الشاعر إيهاب البشبيشي قصيدة ذاكرة الغرابيل

ذاكرة الغرابيل

فى الشارع المسدودِ من جهتيهِ

إلا حارةً

تُفضى إلى بعض الأزقةِ

فالمدقِّ المنتهِى تحت الرديمِ

فعطفةً

تُفضى إلى سِكَكِ الطفولةِ

فالـ “حواديتِ ” التى تهتاج جنِّــيَّاتُها

والوقتُ مشتعلٌ من الجهتين

إلا لحظةً بالكادِ تَكفى

كى أقولَ لصاحبى تُــهنا

تُـهنا وليس بوسعِنا إلا المقاهى الألفُ

نَذرعُها لنجمَعَ وَجهَنا منها

نُلَمْلِمَ ضحكةً منسيَّةً

أو نظرةً مخفيةً تحت المقاعد

نسترد زمانَنا المفقودَ من نار النراجيلِ

تُهنا وبوصلتان حائرتان يا عينى أنا عيناك

كيف سنهتدى بـهما

وقد – والله – ضيَّعْناهما من قبلُ

فى دمع المناديلِ

تُهنا ولو صدَّقتُ حُبى فيكِ

ما ضلَّتْ خُطاىَ

وما هَدَتْ عينى أباطيلى

تُههنا وحسبُ فما الذى كُنَّاهُ

حتى نَستحقَّ ضَلالَنا

أولم نَكُنْهُ فلَم نُلاقِ ظِلالَنا

كُنَّا هناك فكيف أصبحنا هنا

كنا هناك طريقُنا

بين الحدائقِ لا المنايا

نَختار ما شئنا فلم

نكُ بالعبيد أو السبايا

معنا السماءُ بنورها

والأرضُ بازخةُ العطايا

كيف السؤالُ أزاغَنا

وأحالَ أعينَنا شظايا

حَرَفَ السؤالُ عن الطريقِ

عن الطريقِ خُطًى غَوَايا

بُؤنا بكلَّ إجابةٍ

خطأٍ لأسئلةٍ خَطَايا

طرَّاحةٍ تفاحَها

بين الجوانحِ والحنايا

هل نـحنُ ما كنَّاهُ

أمْ ما أَجَّلتْهُ لنا المرايا

أنكون ما شاءت لنا

الكتبُ الكريمةُ والوصايا

أم ما يَرَى السُّحَّارُ مِن

خلف الكتائبِ والسرايا

هل ما تَقَلَّبَ فى الترا

ئبِ والعلائقِ والعضايا

أم ما تَحنَّطَ فى الكهو

فِ مع الهياكلِ والعظايا

ما حَطَّ من أحلامنا

طيراً ونَقَّرَ فى النوايا

أم ما تَشابَحَ من مخا

وفَ فى الصدور وفى الزوايا

فتانةِ العينين والـ

شفتين حسناءِ الثنايا

حتى لَثَمْنَا خلسةً

تفاحَها صِرنا عرايا

مُتكرِّرِينَ

بكل ناصيةٍ نُلاقِى أوجُهًا

كانت لنا

صرعَى كمرصودين بالطيرِ الأبابيلِ

صوت

عمرٌ من التسآل

بين الشعر والشعراءِ

أسرارٌ وتاريخٌ

من الأقمارِ والرؤيا

وأشواقِ المراسيلِ

صعقٌ من الذكرى

سراديبٌ تَــمُـــرُّ

خلالَها الأشياءُ للاوعىَ

ثم تَعودُ لابسةً من الأصواتِ

ما نَدَّتْهُ من وَدْقِ المجاهيلِ

هل كنتُ يومًا شاعرًا

وإِذَنْ لماذا لم أظَلَّ هناك كالشعراء طفلًا

كُلَّما قمرٌ تَفَتَّحَ

دهشةٌ ريانةٌ فاحتْ بقلبى

فاستحالَ الكونُ حولى طفلةً

تلهو معى

فتّشُدَّ شَعرى مَرةً

وتَشدُّ أشعارى الحَيِيَّةَ مرةً

وتَهُزُّ فى شَغَفٍ “شخاليلى”

لِمَ عِشتُ عمرى مُجبَرًا أختارُ

ما بين الكلام كأنه السرطانُ

والصمتِ الثقيلِ كأنه الذكرى

لِثَدىٍ زانَ صدرَ جميلةٍ واجتُثَّ

فامتلأ الفراغُ مكانَه فقدًا

يَكادُ لِثقلِه يَهوِى بها

فَقدًا له صوتٌ كوَسواسِ الخلاخيلِ

لو كنتُ حقًا شاعرًا

إذنِ اتَّخذْتُ إلى القصائدِ

ربما ما لستُ أملكُهُ

اتخذتُ إلى القصائد عاجزًا

لغةً إذا طافت بنا

فكأنَّ سِلْكًا عاريًا قد مَسَّنا

فالكهرمانُ حروفُها

والكهرباءُ صروفُها

وقطوفُها شدوُ الأراغيلِ

لغةً يصيرُ الحلمُ فيها واقعًا

والمستحيلُ من الأمانى مُمكنًا

والكُرْهُ حُبَّا

والفصولُ ربيعًا امتدَّتْ نضارتُنا به

وعيونُنا ضَىَّ القناديلِ

لغةً تُعيدُ الناس أطفالًا

وهل وطنٌ لنا غيرُ الطفولةِ

كل أرضٍ بَعد ذلك

غربةٌ فى اللازمانَ

وكل وقتٍ قفزةٌ فى اللامكانَ

وكل عمرٍ ضَلَّةٌ بين التهاويلِ

لو كنتُ طفلًا

كنتُ قلتُ لصاحب البستانِ :

لا تَقطفْ سنينى من على الشجراتِ

دعنى مثلما أحببتَنى طفلًا

وسِبْنِى عند شَطِّ النهرِ

أسبح ُفى مَسَرَّاتى

وأُقسِمُ لن أَنُطَّ السُّورَ ثانيةً

ولن أتَسَقَّطَ التفاحَ ثانيةً

وإن قَرَّبْتُ نحو الوقتِ ثانيةً

فخَبِّئْ دهشتى عنى

أوِ امسخنى كبيرًا مرةً أخرى

فلا أتحقَّقَ الأشياءَ

من ثُقبِ التخاييلِ

لو عُدتُ طفلًا

كنت قلت لصاحب البستان

دعنى مثلما أحببتَنى طفلًا

له -كبقيَّةِ الأطفال –

روحُ وحدسُ فنَّانٍ

يُؤَوِّلُ قلبُه الرُّؤيا

ويُرهف حِسَّهُ حتى لأحلامِ التماثيلِ

تهنا وكم صمتًا على مقياس ريختر

سوف نحيا ؟

كم صراخًا بَعدُ

لم تَعرفْه أقنعةُ التعاليلِ؟

لو كنتُ فَنَّانًا

وكنتُ مُمَثِّلًا مَثَلًا

إذَنْ لَطَرَدتُ كالممسوسِ

ما غصبًا تَلَبَّسَنِى من الأدوارِ

أو عن رغبةٍ خاويتُهُ

ولَعِشتُ فى الدَّورِ الوحيدِ بهذه الدنيا

الذى ما عشتُهُ

دورَ الحياةِ

وكنتُ قد أَجَّلتُها ضمنَ التآجيلِ

تُهنا وليس أمامنا إلا الوراءُ

أوالتوقفُ … والتناذرُ فوق قارعةِ المصيرِ

أوالتوغلُ فى مَهَبِّ الخوفِ

تَجلدُنا ذواكُرنا

وتَندهُنا غواياتٌ مُنَفِّرَةٌ

وآونةٌ مُدلَّاةٌ

بأبوابِ المدائنِ كالمقاتيلِ

لو كنتُ نَــحَّاتًا

إذَن لحطَمتُ عن عَمدٍ تماثيلى

فَكَم مَكَتِ الرِّياحُ لها وأَصْدَتْ

واحتبسْتُ الوقتَ فى جلمودِهِ غُفْلًا

يَـــمُرُّ خِلالَنا مَرَّ السحابِ

وقَفْتُهُ عند الجهاتِ السِّتِّ

عِقدًا فوق جيدِكِ

لَـمْ يَطُفْ يومًا على بالِ الأزاميلِ

تُهنا ولا طيرٌ فَنَتْبَعَهُ إلى ماءٍ

ولا رشأٌ من البِكرِ العطابيلِ

تهنا ولا أثرٌ على رملِ الحكايةِ

غيرُ أقدامِ الأضاليلِ

لو كنتُ رسَّامًا

لأطلقتُ الحماماتِ التى الألوانُ صادتْها

وغافلتُ الفراشاتِ اللواتى صِدْنَنِى

ومحوتُ ما لَــمْ قَبلُ ما لم بعدُ أرسمْهُ

فلَم يَتَبَقَّ منها فى ثنايا ريشتى غيرُ الهديلِ

وغيرُ لونِ رفيفِها الصافى

ولم يتبقَّ مِنَّا غيرُ لونِ الحُبِّ

فى رِيشِ الزغاليلِ

تُهنا وليس بخطونا

إلا التسكُّعُ عند ناصية الخرافة

إذ تفرُّ ظلالُنا لكهوفِها

أو عَبْرَ أنفاق الأساطير القديمة

والجديدة

فى فضاءات العناكب كالمخابيلِ

لو كنتُ ذا عَقلٍ

إذن لخلعتُ كالدرويشِ عقلى

وامتطيتُ جنونَ حكمتِكِ التى مَطَرَتْ

بذاكرةِ الغرابيلِ

لو كنتُ أو لو لم أكُنْ

إنى كما أنا لستُ أيًّا مِن أولئكَ

إننى من أهلِ بيتِ الشِّعرِ

من أصحاب صُفَّتِهِ البهاليلِ

أسعَى بأرض الشَّدوِ مُغتربًا

عسى بالكادِ أجلبُ قوتَ يَومِى

مثلَ عُمَّالِ التراحيلِ

حتى إذا ما جاء رزقى طائرًا

فى هيئةِ الأشعارِ

أَرجعُ راضيًا

وأبوسُ وجهَ وظهرَ أحلامى التى أقتاتُها

وأقول يا ربَّ التساهيلِ

صوت

ودونَ الشعر ليلاتٌ

من الذكرى مسهدةُ التباتيلِ

وعلى جبينِ الوقتِ

برقٌ من تراتيلى

وعلى جبينِكَ يا صديقى الشِّعرَ

آياتٌ مُخَضَّلةُ الرؤى

بِكْرُ التَّآويلِ.

لكننى منذ انزوَى التاريخُ

منذ فقدتُ ذاكرتى

وخاصمتُ السماءَ

تَشُلَّ أحلامى خرافاتى

وألفُ إجابةٍ خطأٍ

لأسئلةِ خطايا

لا تُغادرُنى

تحاصرنى

تُطِلُّ عَلَىَّ من رَوعِ المرايا

هاربًا أجتازُ أرصفةَ السنينَ

مُشَرَّدًا

عينى عليكِ

تَشُدُّنى ترحيلةٌ

وتَرُدُّنى تغريبةٌ

أبَدًا لنفْس الشارع المسدود من جهتيه

إلَّا لفتةً تُفضى إلى بعض الأزقةِ

فالمدقِّ المنتهى تحت الرديمِ

فعَطفةً تُفضى إلى سِكَكِ الطفولةِ

فالحواديتِ التى هَرِمَتْ

وراعتْ طفلَها

ارتَحَلَتْ

وجِنِّـيَّاتُها هاجرنَ نحو طفولةٍ أخرى

تعيش بعالمٍ بكرٍ مُوازٍ آخرٍ

وتركننى فى الشارع المهزومِ من رئتيهِ

إلَّا شهقةً بالكاد تَكفِى كى أقول لصاحبى

تُهنا

قصيدة أخرى للشاعر

الشاعر إيهاب البشبيشي قصيدة غلابة

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img