الرحلة قراءة وجودية في روايتين لنجيب محفوظ (6)

سيد الوكيل

فأين هذا من عمر الحمزاوي الذي كانت كل مراحل حياته غايات تنتهي علتها بتحققها.  هكذا كان لا يراكم حياته وتجاربه، كان يتخلص منها أولا بأول ليقفز إلى ما بعدها، فخرج بعد كل هذا صفر اليدين، شحاذًا متسولًا.  تخلى عن نضاله الثورى،  وتخلى عن رفيق نضاله ( عثمان خليل ) الذي دخل السجن فداء له، فيما ظل هو ينعم بالحرية، وتخلى عن الشعر وفضًل التكسب من أزمات الناس وقضاياهم المأساوية ظنًا منه أنه يقيم العدل، وركن إلى الدعة والترف وأهمل صحته حد الترهل والخنوع للرغبات التافهة. وكأني بالعظيم ( محفوظ ) أراد أن يجعل من عمر الحمزاوي نموذجًا شارحًا لجعفر الراوي، أو العكس. الراوي جائع للحياة والحرية والعدل، والحمزاوي مشبع بكل هذا حد التخمة، الراوي يراكم خبراته وتجاربه عبر سيرورة الحياة، والحمزاوي يفقدها من أجل غايات قصيرة وعابرة، لهذا فليس لحياة جعفر الراوي نهاية، فعندما نظن أنها انتهت في لحظة من لحظات السقوط، تبدأ من جديد. وقد حرصنا على تأكيد البناء الراوئي لقلب الليل الذي يبدأ من حيث انتهت حكاية الراوي، لنشير ـ في نهايتها ـ  إلى بداية أخرى لرحلة جديدة بحثا عن كنزه الثمين المفقود، تركة جده الإلهي.

أما الحمزاوي، فلم يجد في رحلة حياته غير الهباء، وهاهو ـ الآن ـ يغوص في ذاته شيئًا فشيئًا حتى انتهى إلى عزلة أشبه بالموت. ” ألم تدرك أنني ميت الحواس؟ ـ ص160″ وهذيان أشبه بالجنون. للراوي رحلة للأمام، معلومة السبب، محددة الغاية هى حقه في حياة تليق به، وللحمزاوي رحلة  للوراء، يلفها الغموض، ولايفهم غايتها ولا منتهاها، مع أنه امتلك كل مفردات الحياة التي نشدها.

 ومع ذلك فكل منهما مشى رحلة وجوده الخاص فما الفرق؟

كانت رحلة الراوي رحلة على الأرض، رحلة وعى بالذات، بدأت من عهد الأسطورة والأحلام ومرت بالمراهقة وفورة الجسد وانتهت إلى الحكمة ونور العقل.  كان الراوي يمتلك بصيرته منذ البداية، هنا ذات واعية، تقطع رحلتها وتراكم وعيها بذاتها عبر الطريق، وعن وعي وبصيرة، ومستعدة لدفع الثمن وتحمل تبعات الطريق مهما كان فيها من شقاء وبؤس. قاسى الراوي عضةالواقع كما يقول مارسيل. أما عمر الحمزاوي، فكانت رحلته في نفسه، عالم آخر، أكثر ظلامًا ووحشة وغموضًا، هو عالم اللاوعي. هنا ذات تبحث عن معنى قديم ضاع منها في رحلة الحياة، فراح يعود للوراء بحثًا عن ما كان يمتلكه، يختبر كل مرحلة عاشها، السياسة والشعر والقانون والحب وكل ذلك، لكنه لم يجد غير الهباء. وهاهو، بعد كل ما حقق في  الحياة من مراحل وقطع من محطات، ظل شحاذًا، يتسول شيئًا لا يعرفه.

 ” أنا أعيش في مقام السؤال لكن بلا جواب

فيرد صديقه مصطفى: ” ولأنه لا يوجد وحي في عصرنا، فلم يبق لأمثالك إلا التسول ـ ص45″.

كان (عثمان خليل) هو الصديق الثالث لمصطفى وعمر، أمضى عشرين عامًا من عمره سجينًا سياسيًا، فيما تمكن مصطفى وعمر  من الهروب أثناء المواجهة وتركاه في قبضة العدو( رجال البوليس السياسي)، وظلا ينعمان برغد الحياة ونجاحات العمل، فيما عثمان يعاني وحشة السجن وخسارة الشباب، وها هو يخرج من سجنه، فيجد صديقاه قد تخليا عن أفكار النضال من أجل الإنسانية، تلك الأفكار التي عاهدوه عليها ودفع حياته ثمنًا لها.  هكذا يظهر عثمان من الماضي فجأة، ليذكرهما بما آل إليه حالهما من فشل واغتراب عن نفسيهما.

لعثمان رحلة جانبية شارحة لرحلة عمر الحمزاوي. خاض عثمان سنوات النضال ودفع ثمن بطولته، وبعدما خرج من السجن، عاد إلى المحاماة، وتولى إدارة مكتب الحمزاوي بعد عزلته وموته النفسي، بل تزوج من ابنته بثينه وعمل على رعاية أسرته وصيانة بيته، لكنه لم يتخل عن نضاله ولم يركن للدعه مثلما فعل عمر، حمل تاريخه فوق ظهرة ومضى، عاود نشاطه السياسي، وهاهو ينتهى إلى مطاردة البوليس له مرة أخرى، هذه المرة بوليس الحكم الجديد، فما أشبه رحلة عثمان برحلة جعفر الراوي.

إن ظهور عثمان خليل في هذا الوقت قد عمق أزمة الحمزاوي، زاد من عمق مأساته. ففى أول لقاء لهما دار ما يشبه العتاب واللوم، وكان عمر سادرًا في صمته، ينظر إلى السماء، أما مصطفى فيحاول إضفاء المرح على اللقاء، مذكرًا عثمان أنه ضحى بعمره من أجل الإنسانية، أما عثمان فيصفعهما بكلماته اللاذعة: “يالفداحة الفشل… لا أصدق ما حل بكما من تدهور..” وفي هذا السياق يصف مصطفى ما حل بعمر قائلًا: ” كأنما يبحث عن نفسه”، فيرد عثمان مقطبًا:” أليس هو الذي ضيعها؟”.

هنا بيت القصيد في محنة عمر الحمزاوي، أنه كسب كل شيئ، لكنه خسر نفسه. وهو الآن يغوص في أعماق نفسه ودهليزها، بحثًا عن اللحظة التي يكون فيها هو ذاته، هذا موقف وجودي بامتياز، المأسىآة، أن الرحلة في الداخل قد تكون مهلكة سوى للأبطال القادرين عليها، إذ كلما أوغل المرء في نفسه لايجد سوى الظلام والخواء. فما أشقى وأصعب أن تكون رحلتك داخلك.

والآن ما تفسير كل هذا؟

في  كتابه ( البنية النفسية للإنسان )”8″ يشير كارل يونج إلى أن الرحلة داخل الذات، نوع من التثبيت الطفولي، الذي ينتهي إلى الحنين الانكفائي، ففي الأساطير تحديدًا، الأقوياء والأبطال من الرجال، هم  الذين ينقادون إلى حنينهم الانكفائي، ويعرضون أنفسهم إلى خطر أن تبتلعهم الهاوية الأمومية ( الخافية)، وكل من يدع نفسه للهولة تبتلعه ويتلاشى فيها فإنما يصل إلى الكنز، الذي يقف عليه التنين حارسًا.

يفيدنا رأي يونج، في تفسير الرخاوي لرحلة عمر على أنها نوع من الاكتئاب النفسي، بمايعني أنه مؤهل لأن تبتلعه ( الخافية )، ولمزيد من الإيضاح يقول يونج: “.. لكن إذا كان الإنسان بطلًا فهو بطل لأنه لم يمكّن الهولة من ابتلاعه، بل يغلبها لا مرة واحدة بل مرات، فالانتصار على النفس الجامعة ( الخافية) وحده هو الذي يعطى المسألة قيمتها الحقيقية”.”9″

إن محنة عمر الحمزاوي أنه أدرك في لحظة الكشف، أنه كسب كل شيء وخسر نفسه. وفي شعوره الداخلى يعرف أنه لم يبلغ البطل الذي كان يريد أن يكونه في بداية نضاله الثوري ( الذي بلغة صديقه عثمان). وفي لحظة الكشف هذه، وعندما قال له العميل:” ألسنا نعيش حياتنا ونحن نعلم أن الله يأخذها؟” راح عمر الحمزاوي ينظر في حياته، فلم يجد البطل الذي ظنه. هكذا جاء حنينه الانكفائي أو النكوصي، ليتمثل الصورة البدئية للبطل. وفي الأسطورة فإن البطل يدخل جوف التنين وتبتلعه ( الأم الخافية)  ثم يخرج بكنز عظيم

كان عمر الحمزاوي  ـ إذن ـ مهيئًا لأن تبتلعه الهولة ( الأم الخافية ) فهو فارغ من كل معنى، لم يحصد غر الهباء، ولم يصارع التنين ليحصل على الكنز، فكيف يتحصل على البطولة؟ لم يكن يملك من طاقة الحياة ما يمكنه من البطولة، لأن طاقة الحياة لاتوهب لنا، ولا نملكها عبر مجرد فكرة، بل عبر رحلتنا في الحياة وقدرتنا على مغالبتها، والانتصار على الهولة مرة بعد مرة.

إن رحلة الراوي رحلة تقدم وتطور على الأرض وفي غمار الحياة ، انكفاء ونهوض مرة بعد مرة،  بينما رحلة عمر الحمزاوي، رحلة نكوصية للوراء وإلى الهاوية. فهل يتمكن من مغالبة الهولة والانتصار عليها، لو فعل لعاد بالكنز، ولوجد نفسه.

تتوقف الراوية عند لحظة القبض على عمر الحمزاوي أثناء مطاردة البوليس لعثمان خليل، كان عمر في سكرات الهاوية يهذي لحظة القبض عليه، مسطحا على الأرض مثل جثة. ومن المفيد أن نقرأ نهاية الرواية بكثير من الإنصات: ” وترامت الاصوات من جميع النواحي المحدقة بالسور، واقتربت رويدًا، وصاح أشد الأصوات إزعاجًا من الأول:

ـ المقاومة لاجدوى لها ولا معنى لها

ولم يرد المختبيء، وغمغمتُ:

ـ كل شيء له معنى.

وإذا بأضواء كشافة تجتاح البيت من جميع الجهات، فتجعله شعلة من نور، وضاق الخناق عليّ في المكان كله، صاح الصوت:

ـ سلم يا عثمان، اخرج رافعًا ذراعيك.

وتأوهتُ متمتمًا:

ـ متى تسكت عني أصوات الشياطين

وصاح الصوت الرهيب:

ـ ألا ترى أن أى مقاومة عبث!

فهمستُ

لاشيء في الوجود عبث

واندفعت أقدام مصحوبة بصياح في الناحية الخلفية للبيت الصغير ، وخرج شبح إلى الشرفة الأرضية المتصلة بالحديقة وزعق:

ـ انتهى .. انتهى.. قبض عليه .. وانتهى كل شيء.

وهمستُ:

ـ ليس لشيء نهاية.”

علينا ملاحظة أن الراوية، مروية على لسان عمر الحمزاوي بضمير المتكلم. كما علينا ملاحظة البعد الوجودي لهذه العبارات التي كان يرددها في لحظة هذيانه:” كل شيء له معنى ـ لاشيء في الوجود عبث ـ ليس لشيء نهاية “.

والآن: لماذا وصل الحمزاوي إلى إجاباته عن أسئلته الوجودية في نفس  لحظة القبض عليه مع عثمان خليل؟

  هل كان عثمان بمثابة ظله الساكن في الجانب المعتم من ذاته؟

هل التقى الحمزاوي بطله القديم في تلك اللحظة؟

 هل كانت هى لحظة الوصول للخافية وملاقاة التنين؟

 هل نجح في مغالبة التنين الحارس وامتلك الكنز؟

هذه أسئلة تطرحها ـ بقوة ـ نهاية الرواية، فتبدو مثل وعد بعودة البطل ( عمر الحمزاوي) ليقص علينا رحلته داخل نفسه، مثلما قص علينا جعفر الراوي رحلته في الحياة بعد خروجه من السجن.

موضوعات متعلقة:

الرحلة..قراءة وجودية في روايتين لنجيب محفوظ (1)

الرحلة..قراءة وجودية في روايتين لنجيب محفوظ (2)

الرحلة..قراءة وجودية في روايتين لنجيب محفوظ (3)

الرحلة قراءة وجودية في روايتين لنجيب محفوظ (4)

الرحلة قراءة وجودية في روايتين لنجيب محفوظ (5)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img