السرد البصري وتشكيل المتخيّل

السرد البصري وتشكيل المتخيّل في ديوان ثمة أشياء لن يجربها لمنتصر عبد الموجود

صالح السيد

ليس بوسع النص الشعري أن تنفتح طاقته، ويتكرس حضوره،دون الحاجة الأصيلة،والرغبة الملحة،في تجاوز بلاغته المألوفة بحثاً عن بلاغته الخاصة التي تتميز ابتداء من طباعيته ومرورا بتركيب لغته ووصولا إلي علاقة النص المكتوب بالقارئ ضمن هذه البلاغة الجديدة .

ترتكز مغامرة النص الشعري للشاعر  “منتصر عبد الموجود” في ديوانه” ثمة أشياء لن يجربها ” علي السرد البصري/الطباعي،الذي يتسم بالتتابع الكتابي وتواصل السياق وامتداده عبر سطور أفقية،تواصل اكتمال نفسها ،وتتنامي من غير تقطيع أو فصل بمساحات بيضاء،بحيث تشكل صياغة بصرية تتماثل مع النسق النثري .

وبينما يشتغل المتخيل الشعري علي المرجع الديني /المثيولوجي،فإنه يتجاوز المحاكاة أو الاستنساخ،ويعلن عن توظيف أنساق جديدة خاصة به،تستند إلي طاقات التحوير والتوليد والابتكار،وتفيد حركية التعبير الشعري كثيرا من لغة الحكاية الداخلة في كيمياء النص الشعري،وهي ترشح آليات سردها لتفعيل نظم الحركة في بنية النص،ودفعها باتجاه شحن قوتها الشعرية بقوة سردية مضافة ،كما تنهمك لغة التعبير الشعري في حساسيتها الداخلية وخصوصية منظوماتها إلي المزيد من التركيز والتكثيف للوصول إلي طراز تعبيري شديد الشعرية ومتوهج بطاقة اللغة وهو ينعكس برهافة وعمق علي مرايا الصورة .

1 – أسطورة خلق الزمن :

” كان الليل والنهار طائرين في فضاء الله يطارد أحدهما الآخر حتي إذا تعب المُطارد تبادلا دوريهما في دأب لا حدود له .. ، قال الله : اهبطا الأرض لتشهدا علي بني آدم

فاتشح طائر الليل بالسواد معتمرا عمامة القمر ، واختار طائر النهار السفور متواطئا والشمس ، ضحكت الأرض لرؤيتهما غير أنهما تعاليا عليها ؛ فأطلقت غواية الشتاء علي طائر الليل الذي راح يقطع المسافات غير آبه برجع صيحته المسنون بتلاشي الشغف وانطفاء الشهوات ، وأطلقت علي طائر النهار غواية الصيف؛فشوهد مغلولا بالصخب والحر موجوعا بهباء المراوحة بين الفعل واللافعل .”

ينهض تشكيل فضاء الحكاية علي فعالية سردية إخبارية وتخضع الشخصيات ( الليل – النهار – الأرض ) لدرامية متحولة، ويتبدي الطائران رمزيْن أسطورييْن وهما يعكسان حرية العالم وحريتهما معاً قبل إعتقالهما في لونيْن،وتقيدّهما في مسار،وإحتكارهما في زمن – وهنا يظهر الزمن نقيض الحرية – وبينما يتسم وصف الراوي لطائر الليل بالكساء/الحشمة،يدين وصفه طائر النهار ( اختار السفور متواطئا والشمس )، وتنسج الحكاية العلاقة بين ( الطائريْن ) و( الأرض) علي غرار العلاقة بين ( أبليس ) و(آدم ) مع تبديل موقع الغواية،وبذا يعكس النص رمزية أسطورته إذ أن خلق الزمن، كخلق آدم كلاهما ينشأ عنه: اشتباك الصراع ،  حياكة المكيدة ،سقوط الضحايا .

2 – ثنائية الفداء ( إسماعيل – عيسي )

  • النبي إسماعيل :

” تركني أبي في الصحراء رضيعاً؛ فأٌجبرت أمي علي مناجزة السراب ، ولما تفجّر الماء عند قدمي أرشد الطير القبائل فاستكانت للأمان في جواري مستشعرة فخر الانتماء إلي رقبة عاشت مهيأة لسكين الرب المانح أبي – علي شيخوخته – ابنا لا يأبه بإصرار شيعته علي استبدال رقبته برقبتي .. يقطع معي الطريق إلي النور دون مشاركتي بدر العربية المكتمل في لساني ومتعة الخيل إذ تأنس إلي يميني وتزهد في البراح .”

يتماهي الراوي/الشاعر مع الشخصية والزمن عبر ضمير المتكلم ،وتحتشد الشخصية بحضور فاعل، تبوح بلحظة بهائها وقدرتها علي الفعل ، وتستدعي زمنا سرديا يرسم ملامحها ، ويتكرر الفعل السردي أكثر من مرة رغبة في البقاء في عالم الحكي والنص والبوح والتأمل للذات .

وينثر الراوي بذور الشعرية في تربة الحكاية عبر مسار السرد ووصف الشخصيات فالأم ( أحبرت علي مناجزة السراب ) والقبائل العربية ( استشعرت فخر الانتماء إلي رقبة عاشت مهيأة لسكين الرب ) ، وترصد الشخصية حالة التحقق عبر اللغة ( بدر العربية المكتمل في لساني )،وعبر المكان ( متعة الخيال إذ تأنس إلي يميني وتزهد في البراح ) في مقابل  حالة الأغتراب من جهة الأخ ( إسحاق )،وتتجاوز الحكاية الحدث إلي التاريخ،إذ يتحول الفداء من أجل الرب إلي صراع من أجل الأرض،وتنفصم علاقة الدم ( إسماعيل – إسحاق ) إلي صراع الهوية ( عربي/مسلم – إسرائيلي/يهودي)

  • الرسول عيسي:

” عندما تنظر في لوحين من الخشب ربما تفكر في شجرة عوملت بغير رحمة ، وعندما تنظر إلي لوحين من الخشب متقاطعين ربما تفكر في الاسراع بإحياء الموتي وشفاء الأكمه والأبرص والأعمي ، ثم الفيض بركة علي طعام بني إسرائيل وخمرهم .. ليس أمامك الدهر بطوله ، فما أن ينصب الصليب لا يكف عن صراخ مصلوبه .”

يمنح ضمير المخُاطب الراوي فرصة مراقبة الذات وتأملها وحصارها والحوار معها،كما يفتح له مجالا للتداخل مع الشخصية ويحول المتلقي إلي مروي له ، شريكاً في الحدث ، ومسئولا عن النتائج ،ويغاير الراوي من طبيعة الحدث ويعيد ترتيب الأطراف من الإنسان/ الإنسان إلي الإنسان /الطبيعة ، فالجريمة قبلية ، والإدانة لاحقة ،ويأتي طلب المغفرة والعفو عبر إعادة الحياة التي سلبت من الشجرة إلي الآخر ( الاسراع بإحياء الموتي وشفاء الأكمه والأبرص والأعمي ) ، وتتبدي رمزية الحدث في شمولية الجريمة /الإدانة ، واستنهاض الفرد / المجموع – الآن –  في غسل يدية وتطير نفسه .

3 – ثنائية الحقيقة  ( موسي – الخضر) :

” عندما تلقي رجلا أوتي من العلم ما لا تستطيع عليه صبرا ، فلا تسأله أن يعلمك ، بل لا تسأله أي شئ .. فقط اتبعه محافظا علي مسافة تسمح لك بتنسم عبير رقته وهو يخرق السفينة والانتباه لآلية الموحي إليه بقتل صبي كان سيرهق أبوبة كفرا ، فإذا ما استنرت بنور تخليص الأعمال من مسببابتها الأولي ؛سبقته يداك إلي إقامة جدار كان في نقضه هزيمتك وفوز قرية من اللئام ، فيبش في وجهك ثم يخبرك معتذرا : .. وهذا إيضا فراق بيني وبينك … ثم يمضي بعباءة خضراء تزحم خيالك كلما تذكرت أرض مصر .. ”

يعاود الراوي استخدام ضمير المُخاطب، متداخلا مع ضمير الغائب،إي الحضورالشهودي والغياب المجسد، في قصة التباس الحقيقة ( موسي – الخضر )،ويفرض علاقة قرائية ثلاثية ( الشخصية – الآخر- المروي له ) وينقل السرد من المستوي الأفقي ،إلي المستوي الرأسي،وينهض  تشكيل الحكاية علي فعالية سردية إخبارية (عندما تلقي رجلا أوتي من العلم ما لا تستطيع عليه صبرا) وفي محاولة لاستكمال الحكاية وإرجاء وتجنب التعطيل (وهوما حدث في القصة الحقيقية ) ينزع الراوي إلي بسط سطوته علانية عبر النهي الباتر الصريح (فلا تسأله أن يعلمك ، بل لا تسأله أي شئ) ،ويستمر الراوي في فرض وصايته علي الشخصية (اتبعه محافظا علي مسافة – والانتباه لآلية الموحي إليه) ، وفي انحياز صريح “للخضر” يعمد الراوي إلي شعرية مغايرة للحدث(مسافة تسمح لك بتنسم عبير رقته وهو يخرق السفينة) ، وفي مشهد الفراق الاختتامي ، تترسخ شخصية الخضر- الذي يتحول إلي هيئة اسمه – في ذاكرة الحكاية وخيال موسي وبصر المتلقي (يمضي بعباءة خضراء تزحم خيالك كلما تذكرت أرض مصر) .

الهوامش :

1 – بلاغة المكان : فتحية كحلوش

2 – آليات السرد في الشعر العربي المعاصر : د. عبد الناصر هلال

3 – تشكيل المتخيل في شعر محمد آدم : د. محمد المسعودي

4 – إشكالية التعبير الشعري : د. محمد صابر عبيد

 

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img