السيرة الفردية والجماعية في ديوان أوراق الشمال والجنوب (1)

د. عادل ضرغام

في ديوان (أوراق الجنوب والشمال) للشاعر محمود سباق الفائز بجائزة الاتحاد العالمي للشعراء، طبعة 2018م، هناك مداخل عديدة للدخول منها إلى الديوان، ربما تكون أولى هذه المداخل متمثلة في طبيعة الصور، وتكاتفها بشكل لافت للنظر. فقارئ الديوان سيطالع غابة الصور الجزئية المولدة بالتجاور والتشابه مع بعضها البعض، وهذه الصور على المستوى السطحي قد تكون متباعدة، ولكن بسبب قدرتها في توليد أثر نفسي موحد تتكامل بالتجاور، وتترك أثرا وفاعلية لحظة التلقي.

ثمة مدخل آخر يرتبط بالسرد، وتعدد الساردين في النص الشعري، أو وجود الحوار المحكي بين شخصيتين يرتبطان بالذات الشاعرة، وفي ذلك تهشيم متعمد لفكرة البطولة، فيجعلها منفتحة وتعددية. وثمة مدخل يرتبط بالتوظيفات النصية للتراث الشعبي أو الديني أو الأدبي الذي تجلى بشكل لافت في نصوص الديوان. لكن هناك استراتيجية بدأ الشعور بحضورها واضحا في شعر الشعراء الشباب، تتمثل هذه الاستراتيجية في الاهتمام بالفكر، فالشعر لدى هؤلاء الشباب- ربما لغرابة العالم الذي نعيشه حيث يصدر لك ظواهر متناقضة بشكل جذري- لم يعد تعبيرا مباشرا، وإنما أصبح فكرا ومساءلة وتأمل كيانات متباينة.

يشعر القارئ -بالرغم من الغنائية الواضحة التي تتجلى في النصوص، وكأنه من خلالها يجذر انتسابه إلى شعرية عربية وإلى نفس تراثي محسوب بدقة في أحيان كثيرة- أن هناك نسقا موضوعيا تشكله القصائد، وتسهم في تكوينه. فهناك موضوع أو تيمة تشكلها وتخلقها القصائد، وهي تيمة التوزع بين الشمال والجنوب أو الجنوب والشمال، وعلاقتهما ببعضهما البعض، وطبيعة الترابط والتراتب بينهما.

يبدو الثابت منهما مكتفيا بذاته أقرب للاكتمال، ويبدو المتحرك يعتوره النقصان في حاجة للالتحام بالآخر، للوصول للاكتمال والهدوء والاستقرار. فالنص الشعري في هذا الديوان مهموم بكتابة سيرة جماعية، وسيرة فردية لنسق التوزع بين الجنوب والشمال، كاشفا عن تكوينات فردية وجماعية ذات خصوصية، وكاشفا عن الإشكاليات التي تواجه هذا النسق، وعن الأزمات النفسية التي تجعل تكوينهم أكثر هشاشة منفتحا على الغنائية من جانب، وعلى الحزن بشكل عام من جانب آخر.

هذا التكوين الخاص الموزع بين الشمال والجنوب كاشف في الوقت ذاته عن انحيازات لنسق دون آخر، فالجنوب يلح في الديوان بوصفه نسقا مقدسا مكتفيا بذاته في ثباته. وأن الخروج من إطار هذا النسق ليس إلا تشظيا ونقصانا، وخلخلة ضد منطق الأشياء. وهذ الأمر كان له دور مهم في ترتيب خاص لقصائد الديوان، وفي زحزحة البطل السارد أو المسرود عنه من شخص إلى آخر، وفي التوزع بين متكلم وغائب، وفي التماهي بين الأب والابن، الأب بوصفه فردا، وبوصفه نمطا يعبر عن آخرين مشابهين يسيرون وفق المنطق والسنن المحدد بنزوع السابقين، بشكل لا ينتهي بمرور العصور والأزمنة.

إن سلوك الإنسان وتصرفاته ليست منبتة الصلة عن ماضيه، فهي نتيجة له ومرتبطة به، ومن ثم فالنصوص الشعرية في هذا الديوان لا تقدم سيرة ذاتية للشاعر فقط انطلاقا من استغراب حاله ومساءلة تصرفاته، وإنما تقدم لنا في البداية- وكأنها تجيب عن سؤال مهم يرتبط بتجلي الشاعر على هذا النحو- قراءة باطنية للسياق الذي أوجده، فيعاين سلوك الجيل السابق المشدود حتما إلى سلوك أجيال سحيقة.

السيرة الجماعية ونمط الحركة

حين يأتي في إهداء النص الأول(الأب والابن من المنبع إلى المصب، إلى النيل الأب الخالد) فهذا معناه أن هناك توازيا وتشابها بين الأب والنيل، فكلاهما شكّل النسق، وطبيعة الارتباط بين الشمال والجنوب، فالنيل المشكل الأساسي للحركة، وكلاهما- الأب والنيل- واهب الحياة.

وبالرغم من أن النص جنائزي، يأتي الأب في صورته الأولى متحدا بالنهر، ومرتبطا بالمكان، المكتفي بذاته، ومشيرا إلى نسق في أزمنة سحيقة، مشدود إلى الثبات، غير منفتح إلى نمط آخر، لأنه لا يحتاج إليه، ومن ثم نلمح حالة من حالات الانسجام التام. فالأب في القصيدة أو في مجمل نصوص الديوان ليس فردا، ولكنه يتجلى بوصفه مجموعا أو نسقا خاصا يقابله نسق مضاد، فالأب منفتح على شريحة، تتوزع حسب منطق النص الشعري إلى (البناء- والنحات والنجار- والمحّار).

الأب في المخيال مصدر حماية، ومعرفة سابقة تعبّد الطريق، خاصة إذا تعلق الأمر بنظرة طفل، فكل طفل يتخيل أباه كيانا أكبر من القوانين، ولهذا تتشكل للأب صورة محاطة بكل هالات القداسة، ويتجلى بأنماط مختلفة، ولكن أهمها حين يغدو الأب سماء عالية، وإطارا حاميا: (بعد دقائق سوف يغني للعمال/وسوف يقوي عزيمة أضعفهم/ وسيحمل قصعته ويقود السرب على السقالة/ من سيدافع عنا/عن أبناء الجيران الضعفاء/ومن سيحب العالم أكثر/في هذا الوقت المتأخر من عمر الدنيا/ في الليل).

ولكن هذه الهارمونية أو الثبات تجرح من خلال نص(هامش)، وكأن هذا الهامش لا يخلو من فاعلية وحضور في اللحظة ذاتها. فالعالم المملوء بالكثير من الهارمونية والاكتفاء الذاتي، من خلال(والليل كان على سجيته حنونا مثلنا)، تجلى بشكل مغاير، فالليل في قصيدة هامش لم يأتِ مثلما كان في النسق السابق بسيطا هادئا، حيث يعيش في راحة بال مستمرة دائمة، وإنما أصبح الليل المشدود إلى آمال ونماذج وتماثيل مطروحة للتحقيق. فبناء البيت وفتحه للزوار واستقبال أبناء العمومة صورة أمامه ونسق مقترح للتحقيق، فيمارس الجري واللهاث، والانتقال من نسق الهدوء إلى نسق الحركة، من الثبات إلى الانتقال، لكي يكون شبيها بآخرين سابقين.

والأب في ذلك النسق الجديد لم يعد الأب المكتفي بما لديه، وإنما أصبح له تعلق بأفق جديد، وأصبحت هناك فاعلية ناتجة عن التطلعات الجديدة المشدودة لنسق يشكل طبيعته بالتكرار، ولم يعد يشغله النمط القديم، فالزمن المحدد له لا يزيد عن ليلة في منطق النص الشعري(ريثما ينقضي الليل/ ليل الشمال الوديع)، والأب في تلك الليلة الوحيدة مشغول بمراقبة ما تحقق من آمال(والأحلام المتحققة السهرانة/ حول رماد الموقد).

وجود الأب في نص (هامش) وجود لحظي شبحي، سرعان ما ينتقل بعدها للحركة والسفر، (ويذوب على الطرقات المنسية/ بعد دقائق/ سوف يغني للعمال/ وسوف يقوي عزيمة أضعفهم/ وسيحمل قصعته ويقود السرب على السقالة). النص الشعري قد ينطلق من مثير واقعي، ولكنه لا يبقي في بناء نصه على هذا المثير الواقعي، ولكنه يثبته بوصفه طبقة، ويحيله نسقا أو نمطا. فالأب – انطلاقا من كلمة سرب- ليس مشدودا لشخص، وإنما إلى نمط بتحديد لوكاتش، فهو يكشف عن مشابهين له في السياق.

السفر أو الرحلة أو الانتقال من نسق ثابت يمثل الحركة الأولى لخلخلة الثبات، لزحزحة الطبيعي أو المنطقي. فمن خلالها يفقد المتحرك المنتقل الهارمونية، بحثا عن اندماج جديد، يكفل له الاتزان. هي رحلة يفقد فيها الأطفال ساتر الأمان الممثل في الأب، فهو السماء التي تكفل لمن يتحركون في إطارها الحركة بأمان.

ففي القصيدة الأولى هناك اهتمام بتنضيد سيرة جماعية لنسق في لحظات سابقة، نسق مكتف بذاته، ولكن في نص (هامش) الذي يأتي مباشرة بعده، هناك اهتمام بجرح هذا الاكتفاء، من خلال الانفتاح على عوالم أخرى، فيحدث هناك تحول من الثبات للحركة، من الوحدة للتفكك، من الهدوء للهاث إلى صورة متخيلة، ونسق ممهد.

وتأسيس ذلك المنحى الفكري في الديوان، الخاص ببناء الهارمونية وجرحها من خلال التفكك والانتقال يتجلى بشكل لافت في القصيدة التي حملت عنوان الديوان     . ففي بناء النص الشعري للهارمونية المتجاوبة فيما بينها يستند إلى صور مجهرية، يعتورها النقصان، لأنها غير مكتملة، واكتمالها ليس في ذاتها، ولكن يتحقق هذا الاكتمال بالتجاور، لأن النص الشعري لا يُبنى على الملمح الواحد، وإنما على الملامح العديدة التي تشكل كيانا من خلال تجاورها، لكي تخلق الإحساس الخاص بالاكتمال، فشعرية الديوان في معظم قصائده هي شعرية الصور المتجاورة، حيث تخلق بتجاورها أفقا وسياقا عاما قائما على الإيحاء.

إن نظرة فاحصة إلى بعض هذه الصور الجزئية(النيل يركض كالغزالة/والنخيل يصب تمرا في نوافذنا/ الشمس عين الله تحرسنا)، ستثبت أننا أمام صور جزئية سابحة في فراغ، مكتفية بذاتها، ولا يتحقق التمدد التركيبي ويتشكل إلا مع الشمس، وقد جاء التمدد كاشفا عن الفاعلية في التشكيل والتنميط، في استيلاد بشر لهم طبيعة وشكل مغايران(ومنها يشرب الأبناء سمرتهم/وينضج فوق صدر بناته الرمان).

وهذا يعطي دلالة تستند إلى الديانات المصرية القديمة وبالمعتقدات، خاصة حين يتكرّر هذا التمدد التركيبي في النص ذاته عند الإشارة إلى القمر والنجوم، فيتحول القمر وفق منطق النص الشعري إلى شاعر ربابة يفتح الباب للحكايات والقصص عن العشاق والعمال والفرسان، وتتجلى النجوم نقوشا لرسّام، وورودا متباعدة أهملتها يد الأحبة.

كل هذه المجازات الجزئية اللافتة للنظر، تشكل بتجاورها إطارا عاما يرتبط بالثبات والديمومة والاستمرار، كاشفا عن تناغم، ومكوّنا سمة عامة من سمات الجنوب، تتشكل من الرضا والهدوء، وانفتاح مخيلتهم على الغناء، والارتباط بالمادحين والنايات، حيث تشكل حيواتهم أمام أعينهم. وفي ذلك التوجه في النص الشعري(هنا الجنوب/وفي الجنوب حقولنا/ قصب ونايات لمدّاحين) يختلط الذاتي الشخصي بالعام فتتوحّد السيرة الفردية بالسيرة الجماعية، فهذه الهارمونية، وذلك الانسجام في السياق العام يتساوق مع غنائية نمط الحياة الفردية(وجهي ووجه حبيبتي/شال يطير وضحكة منسية/وقصيدتي الأولى/ ووجداني المعبأ بالضفاف وبالضحايا).

ولكن هذا النمط المملوء بالهدوء لا يستمر، لأسباب عديدة، منها ما يتعلق بالصراع الخاص بين الأجيال، ومنها ما يتعلق بطلب الرزق، واجتراح مناح جديدة، فتبدأ بالتدريج بداية الخروج ومغايرة النمط، والإحساس بالحاجة للاستجابة للاختلاف الذي بدأت ملامحه تتجلى في الحالة الآنية التي يتشكل طرفاها من الأب والابن من خلال نمط مؤسس بالتكرار(في الجنوب أبي وعزلته وقسوته/ وسوء الظن بي وبما أريد/ وما أغنّي من قصائد/وما أرافق من صحاب أو نساء/ لم يقل لي مرة:/ كم أنت أجمل/ حين تضحك حين تبكي/لم يقلها مرة/ لم يثن في يوم عليّ).

تتولد نتيجة لذلك مرحلة جديدة، مملوءة بالتعلق بالآخر والانفتاح عليه والهجرة إليه، وفي الجزء الثاني من النص، وبعد أن يستجلي إشاراته إلى كل حالة من حالات الهارمونية القديمة لكل مجال من المجالات يبدأ في نهايته في الإشارة إلى ميلاد نسق مغاير منفتح على الرحيل والهجرة، نسق مؤسس بالسير والتعبيد من السابقين( وكان ناس آخرون/ مهاجرون يودعون بيوتهم ونخيلهم وكلابهم/ ويؤكدون على الوصايا والرجوع/ وعائدون من الشمال/ يحدثون عن المهاجر: كيف أغرتهم وأغوتهم؟).

هذا النمط المؤسس المندرج تحت فكرة المغايرة والإغواء للحركة والهجرة للشمال له تأثير خاص، في تشكيل الحياة بانزياحاتها، وفي تشكيل طبيعة البشر، فالهجرة لتحقيق حياة مقترحة ليست إلا فقدا واكتسابا، لأنها تفقد الهدوء الذي يظل متاحا لدى الفصائل التي ارتضت البقاء، ويكتسب ليلا مغايرا مؤرقا بالأمل، بالإضافة إلى الخسارات الأخرى المرتبطة بالغياب.

وفي كتابة سيرة هؤلاء ليس بالضرورة أن تكون السيرة واضحة الملامح، محددة السمات، وإنما يكفي الإشارة في لمحة خاطفة – نظرا لطبيعة الشعر في اختيار ملمح من ملامح عديدة- إلى الآثار المترتبة على هذا التحول والانتقال، وفي تركيزه لا يتم التركيز على الأشخاص الفاعلين، وإنما يكون الأمر مرتبطا بالكيانات الأكثر تأثرا وهشاشة:( ويوزعون على المحطة/ كل ما خسروا من السنوات/أبناء وأحفادا/ نساء كن في عمر الربيع وقد مضى/في كل ركن من بيوتك يا شمال/دم/ وأغنية/ وأرواح مؤرقة لأبناء الجنوب).

موضوعات متعلقة:

 

 

 

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img