الرحلة..قراءة وجودية في روايتين لنجيب محفوظ (1)

سيد الوكيل

سواء كان، في فكر سارتر الإلحادي، أو في عقيدة كيركجارد المؤمنة، هناك اتفاق على معان جوهرية في الوجودية: الذات ويقصد بها الذات الفاعلة لا الذات المفكرة.

جان بول سارتر
سارتر

كيركجارد
كيركجارد

الواقع: أوما يسميه جبريل مارسيل عضة الواقع”1″، ويقصد بها التجربة الإنسانية ومحصلات الخبرة من الواقع المعيش وليس من المعارف والتنظيرات والأفكار الفلسفية. والوجودية بهذا المعنى فلسفة واقعية، نوع من التأمل وليست نظرية.

جبريل مارسيل
جبريل مارسيل

أما الثالث فهو: القلق الوجودي من حيث الشعور باليأس والعدمية وفقدان المعنى، وهو الدافع إلى رحلة البحث عن الحل الوجودي، عبر طرح الأسئلة الوجودية على الذات.

وهكذا تظهر الوجودية تمركزها حول الذات، فكل شيء ينطلق منها وينتهى إليها، عبر صيرورة  يعيشها ويدرك كنهها الإنسان متفردا بذاته. لهذا، تمد الوجودية جذورها لمقولة سقراط: ( أعرف نفسك بنفسك).

إنها فلسفة عن الذات أكثر منها عن الموضوع، ويعني هذا التأكيد على الذاتية، ضرورة تحديد موقع الذات من الوجود، بمعنى أنه: إذا كان الوجود سابقًا على الماهية، فإن الذات تكون أولا وقبل أي شيء. ثم تسلمنا الذاتية، إلى نوع من الفردية الجميلة بحسب (شيللر) وهى بهذا المعنى، مبدأ أخلاقي وجمالي في نفس الوقت. وأخلاقية الوجودية هي التي تضمن المسئولية والالتزام عند سارتر، كما تفسر المعنى الجمالي للوجودية بوصفها معرفة أدبية وجدانية وليست فلسفة أو نظرية. وهذه صفة تذكرنا بالرومانسية كما عند وردزرث وجون كيتس، أوصوفية كازنتزاكيس. أي أن الوجودية ممارسة، طريقة حياة وليست فكرة مجردة. وهو ما يسمية عضة الواقع، الذي يحرك القلق الوجودي.وسنعول ـ هنا ـ على هذا المعنى كثيرًا.

ولعل المعنى الدارج: كن جميلًا ترى الوجود جميلًا، على بساطته وابتذاله، يسبر غورًا عميقًا في الوجودية. على أن الجمال ـ هنا ـ ينسلخ عن  المنطق المجرد والقياس الأرسطي. إنه  واقعي وحسي، أو على نحو ما يذهب كيركيجار: ” فيما يجتهد الفكر المجرد ليفهم المحسوس فهما مجردًا، نجد الفكر الذاتي أو الوجودي، على العكس، يجتهد ليفهم المجرد محسوسًا”،”2″.

يقول تيري ايجلتون في ( معنى الحياة): ” اليقين العقلي مهلك للروح، لأنه إذا حدث تحول أو انحدار أو كسوف للمعنى، تتحول الحياة إلى تراجيديا عنيفة”.”3″

تيري ايجلتون
تيري ايجلتون

غير أن هذا الموقف المناهض للعقلانية المجردة، ليس موقفًا وجوديًا من العقل، بقدر ما هو موقف من الحداثة، التي أغرقت العالم في ضلالات العقل وروافده الموضوعية والعلمية، حتى نصبت نفسها بديلًا للميتافيزيقيا، ومن ثم أنتجت أوهامها المنطقية. إن الواقعية تدعو إلى نبذ كل الأوهام بأي دعوى، حتى وإن كانت بدعوى الدين أو العقل. لقد كانت رحلة الإنسان مع العقل، موضوعًا أثيرًا عند فلاسفة وأدباء الحداثة على نحو مايقول تيري ايجلتون:” إنهم، كانوا يملكون تصورًا منطقيًا منظمًا ومنضبطًا عن العالم، فوقعوا في التشاؤم والبؤس، حيث أنهم أدركوا أن هذا الانضباط والتنظيم والوضوح المنطقي، سرعان ما يتلاشى مع الحركة الزمنية، فالحياة ـ هكذا ـ لامنطقية ولا عقلانية وعلى قدر كبير من الغموض”.”4″

وهكذا، يمكن فهم الوجودية، ليس على أنها موقف مضاد للحداثة فحسب، بل هى موقف طليعي، يستشرف آفاقا جديدة لإنسان ما بعد الحداثة، من حيث إدراكه لذاته وماهيته. بما يستلزم الرحلة في الذات للوصول إلى ماهية موقفها، ومن ثم إدراك الوجود، على نحو ما يقول عبد الرزاق الجبران في الموقف الوجودي للدين: ” الوجودية ليست أيديولوجيا،  بل هى تجربة،  ورحلة تعكس الفشل، وتنتهي إلى التوقف عند نقطة، هي بالضبط ما أنت عليه، هى وجودك هنا والآن”. “5” الحل ـ إذن ـ ليس تجربة جمعية، لا أيديولوجيا، ولافلسفة كلية، ولا عقيدة دينية، التجربة الفردية للإنسان، هى الطريق للخلاص. ومع ذلك، فالطريق ليس معبدًا ولا متاحًا بالمرة. بل مغمورًا بالأشباه والضلالات، مؤد للتيه أكثر من أي شيء آخر. ولذلك، سنعول ـ هنا ـ كثيرًا على الرحلة التي تعكس القلق الوجودي، ونحن نقرأ هذه الروايات. إن الرحلة قد تكون رديف الوعي والمعرفة، سواء في معناها الواقعي على نحو ما مشاها ـ ثائرًا ـ جعفر الراوي بطل رواية ( قلب الليل ) بوصفها خبرة فردية، بعدما اعترته أزمة وجوده في تعارض ذاته مع ذات الجد العظيم الإلهي الملامح والصفات. أو في معناها النفسي. الغوص في الداخل ـ أيضا ـ رحلة في كنه الذات  تعكس القلق الوجودي كما عاشها بطل رواية الشحاذ. انهيار دعائم الوجود، وتبدى الوجه العبثي للحياة، السقوط في الجب المظلم الرهيب، الذي انتاب الشحاذ عمر الحمزاوي، فراح يتسول وجوده من الطبيعة ومن أبيات الشعر ( إن كنت تريديني فلماذا هجرتني ) ومن حبة رمل في الصحراء, من وحي غامض يتبدى له في الأحلام ونوبات الهذيان.

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ

واذا كان ثم اتفاق بين الوجوديين بنوعيهما( الملحد والمؤمن ) على فردية الرحلة، إلا أن بعض الباحثين في انثربولجيا ما بعد الحداثة، يرون أن المجتمعات يصيبها ما يصيب الأفراد من سأم وقلق، وتقطع رحلتها الجغرافية بحثًا عن مكان . وفي هذا السياق يتساءل ميشيل مافيزولي :” أوليس القلق والتوتر الداخلي، هما بنهاية الأمر ، الخصيصتان الكبيرتان لكل دفعة حيوية، بما فيها الانطلاق نحو التيه وشد الترحال للضرب في مناكب الأرض؟”. “6”

يرى ميشيل مافيزولي أن تجربة التيه الاجتماعي لاتقل خصوبة في معناها عن التيه الفردي، بوصفهما انفعالًا وجوديًا. ولو ممدنا الأمر على استقامته، يمكننا أن نرى، ما يعيشه المجتمع المصري الآن من قلق وتوتر بعد ثورتين، تحركت كل منهما في اتجاه معاكس للآخر، وما نتج عنه من تشظي وتوزع القيم ورغبة عميقة في الترحال والهجرة الخارجية والداخلية، ونزعات إلحادية وأخرى متدينة وثالثة تعاني حيرتها وتبحث على نحو فردي عن خلاص وحل. إن رؤيتنا للأمر على هذا النحو التراجيدي العنيف لمجتمعنا، قد يجعلنا أكثر حرصا على إثارة الأسئلة الوجودية الآن، وبعد انتهاء الحداثة التي كانت دافعًا لظهورها في القرن الماضي. وهو نفس الأمر الذي يجعلنا حريصين على مراجعة وقراءة روايتين قديمتين لنجيب محفوظ، لنرى الى أي مدى، كان وعى المبدع الكبير مهتمًا بالمعنى الوجودي، ومدركًا لمعطياته، ومجسدًا لها عبر مفهوم الرحلة، رحلة الإنسان، التي تعكس إخفاقاته وقلقه، لينتهى إلى النقطة التي يكون فيها بالضبط، هنا والآن.

موضوعات متعلقة:

الرحلة..قراءة وجودية في روايتين لنجيب محفوظ (2)

الرحلة..قراءة وجودية في روايتين لنجيب محفوظ (3)

الرحلة قراءة وجودية في روايتين لنجيب محفوظ (4)

الرحلة قراءة وجودية في روايتين لنجيب محفوظ (5)

الرحلة قراءة وجودية في روايتين لنجيب محفوظ (6)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img