجل الإنسانية، وأكب على حياته الخاصة  فحقق  نجاحًا باهرًا في مهنة المحاماة، تزوج ممن يحبها ( زينب) وعاشا حياة هانئة، وأنجبا ابنتين هما  قرة عينهما، وها هو يرفل في حياة رغدة مترفة، فيها من وفرة المال والممتلكات، والمكانة الاجتماعية وذيوع الصيت. وفي غمار كل هذا التنعم بالنجاح تأتيه العاصفة من حيث لايدري ولا يفهم. عاصفة السؤال عن معنى حياته. يقول عمر: ” هذا السؤال لايلح علينا إلا عندما يفرغ قلبنا ـ  ص100″.

والآن: ماذا حدث لعمر الحمزاوي؟

كان أحد العملاء يلح عليه أن يسارع في تحقيق أمله بكسب القضية، فشعر عمر الحمزاوي بغيظ وسأله دونما سبب:

“ـ  تصور أن تكسب القضية اليوم وتملك الأرض ثم تستولى عليها الحكومة؟

 فيهز العميل رأسه باستهانة ويقول:

ـ المهم أن أكسب القضية، ألسنا نعيش حياتنا ونحن نعلم أن الله يأخذها؟ ـ ص 45″.

هزته إجابة الرجل بعنف، وأصيب بدوار مفاجيء، واختفى كل شيء حوله، كأنما انتزعت منه إجابة العميل كل تصور عن معنى حياته وعن ما فعله بها فوجد نفسه مفلسًا، وكأنما رأي في لحظة كشف مباغتة، ما لم يره بعمره الناجح وعقله الراجح. لحظة أن قال له العميل:”  ألسنا نعيش حياتنا ونحن نعلم أن الله يأخذها؟ فمنذ هذه اللحظة، بدأ يساءل نفسه عن جدوى حياته: ” مارسنا عملًا، وتزوجنا، أنجبنا، ولكن يخيل إلى أنه ليس لي ما أحصده إلا الهباء ـ ص 133″.

، في تصوير نجيب محفوظ، نرى أن الأعراض التي صاحبت هذه اللحظة أشبه بالأعراض التي أصابت جعفر الراوي لحظة طعنه لسعد كبير، لحظة ندفع فيها ثمنًا لخطأ ما، عمر الحمزاوي اكتشف ـ في لحظتة هذه ـ أنه خسر نفسه.

لقد حاول عمر أن يمضى في حياته كالمعتاد، ولكن هيهات. فمنذ هذه اللحظة، يستبد به الوجوم والصمت، ثم يذهب لاستشارة طبيب، لكن الطبيب لايرى فيه عله واضحة، وينصحه بالمشى وأنقاص الوزن، لكن ذلك لم يجد نفعًا، فهاهو يهمل عمله تدريجيًا، ويراه بلا معنى، ويصبح البيت في نظره صامتا بارد بلاحياة، وزوجته الجميلة تحاكي البرميل في رسمها، ويعتريه الملل والضجر من كل شيء. فلا يأبه بتوسلات ابنته المحببة، ولا بجزع زوجته الجميلة، ولاحتى بمولودها القادم. لقد بدأ عمر رحلة الفشل، والقلق، لكنه ليس مثل فشل جعفر الراوي. كان فشل الراوي حقيقة واقعية مجسدة على الأرض وفي كل مراحل حياته، ومع ذلك فعندما خرج من سجنه، كان فخورًا بكل ما عاشة ” لقد حملت حياة لايقدر على حملها الجن ـ قلب الليل ص7″ بل ومستعدًا ليبدأ الرحلة من جديد فلن يتخلى عن المطالبة بحقه في تركة جده اللعين. لكن فشل عمر الحمزاوي فكرة استبدت به، فاعتراه القلق، وشيئًا فشيئًا غمرة الإحساس بعبث الحياة، ثم دخل في ظلام وعدمية. هكذا نحن أقرب إلى حالة من الوسواس القهري أو الاكتئاب الوجودي كما يقول الرخاوي. لهذا جاءت رحلة عمر في داخله، مراجعة ذهنية لما عاشه. ثم هاهى الحياة تفقد كل نشوة ومعنى، فراح يبحث عن النشوة في الملاهي وبين أحضان اللاهيات، ويبحث عن المعنى في العودة إلى كتابة الشعر الذي كان قد هجره في غمار نجاحات العمل، لكن ” نشوة الحب لاتدوم، ونشوة الجنس أقصر من أن يكون لها أثرـ ص 1 ص14″ و ” الشعر جميل لكن الأجمل منه أن تعيشه ـ ص 98″.

لا هو ولا أحد يفهم سر هذا الضجر والزهد والانحدار المتتابع الذي ضيع به كل ما أنجزه من نجاح في رحلة الحياة. وتتم الماساة بأن اعتزل الحياة تمامًا، فقبع في كوخ ناءٍ، يناجي أشباحًا وأ طيافًا تأتيه من الزمن السحيق، حيث الوحوش الأسطورية، والأقوام البدائية، والطبيعة الغفل. كأنه يغوص في الزمن إلى الوراء. إلى حيث العدم، كأنما هاوية تبتلعه.

كانت رحلة جعفر الراوي كدًا في الحياة، تمردًا عليها، وصراعًا معها، سعيًا لغاية هناك، حقه في حياة كريمة تليق بسليل جده العظيم. غير أن مأساة الراوي لاتتم فصولها إلا بعد أن أمضى عمرًا في السجن، عقابًا لقتل صديقه سعد كبير. وهاهو يخرج أكثر نضجًا وأشد صلابة، لايحيد عن حقه، وها هو يقف أمام موظف الوقف مطالبًا بحقه في إرث جده، وعندما عرض عليه موظف الوقف إعانه ثار لكرامته، ورفض، فليس أقل من حقه كاملاً. هنا رحلة نضال لم تنته،  وبطوله لاتلين في مواجهة الحياة. سيرورة، وليست غاية.

موضوعات متعلقة:

الرحلة..قراءة وجودية في روايتين لنجيب محفوظ (1)

الرحلة..قراءة وجودية في روايتين لنجيب محفوظ (2)

الرحلة..قراءة وجودية في روايتين لنجيب محفوظ (3)

الرحلة قراءة وجودية في روايتين لنجيب محفوظ (4)

الرحلة قراءة وجودية في روايتين لنجيب محفوظ (6)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img