الشاعر شعبان البوقي قصيدة تعويذة التائهين في الليل

تعويذة التائهين في الليل

هَا أنتَ تسبقُهم لأشجارٍ

وأحجارٍ وظلِّ مدينةٍ في النَّهر

تسبقهم لصوتِ عوائهم في الليل

تسبقهم بلا شِينٍ ولا عينٍ و لا ألفٍ

لصورتهم محطمةً على الأجداث

تسبقهم إلى صحرائهم قمرًا بلا صخبٍ

ولا شبحٍ ولا نور ولا قدم

ولا سر ستحمله الرمالُ

ولا رياحٌ سوف يكرهها الجمود

ها أنت تخدعهم بصوت غزالةٍ في الليل

ترعبهم بوردٍ ذابلٍ

أصوات آنيةٍ مُكسرةٍ ، وأنين أثواب ممزقة

وعواء جندي تحول رأسه ذئبا بقلبك حين صدقه النشيد

ستقولُ بلدانٌ رأتك :عرفنه منذ البداية

واثقا من هول أمطار ستنزل

لف خيطا من مصائبه الجميلة حول أعناق المنازلْ

كان يضحك مثل فخار تكسَّرْ

كان يمشي مثل ثعبانٍ

ويرسم للزجاجة ظلها في البار

يقنع من يجاوره بأن الراحلين بدون أمتعة لهم في الليل معراج

ومعجزة ،سوف تلقاهم عفاريت لكي تعطيهمو ذهبًا

وينصح غيمة أن تقرض ماءها للبئر

ينقشُ وجهه للطين ،يحفرُ صوته للرعد

ينفخُ في قتام الصمت صاعقةً ويمضي

خوَّفَ الأطفالَ منه قدومُهُ في الليل

ألهم النيران قصته ففضَّلت السَّواد وزوجته بناتَها

ستقول أغنيةٌ على الجدران: غيرتُ البدايةَ كي أمَوْسِقَ خَطوَهُ

ها أنتَ تسبقهم جميعًا للبداية

أين تاهَ الموتُ عنكَ

ركبتُ مِنْ أرمنت ليلًا و البيوتُ جميعُها مَوْتى

و طينٌ يصطفى الأشباحَ

ينخرُ في مُخيِّلةِ الفوانيس

المياه ثقيلةٌ في النيل تمشي

مثل سكرانٍ صعيديٍّ يخبئُ وقع أرجله ويبطئ

كنت أقربَ مِنْ ملامِحها ولكنَّ البُنيَّةَ فضَّلتْ شبحًا عليكَ

بكيتَها وقِنَا تلوِّحُ بالعمامة

كنتَ أقربَ مِنْ حَناجرهِم

فذابتْ لهجةُ الأصحاب فيكَ فصادقتك و أرهبتها​

قصبٌ يُفرِّغُ نفسَهُ للأغنياتِ

وطَفلُ صلصال يغادرُ لونَهُ في النَّار

ثم يدور دورته

يعانقُ كفَّ مجذوبٍ تلوِّحُ للذي سَكنَ المَقام

وماتشكَّل غيرقلبِك خلف أحلام البنات الراحلات إلى الشَّمال من القرى

تُرى سَيرسُمُ وجهك الفخارُ مُبتسمًا لتشربَ أمْ سيجرحُك النَّهار

كيفَ برَّرت الوسيلةَ دون غاياتٍ

وكيف تركت هذا النَّقش مِنْ أجل الجدار

ها انت تسبقهم وأصواتُ المَقابر و الفراعين استحالت دمعةً في الخد

لا صوتٌ سوى الذِّكرى

ولا مَلكٌ سوى هذا الذي سجنته أقفاص الزجاج

ها أنت فتنتهم تحاصرهم جميعا دون معجزة وتاج

تعيد أسماء الإشارة و الشوارع

تحرس الدَّمعاتِ في عين المُغنِّي

تُلبس الموالَ حزنَك

تُلهم الواوات جُرحَك

تمنحُ الصوت البعيد مشاعلا حتى يعود

ها أنت تُنسيهم جميعًا بين أعمدة المعابد قاصدًا وهْمَ الخلود

ها انت تُبرم صفقةً و الليل

تتركُ في التراب هناك وهْمَ قصيدةٍ وعباءةٍ

كي يطمئن الصحب في عنف الظلام

وربما تُنْسِى الأغاني غُصةَ المَّوال في فنِّ العديدْ

ها أنت تسبقهم بأصحاب عَرايا من نحيب الطِّين

سوفَ يقدمونَكَ سُكًّرًا في الشَّاي بالمقهى

وقربانًا لآلهة تبدل وقتها ورأتك عربيدًا فخافت

في الطريق إلى المدينة قد يراك الله إنسانًا بسيطًا

دون حلم لن تكدر صفوه صور معلقة على ضوء الرخام

في الطريق إلى المدينةِ قد يراكَ الليل كلبًا لا ينام

قد يراك العابرون تحية لا يدفعون ضريبة لجمالها

فيبادرونك بالبكاء و بالغناء و بالكلامْ.

فالصق على الأسمنت حلمَك

طالما خانتك أشجارٌ هناك

ولم تعلمك الصلاة ولم تبادلك السلامْ.

سنريك أسماءً تشكل مجدها من لحمنا و دمائنا

ونريك من وقفوا على الأشلاء آلهةً تتوجهم نجاستهم

وسلمهم بنوه من العِظام.ْ

سنريك قُطعانًا من ” الإنسان” ماشية إلى نفق طويل مظلم

سَكرَى على وقع السُّلالة يشربون دماءهم

في نكهة الليمون و الرمان من خلف القتامْ.

فلا الخريطة موعدٌ لزمانهم

ولا الزمانُ سِجِل من ناموا على كَمَد الرُّكامْ

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img