الشعر واللعبة السحرية (1)

فتحي عبد السميع

في العلاقة بين الشعر والسحر يوجد الفارق الواضح والحاسم بين الكلام العادي/ النثري، والكلام المدهش/ الشعري، فالقصيدة التي لا تسحرنا تذهب إلى سلة المهملات، وتبقى القصيدة التي تسحرنا، النافعُ في الشعر هو الساحر، لا نذهب بعيدا إذا قررنا بأن هوية و فائدة الشعر تكمن في سحره.

صعوبة التعريف من أول ما يجمع بين الشعر والسحر، ونحن لا نبتعد عن الواقع عندما نقر باستحالة  تعريف الشعر مع قدرتنا على الاقتراب منه بقوة، كما أننا  نرفع قيمة القصيدة كلما شعرنا باحتوائها على لمسة سحرية تؤثر فينا، حتى لو عجزنا عن القبض على أسرارها. وفي انفعالنا بهذا الذي يستحيل تعريفه بشكل حاسم ونهائي، أو يستحيل استيعابه أو فهمه  بشكل كامل، يوجد  ملمحٌ سحري.

تعريف الشعر صعب جدا إن لم يكن مستحلا، وتعريف السحر ـ كما قيل ـ “أمر يثير الجنون، وقد حاول العديد من الفلاسفة، وعلماء الأنثروبولوجيا، والمؤرخين، وعلماء اللاهوت طوال القرن المنصرم أن يضعوا أيديهم على معناه الأساسي، محللين إياه في بعض الأحيان بعمق معقدٍ ومبهمِ وبدرجة لم تسفر إلا عن تضييع معناه كليا، ولهذا السبب كثيرا ما يُعرِض عدد كبير ممن يدرسون ممارسة السحر في الماضي والحاضر عن تقديم تعريفٍ مفصل له، مفترضين أن قراءهم يفهمون السحر بوجه عام بتحكم البشر في قوى خارقة للطبيعة”{1}

يحدد جيمس فريزر {2} المبادئ  التي يرتكز عليها السحر في مبدأين، الأول هو: الشيء يأتي بمثله، والآخر هو: الأشياء التي كانت يوما متحدة تظل على صلة بعد انفصالها الفيزيائي، ويسمي المبدأ الأول قانون التشابه وينتج عنه “سحر المحاكاة”. ويسمي الآخر: قانون الانتشار أو الاتصال وينتج عنه “سحر العدوى”.

جيمس فريزر
جيمس فريزر

وباعتماده على مبدأ التشابه يوحي لنا الساحر أنه يعطي الأثر الذي يرغبه بمجرد تقليده، وبناء على المبدأ الثاني يستطيع الساحر أن ينزل بالشخص كل ما ينزله بشيء مادي كان يوما على صلة به، سواء أكان جزءا من جسمه أو غير ذلك.

والتطبيق الأوسع لسحر المحاكاة هو محاولة الكثير من الشعوب عبر الكثير من العصور إنزال الأذى أو الدمار بالعدو من خلال إنزال الأذى أو الدمار بصورته معتقدين أنه عندما تبدأ الصورة بالمعاناة يشرع صاحبها بالمعاناة نفسها، وعندما تُمحق الصورة يموت صاحبها.

وخير مثال على سحر العدوى يقوم على افتراض تعاطف سحري بين الشخص وأي جزء منفصل عنه مثل شعره وأظافره، والذي يفرض إرادته على الجزء يفرض إرادته على الشخص الذي قطعت منه تلك الأجزاء.

والمبدآن تطبيقان خاطئان لترابط الأفكار، حيث يعتمد سحر المحاكاة على ترابط الأفكار بالتشابه، ويعتمد سحر العدوى على ارتباط الأفكار بالاستمرارية. ويخطئ سحر المحاكاة بافتراضه أن الأشياء التي تتشابه هي متطابقة، ويخطئ سحر العدوى عندما يعتبر أن الأشياء التي كانت على اتصال ستظل على اتصال، والفرعان مرتبطان عمليا،  والساحر يفترض ضمنا أن قانوني التشابه والاتصال ينطبقان على جميع الأشياء وليسا مقتصرين على النشاطات البشرية، أي أن السحر هو نظام زائف لقوانين الطبيعة بالإضافة إلى أنه مرشد خداع للسلوك، أو أنه علم كاذب وفن زائف{3}

وإذا عدنا إلى السحر في ضوء علاقته بالشعر، نجد المبدأين يتحققان بدرجات وأشكال مختلفة،  مع التأكيد على أن سحر التشابه والاتصال في ضوء العلم أو العالم الواقعي شيء، وفي ضوء النص الشعري أو العمل الفني المتخيل شيء آخر، فالسحر يختفي أمام العلم، و لا يفلح في الواقع لكنه يفلح في الفن، ولا نبالغ عندما نراه جزء جوهريا في الشعر، وعندما نلجأ إلى التصنيف أو التمييز بين الأعمال لا نتردد في رفع العمل الذي يتسم بلمسة سحرية إلى أعلى مقام.

نحن نبحث الآن عن العلاقة التي تجمع بين الشاعر والساحر، لكن الوضع في البداية كان مختلفا، حيث كان الشاعر والساحر كيانا واحدا، لأن أصول الشعر و الفن بشكل عام ترجع إلى السحر، والفن كما يقول إرنست فيشر “أداة سحرية للسيطرة على دنيا واقعية لكنها لا تزال مجهولة، وإذا كانت وظيفة الفن الأساسية بالنسبة للطبقات التي تستهدف تغيير العالم لا يمكن أن تكون السحر، بل التنوير والحفز إلى العمل، إلا أن هناك في الفن بقية من السحر لا يمكن التخلص منها تماما، لأن الفن بغير هذه البقية من طبيعته الأصلية لا يكون فنا على الإطلاق” {4}

لقد كان الفن سحرا بالمعنى المعروف للسحر، لكنه استقل عن السحر، ولم يكن استقلاله يعني قطيعة نهائية مع الأصل، فالفن “في أي صورة من صوره، جادا كان أم هازلا، راميا إلى الإقناع أم إلى الإيحاء، متعقلا أم متخيلا عن العقل، ملتزما بالواقع أم ممعنا في الخيال، لا بد أن يكون متصلا بالسحر اتصالا ما” {5}

إن الفن لازم للإنسان كما يؤكد صاحب ضرورة الفن لسببين، لازم “حتى يفهم  الإنسان العالمَ ويغيره، وهو لازم أيضا بسبب هذا السحر الكامن فيه” {6}

وعندما نرجع إلى أصول الشعر العربي يظهر الصل الواحد للشعر والسحر، فقد انحدر الهجاء إلى شعر السخرية والاستهزاء بعد أن “كان  في يد الشاعر سحرا يُقصد به تعطيل قوى الخصم بتأثير سحري. ومن ثم كان الشاعر، إذا تهيأ لإطلاق مثل ذلك اللعن، يلبس زيا خاصا شبيها بزي الكاهن. ومن هنا أيضا تسميته بالشاعر، أي العالم، لا بمعنى أنه كان عالما بخصائص فن أو صناعة معينة، بل بمعنى أنه كان شاعرا بقوة شعره السحرية” {7}

كما كانت غاية الرثاء الأصلية هي السحر، فقد كان الغرض من المرثية “أن تطفئ غضب المقتول وتنهاه أن يرجع إلى الحياة فيلحق الضرر بالأحياء الباقين. ولكن هذا المعنى تلاشى تقريبا في الجزيرة العربية أمام الشعور الإنساني بالحزن المحض” {8}

لقد كان وصف الحيوان والطبيعة عند الأسلاف وسيلة إلى سحر المطر والصيد، كما  كانت حركات العمل الطبيعية المنتظمة، ولا سيما حركات العمل الجماعي، تحث من تلقاء نفسها على التغني بأغان موزونة مصاحبة للعمل وميسرة له تيسيرا نفسيا. وقد رويت لنا عن العرب أيضا مثل هذه الأغاني التي تصاحب العمل كما يؤكد بروكلمان، كما كانت هناك أعمال تصاحب الأغاني في كل مكان من الأرض غير مرتبطة بنظم الإيقاع، كالغزل، والحياكة، والجدْل، مما لا يمكن أن يشتمل على وحدة إيقاعية، فلم يكن الغناء في مثل هذه الأحوال متسقا مع نغم العمل تسهيلا له كما تقدم، وإنما كان الغناء يسلي العمل ويسعفهم بقوى سحرية” {9}

العلاقة بين الشاعر والساحر أصيلة، وقد بلغت حد التداخل الشديد، لكن الشاعر راح يستقل بهويته الخاصة عن الساحر والكاهن، ولم يكن ذلك الاستقلال كبيرا أو واضحا بما فيه الكفاية زمن البعثة المحمدية، حيث  رأينا تداخل صورة الشاعر مع الكاهن مع الساحر إضافة إلى المجنون.

ربْطُ الشعر بالسحر قديمٌ،  وكذلك التمييز بين  النصوص الشعرية تأسيسا على علاقتها بالسحر، ونجده بشكل لافت عند لسان الدين بن الخطيب (713هـ ـ 776هـ) في كتابه {السحر والشعر}، والذي جمع فيه ـ من وجهة نظره ـ أروع وأبدع ما ابتكره الشعراء العرب في المغرب والمشرق قبله حتى زمانه.

لسان الدين بن الخطيب
لسان الدين بن الخطيب

في مقدمة الكتاب القصيرة التي تتكون من ست صفحات، لا يقدم لنا علاقة الشعر بالسحر تقديما شافيا لكنه يقدم بعض النقاط  التي تستحق الوقوف.

ينبع سحر الشعر في رأيه من “الصور الممثلة واللعب المخيلة، وما تأسس   على المحاكاة والتخييل مبناه” {10}

وإذا كانت تلك الصور الفنية تتحقق في الكلام البليغ بشكل عام، إلا أن الشعر هو الأب الشرعي لتلك الصور السحرية يقول: “فما جنح منه إلى التخييل والتشبيه وحل من الاستعارة بالمكان النبيه، لم ينم عنه عرق أبيه، وأعرق في الشعر أتمَّ  الإعراق، وكان شعرا على الإطلاق”

وينظر لسان الدين بن الخطيب إلى الشعر باعتباره يتكون من قسمين، هما الشعر والسحر، أي أن السحر  قسم من الشعر، أو هو الشعر الذي تتحقق فيه  أشياء معينة، يقول: “ولما كان السحر قوة ظهرت للنفوس أفعالها، واختلفت بحسب الوارد أحوالها، فترى لها في صورة الحقيقة خيالها، ويتبدى في هيئة الواجب محالها، وكان الشعر يملك مقادتها، ويغلب عاداتها، وينقل هيئتها، ويسهل بعد الاستصعاب خبيتها، ويحملها في قده على الشيء وضده، وإذا عضد بما يناسبه، وتُفضي إليه مذاهبه، وقُرنت به الألحان على اختلاف حالاتها، عظم الأثر، وظهرت العبر، فشجع وأقدم وسهّر وقوّم وحبب السخاء إلى النفس وشهّى، وأضحك حتى الهى، وأحزن وأبكى وكثير من ذلك يُحكى، وهذه قوى سحرية … ولهذا من الواجب أن يسمى الصنف من الشعر الذي يخلب النفوس ويستفزها، ويثني الأعطاف ويهزها باسم السحر” {11}

لقد قبض لسان الدين بن الخطيب على نقطة بالغة الأهمية عندما اعتبر السحرَ نوعا من الشعر، وأعتقد أن تلك النقطة تم إهمالها من قبل النقاد المعاصرين، بينما ذهبت جهود هائلة في أمور لا طائل منها، ولا شك أن انشغالنا بالسحر الشعري  قليل رغم أنه الأقرب إلى جوهر الشعر وحقيقته.

ربط السحري بالصور الخيالية المدهشة، لا يبتعد في تقديرنا عن مفهوم السحر كما ظهر في القرآن الكريم، وعلى وجه الخصوص في ذلك المشهد  الذي جمع موسى عليه السلام  وأخيه هارون مع السحرة، قال تعالى: “قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى . فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى .  قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى . قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى . فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى . قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى . وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى . فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى” {12}

الخيال هو أساس العملية السحرية، وعن طريقه يتم قلب الجمادات إلى كائنات تسعى، وهنا يتعانق الشعر مع السحر، فكلاهما يعتمد على اللعب بالخيال واستغلال حاسة البصر على وجه الخصوص في صنع صور متخيلة بهدف التأثير القوي في المتلقي، قال تعالى “فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ  وَاسْتَرْهَبُوهُمْ” {13}

يظهر هنا التداخل بين الساحر والنبي، فموسى وهارون (عليهما السلام)ساحران في نظر الجماعة، وتلك النظرة لا تحدث من فراغ، وقد ترجع لمخالفتهما للسائد والمستقر، أو قوة جذبهم للمؤيدين، أو امتلاكهم للمعجزة، ومهما كان المشترك بين الساحر والنبي، يبقى التمييز بينهما هو ذاته التمييز بين الصور الوهمية التي تسحر أعين الناس، والصور اليقينية التي تتجاوز البشر.

هذا التمييز ينسحب على الشاعر هو الآخر، فهو خالق للصور الخيالية  التي تملك القدرة على التأثير القوي، لكنه يختلف عن الساحر الذي يقدم الخيال باعتباره حقيقة، لأن الشاعر يقدم الخيال باعتباره لعبة تعبر عن الحقيقة أو تكشفها.

علاقة السحر بالشعر لا تزال بحاجة في تقديرنا إلى المزيد من الرصد والتحليل والمتابعة  في نصوص الشعراء المعاصرين، ويجدر بها أن تكون مفتاحا أساسيا لدخول عوالم الشعراء، ومن هذا المنطلق نتوقف هنا أمام عدد من الأعمال الشعرية،  على أمل العثور على مظاهر التداخل بين الشعري والسحري.

تمثل تلك الأعمال التي نتناولها هنا عينة عشوائية لثلاثة شعراء، وأقول عشوائية لأنني لم أقم باختيارها لأنها تناسب الموضوع، بل تم إرسالها إلى بهدف تسليط الضوء عليها، وهذا يضعني أمام مهمة مزدوجة، رصد العلاقة بين الشعر والسحر، من ناحية، ورصد المهارات التي يتمتع بها هؤلاء الشعراء وهم يتقدمون إلى الحركة الشعرية بأعمالهم الأولى. وآمل أن تكون تلك الورقة بداية انشغال أكبر بالموضوع.

موضوعات متعلقة:

الشعر واللعبة السحرية (2)

الشعر واللعبة السحرية (3)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img