السيرة الفردية والجماعية في ديوان أوراق الشمال والجنوب (2)

 عادل ضرغام

الجنوب المحكي

الارتباط بسياق جديد، أو التشكل وفق معالمه المغايرة يمثل خروجا عن النسق، وكل عودة إليه نظرا لفكرة المغايرة تتجلى وكأنها مقاربة جديدة في معانقة العوالم والأشياء والكلمات واللغة بسمتها البدائي، وكأنه في مرحلة التعرف الأولى، أو التعرف الفطري على الأشياء، والنمط الطبيعي في الشعور بالحنين، وتعلم الخطو.

وعلى هذا الأساس يشعر القارئ للديوان أن الجنوب في شعر الشاعر أشبه(بالمقدس) الذي يحاول الشاعر الاقتراب منه، وإذا وجدت هناك صعوبة في الوصول إليه في مرحلة زمنية محددة-غالبا مرحلة الطفولة- فإنه يحاول الوصول من خلال الاقتراب من أهله، فإن لم يستطع ملامسته بنفسه، فيلامسه من خلال الحكي على ألسنة الكبار. والحكي يصنع هالة حول هذا المقدس، ويعاين توزعه في لحظة الانقطاع عنه بين الشمال والجنوب:(وفتحت قلبي كالحديقة للجميع/ أنا الشمالي ابن أمي/ كنت أركض في الشوارع والحقول وراءها/أمشي كما تمشي/ وأحفظ خطوها من أن تشيبه السنين/ وكنت أقفز كالطيور المنزلية حولها/ لكن خطوي كان أصغر/ كنت أجمع ما تناثر خلفها من ذكريات/ عن أبي وعن الجنوب).

الجزء السابق يكشف عن أن العلاقة بهذا الجنوب المقدس المحاط بهالة كبيرة علاقة سماعية قائمة على الحكاية، وفي بداية التعرف الأولى تتلقى الطفولة هذه الحكايات بخيال منفتح وثّاب، لأنها الحكايات التي يدلف منها إلى تشكيل المقدس. ويكشف النص الشعري عن تحول في استراتيجيته، فالسارد في الجزئين المتوالين الخامس والسادس ليس الشاعر أو الذات الشاعرة، فهو يترك مهمة السرد للأم وللحوار المحكي بينها وبين الأب.

ففي الجزء الخامس من النص يأتي الخطاب على لسان الأم، بوصفه حكاية للصبي أو للطفل الصغير، وعلى كونه يمثل بداية التعرف الأولى بين الأب الجنوبي، والأم الشمالية، فتعيد من خلاله تشكيل السيرة الفردية للأب، والسير الجماعية للأنماط المشابهة المنضوين في إطاره، وكيف يتم فتح دائرة اندماج، أحدهما منفتح على الآخر لكنه مشدود الجذور للجنوب، متجذر فيه وفي طباعه وتقاليده.

أما في الجزء السادس من القصيدة هناك استكمال للحكاية من خلال الخطاب المحكي بين الأب والأم، وهو جزء مقتطع من السيرة، سيرة الأب، وسيرة المشابهين له، سيرة النسق أو الإطار، ليكشف عن حكاية تحدث وتستعاد وتتكرّر، فالذات في رحلة بحثها     تحاول استعادة الهدوء من خلال جزء مكمل يعيد لها هدوءها واتزانها، وتستعيد معه الروح بريقها، وتصل أو تقترب من حالة الاكتمال السابقة، فيطالع القارئ جزءا من حكاية الجنوبي وفتاة الشمال، ويبصر اللوم والخوف من الرقباء، بوصفه نسقا جاهزا، وطريقة ضرب الموعد الغرامي.

والنص الشعري في تصويره لتلك الحكاية، لا يصورها بوصفها حدثا مكتملا، وإنما يصورها بوصفها نقصا ساعيا لاكتمال مواز لاكتمال سابق، بوصفها محاولة للوصول للانسجام:( لو لم يضع يده على الفستان/ ما اشتعلت حرائق/ ما تشردت الخيول/ ما نما الوحش الصغير/ ما تفتحت الحدائق/ ما تغير طعم أيامي/ ما سال الحليب على المحارم/ ما أقمنا في البلاد وما نزحنا/ ما سهرنا في بيوت الناس/ نحرس ليلهم/وندير أعيننا على أطفالهم/ نحمي مواقدهم لنطبخ/ أو نسوّي قهوة لضيوفهم/ نصحو مع الكروان/ نطلق خيلهم وطيورهم/ ونهشّ على أغنامهم/ نرعى مواشيهم ونحمل روثها للحقل/ نروي الحقل.. نزرعه.. ونعزقه/ ونحلم بالحصاد نيابة عنهم).

ففي الجزء المقتبس السابق هناك إحالة إلى طبقات مؤسسة في لحظات زمنية سابقة، وهناك كشف عن فارق واضح بين المهاجِر والمهاجر إليه، بين الثابت والمتحرك. الحركة في الأساس نقصان، لأنها كاشفة عن عدم الثبات وعدم الاستقرار، والحاجة للآخر للقدرة على الاستمرار. ومن ثم فإسدال التراتب هنا ليس المقصود منه الفرد/أو الأب صاحب التجربة التي يعاينها النص، وينطلق منها، وإنما هو يرتبط بنسق تم تشكيله على مدى واسع، فتأمل الصور الجزئية المقدمة يصنع هذا التوجه، ويكشف عنه. ومن خلال هذه الصور التي تصنع بتجاورها نوعا من التجاوب تكشف للمتلقي بعض الملامح القارة في حركة نمط إلى نمط آخر للوصول إلى تكيف واندماج. فالنمط المتحرك يعتوره النقصان، ويظل موضوعا في دائرة التمثيل في مقام أدنى، كاشفا في ذلك السياق عن مجمل الأعمال التي يمكن أن يقوم بها بديلا عن النمط الآخر.

سيرة الشاعر الفردية: تساؤلات الدهشة والمغايرة

سيرة المجموع بالضرورة بالرغم من أهميتها ليست مقصودة لذاتها، فهي تأتي كاشفة عن نفسها وثقلها وتكرارها من جانب في إطار جدل الحضور لأصوات عديدة، ومن جانب آخر تأتي لتفسير الحركة، وللإجابة عن تساؤلات تحمل ملامح إنكار واستغراب ودهشة، خاصة حين يتعلق الأمر بتفسير وتبرير نزوع الذات الشاعرة.

يستند هذا التوجه الفكري من الديوان إلى النسق الخاص بالسيرة الجماعية، فالسيرة الفردية نتيجة منطقية للسيرة الجماعية المشدودة لنسق ثابت. فبداية من النصوص(الوقوف على الأطلال)، و(ابن موت) و(وتقرير مراسل ميداني)، و(تداع)، و(سريالية)، و(مشاة معتمون)، و(حكايات القرى الأولى) نحن أمام سيرة فردية ليست مشدودة إلى نسق جمعي، وإنما تشابهه وتنتسب إليه تشابه وانتساب الفرع للجذر، ولكنها لا تهتم بمقاربة هذا الجذر إلا من خلال كونه مغذيا ومبررا لحركة هذا الفرع في الفضاء، ومطاوعته وصلابته، واحتياجه في الأساس إلى مقاربة مغايرة، وتعامل خاص.

فالطلل في قصيدة (الوقوف على الطلل) يتولد من طبيعة النمط العام، فيأتي كاشفا عن روح متحركة متشظية، تبحث عن ظلها وبقاياها في أماكن عديدة. فالطلل لم يعد مرتبطا بالمكان الذي كنا نرى حدوده وملامحه في الشعر القديم، وإنما هو- نظرا للحركة الدائبة وتعدد المرتكزات المكانية التي تحمل بعضا من رائحته وأغانيه كما تجلى بشكل لافت في نص(مشاة معتمون)- الطلل المقيم والمسافر، يحتاج فقط مثيرا قد يتجلى من مشابهة واقعية أو رائحة. فالنص – نتيجة لذلك- يجمع عناصر لمكونات الطلل من مجالات مختلفة مثل النجم، والشارع الجانبي، ورصيف المدن، وأحذية الجند.

فالطلل هنا مواز للحياة، فالشاعر يواجه الحياة الآنية بذاكرة منفتحة، لها قدرة على جمع التناقضات على المستوى الظاهري، لكنها تتحد، وتصبح أكثر ارتباطا وتوحدا، حين يتعلق الطلل بإطار يطبق على الشاعر ناشبا أظفاره، وهذا يدل على أن الخروج من إساره لا يتم بسهولة، فالطلل لم يعد مجرد نسق فني كما كان في السابق، وإنما أصبح في ظل الشعرية المعاصرة طبقات للخيبة والهزيمة، وأصبح ارتكاسات حياتية متوازية في الأثر، وتذكر هزيمة أو خيبة وحيدة يجعلها تتعامد مع بعضها البعض، مما يجعل حركة المعنى في نهاية النص تتوجه اتجاها مغايرا، فالنص والذات الشاعرة يتوسلان للخروج من هذا السياق:( أجدد روحي/ أغسل يامات عمري/ وأمسح قلبي برفق/ وأحمل عنه الليالي والذكريات/ وأرحل/ لا أتلفت نحو الديار/ ولا أتساءل عن أي شيء/ أمامي الديار/ وخلفي الديار/ ووجه حبيبي يرافقني في السفر).

السيرة الفردية وتشظيها- من خلال استنادها إلى سيرة جماعية- في هذه الفترة الباكرة تمثل تنبيها للمغايرة، فكأن الشاعر- فضلا عما له من خصوصية- يوجهنا إلى اختلافه في مقاربة الأشياء والحياة، بالإضافة إلى تكوين خاص قائم على الرحلة وعلى الفقد المستمر، مما يجعل الطلل كيانا ملازما. فالشاعر وفق هذا التصور يثير الاستغراب والدهشة، ويستدعي معرفة وتوقعا، لأنه يعيش الحياة بمنطق الشاعر الواضح في ردود فعله، ففي قصيدة (ابن موت) يتخيل ردود الأفعال بعد موته المتخيل، سواء مع أصدقائه، أو مع امرأة يتوزع رد فعلها إلى اتجاهين متباينين.

هذه المعرفة المتخيلة التي رأينا صداها في قصيدة (ابن موت)، يتجاوب معها سمة أساسية من سمات الشاعر، ترتبط بإثارة التساؤلات المرتبطة بالتناقضات الخاصة بالحياة، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي. فهو ليس شبيها بالآخرين، فهو نتاج إشكاليات وجودية، وهو صاحب وجود حركي لا يستنيم إلى ثبات أو استقرار. فالشعراء لا تتشكل معضلتهم الأساسية ضد أفراد، وإنما ضد سياق خارج عن التطويع والسيطرة، سياق أكبر له سطوة مهيمنة فاعلة.

تتشكل ملامح المغايرة في إدراك تناقضات الواقع، وثنائيات التكوين التي تتجاور فيما بينها، بداية من المرأة التي تصاحب لاجئا/شاعرا، وتشاركه همومه وأشياءه وحظوظه، ثم تمدحه، وتهجو طيشه. وتستمر دائرة التناقضات بين التلاميذ الذين يرسمون المدفعية وأبراج الحمام. وفي النهاية بين المرأة التي تكون موزعة بين من يجمع لها الراتب والأولاد والبيت في جانب، وفي الوقت ذاته لا تريده أو تشتهيه. والصورة الأخيرة لا تقدم دلالة مهمة إلا إذا وضعت في سياق متقابل ومتباين مع المرأة التي تصاحب الشاعر/ اللاجئ في بداية النص. لا يقف منجز النص عند إثارة السؤال في إدراك هذه التناقضات، خاصة بين موقف المرأتين في البداية والنهاية، فتأتي الإجابة في آخر السطور الشعرية( سنن الحياة/ وسلطة الحاجات والرغبات/ سلطة ما نسميه الضرورة).

ثمة سمة أخرى ربما كانت وثيقة الصلة بكل شاعر، وهي سمة الكشف والاعتراف، فالنص الشعري يحيل القارئ في بعض النصوص إلى اعترافات كاشفة كما في نص (تساؤلات)(إن التي مرت ستلقي خاتمي في البحر/ ثم تقول/ هب لي آخرا يا بحر)، فالعودة إلى الحكاية الشعبية التي ترتبط بالأسنان واستبدالها بهذا الشكل فيه الكثير من التأمل، وفيه الكثير من الهشاشة النفسية التي تجلت بشكل لافت في نص (محاولة) حيث هناك إشارة واضحة إلى الفقد والتشظي على أسفلت الشوارع.

إن هذا التشظي يأخذ مدى أوسع في نص (سريالية)، فبعد أن يؤسس النص الشعري استراتيجيته على فعل هبوط الذكرى، وما تثيره بصاحبها من مشاعر، وهو لم يتدرب على صدها بالنعاس، فيصبح التشظي واضحا من خلال استدعاء الأغاني التي تكشف عن هذه الحالة( عش أنت.. أنت كما أشتهيك/ بعيدا/ كظل يداعب رحّالة أسقط الليل عنها الدليل/ وحادا/ كوجه كسته الشوارع بالناس/ متفقين على رميه بالجنون/ وبالقلق المستمر من الممكنات).

ويتآزر مع الصورة الأخيرة في النص السابق، نص آخر في الديوان، أسس بشكل لافت لهذه الرؤية، ولكنه أضاف إليها بعدا يرتبط بالآخرين المشابهين، وكأنه يؤسس خطابه على نسق موضوعي بعيدا عن حضور ومحاصرة الذات وتحيزها. ففي نص (مشاة معتمون) هناك إسدال- بالرغم من استغراب حال هؤلاء المعتمين- قداسة خاصة، وفاعلية لافتة، وقدرة على تشكيل الكيانات المغايرة والمتباينة، تحت إلحاح غابة الصور التي لا تنمو وفق منطق واقعي، وإنما ترتبط بمنطق خاص نابع من تصور الشاعر، وقدرته الفائقة على إدخال العوالم، ورصف دلالات الروائح والأغاني وفق سياق يكيفها.

السيرة الفردية للشاعر المؤسسة على المعرفة، وعلى إدراك التناقضات، والتشابهات الخفية بين الرائحة والأغنيات التي تلازمه في حركته، يتأسس في إطارها وجود خاص للجنوب، يكشف عن ارتباط ممزوج بالقداسة. يتجلى ذلك واضحا في نص(تداع) حيث يتحول الجنوبي بشكل عام إلى حالة غنائية مقدسة ممتدة للفقد، ففقد امرأة، وما يثيره من أسئلة وارتكاسات ممتدة يعيده ربما دون وعي لتصوير الفقد الفعلي، وتصوير العودة الأخيرة لواحد من هؤلاء المهاجرين الذين يشبهون في حدود منطق النص الشعري، أبناء يعقوب، في رحلة تشظيهم وشتاتهم المستمر للوصول لحالة من حالات الاكتمال.

موضوعات متعلقة

 

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img