الرسالة والرسول قراءة في ديوان أكتبُ بالدم الأسود للشاعر حسن عامر (1)

د. الضوي محمد الضوي

  مهاد لابدّ منه:

“عندما أبدع هذا الكون ربّ العالمينا / ورأى كلّ الذي فيه جميلا و ثمينا /خلق الشاعر كي يخلق للناس عيونا/ تبصر الحسنَ و تهواه حراكًا و سكونا/ وزمانًا، و مكانا، و شخوصًا و شؤونا/ فارتقى الخلقُ و كانوا قبله لا يرتقونا/ واستمرَّ الحسنُ في الدنيا و دام الحبّ فينا”

***

بهذه الأبيات للشاعر إيليا أبو ماضي يروق للباحث أن يبدأ قراءته في ديوان “أكتب بالدم الأسود” للشاعر حسن عامر؛ إذ يقدّم الديوانَ الشاعرَ – كل شاعرٍ- بوصفِهِ عينَ الإنسانية البصيرة النيّرة، الهادية إلى الجمال، الكاشفة عن مكامنه، والناهية عن القبح، المتصدية له بفضحه، وإن استشرى و سَطَا، إن “الشاعر” وفقًا للديوان الذي بين أيدنا لهو عَرّابُ النور، وعَلَمُ الجمال، وحامل رسالات الخير والحريّة.

وانطلاقا من القول بأن” كل قراءة هي لون من ألوان التشبيه، وهي لون من ألوان التلقي التأويلي الخاص”([i]) كذلك  من أن “القراءة هي البحث عن المعنى من خلال الاعتماد على علامات موجودة في النص، وعلى قرائن توجّه دلالة هذه العلامات”([ii]) فإن الباحث يحاول الاقتراب من العوالم الشعرية للديوان، عبر هذه القراءة التي هي أقرب للتحليل الثقافي، منها إلى غيره.

ولقد يشير الجذر اللغوي “شعر” في معاجم العربية إلى العلم والدراية “أَشْعَرَهُ الأَمْرَ وأَشْعَرَه به: أَعلمه إِياه… وأَشْعَرْتُه فَشَعَرَ أَي أَدْرَيْتُه فَدَرَى. وشَعَرَ به: عَقَلَه… والشِّعْرُ منظوم القول، غلب عليه؛ لشرفه بالوزن والقافية، وإِن كان كل عِلْمٍ شِعْرًا ” ([iii])

ووفقًا للثقافة العربية –قبل ظهور الإسلام- فإن الشاعر مهبط العلم والمعرفة في قومه؛ فما يقوله ليس قول بشر، إنما هو مما توحيه له قوى خارقة، غيبية، هي الجنّ، وهو بذلّك مُقَدَّمُ قبيلتِهِ ولسانها الذي ينشر مفاخرَها، ويخلّد انتصاراتها، ويتصدّى لعدوّها بنشرِ مثالبه، وهزائمه، كل هذا بتلك الوسيلة الإعلامية والمعرفية الأكثر ثِقَلًا وأهمية، وهي الشعر.

ولم يدافع تلك المكانة الكبرى للشاعر عند العرب، سوى مكانة النبي -بعد ظهور الإسلام- لا النبي محمد -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- فحسب، ولكن مكانة النبيّ في ذاتها أيضا، وكان لابد أن تكون للنبي المكانة الأسمى والأكبر، حتى يُسْتَمَع له، وإلا سُوِّيَ بينه وبين الشعراء؛ ولم يكن في نظر العرب لوجوده علّة، لهذا وحسمًا للصراع الثقافي الضمني بين مكانة النبي ومكانة الشاعر، راح النص القرآني ينفي في أطوائه صفة كونه شعرًا، وصفة كون النبيّ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- شاعرًا، بل قرن الشعراء بأولئك الذين تتنزل عليهم الشياطين-بواو العطف كما سنتبين من الآية- حيث تنزّل على كل أفّاكٍ أثيم، بينما يتنزل روح القدس-الملاك جبريل- على النبي، ليلقي عليه قول الله تعالى، يقول الله تعالى من سورة الشعراء “هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ ﴿٢٢١ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ﴿٢٢٢ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ﴿٢٢٣ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ﴿٢٢٤ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ﴿٢٢٥وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ﴿٢٢٦ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّـهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ﴿٢٢٧“. ولم يستثنِ الله من ذمّ الشعراء إلا أولئك الذين يؤمنون به ويعملون الصالحات، ويذكرونه كثيرًا، وينتصرون بعد ظلمهم، أي من يتبعون النبي وينصاعون له

لكن يظل ثمة سؤال: لماذا قالت العرب إن القرآن شعر والنبي شاعر وليس نبيًّا؟ هل لم تكن العرب تعرف الفارق بين القرآن والشعر؟ يرى الباحثُ أن المعادين للنبي اتهموا القرآن بالشعرية، ليسوّوا بين النبي وبين الشعراء، رغبةً في دحض أهمية الرسالة، وما دامت متوفرةً لديهم سلفًا في قول الشعر، وكيان الشاعر، فما الحاجة إليها؟ وقد ارتكزوا في اتهامهم للقرآن بالشعرية على ما أنبأ به القرآن من عوالم لا ينبئ عن تفاصيلها سواه –خاصةً أن المُدِينين بالأديان السماوية المماثلة قلّة، مقارنة بمجموع العرب وقتئذ، وهؤلاء المدينون حريصون على ألا تصير معارفهم الدينية مشاعًا لكل أحد- إن القرآن الكريم احتكر معرفة ما ينبئ به، وهكذا يكون الشاعر، بارزًا في قومه محتكرًا لمهارة القول والإخبار فيهم، لا يقول ما يقوله سواه، إنما يتفرّد، النص القرآني أيضا تفرّد في الحديث عن تفاصيل بعينها مثل الحديث عن المصير الإنساني في الحياة الأخروية، بداية بالموت والنفخ في الصور والبعث مرورا بأخبار الحساب والجنة والنار، فضلا عن الحديث عن أول الخلق وبداية العالم، وهي أخبار لا سند لها في حياتهم اليومية، وقد تعوّدوا أن من يرى ويعرف ما لا يعرفون إنما هو أحد اثنين: كاهن أو شاعر، ولم يكن الكاهن صاحب مهارة لغوية وتصويرية مثل الشاعر، بينما هم -إزاء النص القرآني- أمام نص يلتقي مع الكهانة والشعر في الإخبار بالغيبي، ويلتقي بالشعر فقط دون الكهانة، في الصوغ اللغوي الفائق، وهم أمام شخص يقول إن هذا الكلام يوحى إليه من قوى غيبية، والشاعر كذلك، فلماذا لا يكون شاعرًا؟

دافع القرآن بكثير من الوضوح والقوة عن كونه ليس شعرًا، وعن أن النبي الكريم نبي وليس شاعرا، لأنها لم تكن وظيفته ولا حقيقة أمره، ولأن الشاعر والشعر مجدّفان باتجاه المعرفة والإدهاش بكل وسيلة، وعمادُ أمرهما الخيال والتوهّم، أما القرآن والنبي فهما مُحَدَّدَا المهمّة والبنية والهدف، ومختلفان تماما عن الشعر والشاعر في أنهما ينبئان عن حقيقة عقيدية كاملة لا ريب فيها ولا تخيّل ولا وهم.

ولأجل هذا مثّل الشاعر والنبي-ضمنيّا- ثنائية متعارضة ظل تعارضها مطروحًا في الثقافة العربية، ولقد كانت الأمور عند جيل الصحابة والتابعين واضحة جلية، ولم يكن الشعر مستهجنًا في مقابل النص القرآني، بل استعان الشيخ ابن عباس على تفسير القرآن الكريم بالشعر، ولم يكن نفي الله عن القرآن صفة الشعرية، وعن النبي صفة الشعر، إلا من أجل تحديد المهام والوظائف كما أسلفنا، لا من أجل التحقير من أمر الشعر وأهميته، وإلا لامتنع المؤمنون بالدين عن قرضه وحفظه وترداده، وهو ما لم يكن، أما لاحقًا، فقد تنازعت -في وعي البعض- المكانة التي يحتلها النبيّ –وفي لسان العرب: النبيُّ: ما ارْتَفَع من الأَرض… والنبيُّ العَلَم من أَعْلام الأَرض التي يُهتَدَى بها. قال بعضهم: ومنه اشتقاق النبيّ لأَنه أَرفع خلق الله، وذلك لأَنه يهتدي به هو البارز في قومه([iv])- والمكانة التي للشاعر، لعلّ هذا هو ما حدا بأشهر شعراء العربية لادعاء النبوّة، طمعا في تلك المكانة الكبرى، وهو أبو الطيب أحمد بن الحسين  المتنبّي، الذي جاء لقبه من واقعة تنبئه..

***

ولقد راحت القصيدة العربية الحديثة تستلهم تراثها العربي الثقافي، تتعاطى معه، وتستمدّ منه رموزها، وكثيرًا من قضاياها، وترتكز عليه وهي تصبو إلى مستقبلها بين أقرانها في الثقافات الإنسانية المتعددة، دفع هذا كثيرًا من الشعراء العرب المعاصرين إلى استعارة أقنعة تنتمي لذلك التراث، مستعينين بها في طرح رؤيتهم الشعرية، ونعني بالأقنعة الشخصيات ذات الأهمية التاريخية والثقل الثقافي في تراثنا العربي، فهذا هو أمل دنقل يستعير قناع أبي نواس في قصيدته (من أوراق أبو نواس)، وقناع المتنبي في قصيدته (من ذكريات المتنبي في مصر)، وها هو أدونيس يستعير قناع الشاعر العباسي مهيار الديلمي في ديوانه (أغاني مهيار الدمشقي)، وصلاح عبد الصبور يستعير قناع الشيخ الحلاج، أحد كبار الصوفية الأوائل، في مسرحيته الشعرية (مأساة الحلاج)، وغيره كثير.

***

وفي الديوان الذي بين أيدينا يستعير الشاعر لا قناعًا بعينه، بل نمطًا ثقافيا، هو نمط  (الرسول/النبي) ([v])، ليطرح عبره رؤيته الشعرية، فالذات الشاعرة في هذا الديوان، تعبّر عن نفسها بوصفها ذاتًا حاملة لرسالة إنسانية، لهذه الرسالة مضامين سامية تعلي من شأن الإنسان، وقيمه النبيلة، كالخير والحب والجمال والحرية في مقابل الشرّ والكراهية والقبح والظلم والإفساد.

***

جاء الديوان في ثلاث عشرة قصيدة، بدأت بقصيدة مفردة هي قصيدة “نشيد”، ثم بابين، أولهما عنوانه (أربعة فصول خضراء)، وحوى أربع قصائد، والآخر عنوانه “من كتاب الوقت” وحوى ثماني قصائد، وتشير بعض عناوين تلك القصائد مباشرة إلى نمط (الرسول)، مثل (ما قاله الراعي) و(العارف بالسر) و(أنبياء الهامش)، فلا يخفى أن الراعي هو حامل المسؤولية، البارز في رعيّته، الموجّه لهم، وهو أيضا (العارف بالسر)، مما يجعله مائزًا عنهم..

ويصدّر الشاعر ديوانه بمقولة للأديب والفيلسوف اليوناني نيكوس كازنتزاكيس، اختارها الشاعر لتكون خطابا للإنسانية جميعها، إذ يعنونها بقوله: (إلى أخي الإنسان)، وهكذا هو خطاب الأنبياء لأممهم، يقول كازينزاكيس: “إنَّ كرومَ هذه الأرض ملكٌ لنا، إنها لحمنا ودمنا، نحن الذين نحفرُ لها التربة ونشذِّبُ فروعها، ونجني عنبها ونعصره، ونشرب النبيذ، ونغني، ونبكي، وتصعدُ إلى رؤوسنا أفكارٌ وأحلامٌ”. إنه ذلك الخطاب الجمعي، الذي يوجّه الإنسان إلى أن يطالب بحقّه ضد مغتصبيه، ولا يسمح لأحد بمصادرة مقدّرات العيش، أو باحتكارها، لأن كروم هذه الأرض ملك للجميع.

وعنوان الديوان (أكتب بالدم الأسود) يحيلنا إلى مقولة للفيلسوف الألماني فريدرش نيتشه من كتابه (هكذا تكلم زرادشت) يقول فيها “من بين كل المكتوب لا أصدق سوى ما يكتبه الشخص بدمه”. وبمحاولة فهم فحوى العنوان وفقًا لهذه المقولة، فإنّ الذي يكتب به الشاعر ديوانه، ليس حبرًا، وإنما هو دمٌ، أسود؛ دمٌ لأن المكتوب حقيقي وصادق، ويدعوك إلى تصديقه -هكذا يفعل نيتشه، يصدق المكتوب بدم- وأسود لأنه حبر الكتابة، وهكذا هي الرسائل السماوية أيضا، يدعوك حاملها إلى تصديقها، لأنها أصدق ما يمكنه أن يقوله لك، وهي في الآن ذاته، دمه النابض الحيّ، دمه الأسود، مداد الكتابة، وقدسيتها الأبهى.

ويأتي الحديث عن الذات الشاعرة (الرسول) مستخدمًا ضمير المتكلم حينًا، والغائب حينًا آخر، ويقف الشاعر في أكثر من موضع أما وصف تلك الذات/الرسول، لأنها من الأهمية بمكان، فعلى قدر أهمية تلك الذات وتأهُّلها لحمل الرسالة، يكون عِظَمُ الرسالة ذاتها، فهو صاحب الروح الهادرة الجاهزة للسعي، صاحب الكف البيضاء بلا سوء، مثل النبيّ موسى، قلبه قطعة موسيقى مطربةٌ للجميع، ودماؤه نهر عسل شهيٌّ إذا عُدِمَ الفقيرُ قُوتَه، يقول من قصيدة “نشيد”:

“مازالتْ روحي جاهزةً للسعي/وكفّي بيضاءَ بلا سوءٍ/ وعلى أعرافِ المشهد أبناءٌ/ معصومونَ من الحَدَثِ يغنونَ،/ وقلبي قطعة موسيقى/ ودمائي نهرٌ من عسلٍ،/ غافلتُ الجندَ، وحاذيتُ الشهداءَ”.

من أجل كل هذه المؤهلات فهو قادرٌ -متى تَبِعَهُ العالم، وآمن برسالته- أن يفعل ما لا يستطيع فعله سواه، يقول من القصيدة ذاتها:

“وبوُسْعي، مادام العالمُ يتبعني/ أن أعبرَ بالناسِ إلى الناسِ/ خفافًا مِن كل مجنزرةٍ،/ وبوُسْعي، مادام الوردُ على الأرضِ، بوُسْعي/ أن أخرج حنجرتي /وألوِّحَ لجميعِ الأحياء/ تعالوا / سنغنِّي…”

([i] قراءة النص: عبد الرحيم الكردي، من مقدمة الكتاب للدكتور أيمن تعيلب، الهيئة العامة لقصور الثقافة، سلسلة كتابات نقدية، عدد 209، القاهرة 2013، ص 7، ص 8 .

[ii]) السابق: ص29.

 ([iii]محمد بن منظور الأنصاري: لسان العرب، تحقيق عبد الله أبو كبير، وآخرون، ط دار المعارف، القاهرة، د.ت، مادة (شعر).

([iv] السابق: مادة (نبأ).

[v]) جدير بالذكر أن الباحث سيستخدم كلمتي الرسول والنبي، بالمعنى ذاته تقريبا؛ لأن الفروق الدلالية بينهما لا تعني البحث الذي بين أيدينا، إنما يُعنى البحث بما يجمعهما من دلالات تشير إلى شخص يتحقق فيه تواصل معيّن مع الله، فيكلفه الله بدعوة مجموعة من الناس إلى دين سماوي له أوامر ونواهٍ، ويؤيده في ذلك بالمعجزات الدالة على صدق دعواه.

الجزء الثانى من الدراسة:

الرسالة و الرسول قراءة في ديوان أكتبُ بالدم الأسود للشاعر حسن عامر (2)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img