الشعر واللعبة السحرية (3)

فتحي عبد السميع

2ـ الناي والأفاعي المسحورة وأزمة الشطر الثاني قراءة في ديوان {كذبت عليكَ الريحُ} للشاعر إسلام حلمي

المشهد  السحري الذي تتحول فيه العصي والحبال إلى ثعابين يتكرر في نصوص شعرية كثيرة، بأشكال مختلفة، ويأخذنا  إلى المنطقة التي تتداخل فيها الصورة الفنية مع المعجزة، وتتعانق فيها صورة الشاعر مع صورة النبي.

وفي ديوان “كذبت عليكَ الريحُ” {15} للشاعر إسلام حلمي نعثر على شكل من تلك الأشكال حين يقول الشاعر:

قليلٌ من الحبرِ يكفي لأصنعَ

أنثى  ومملكةً وسجونْ

وإني افْتُتَنْتُ  بِنَايِ الأفَاعِي

فَعَلَّمْتُ ليْليَ بعْضَ الْمُجُونْ.

صورة  الناي والأفاعي تستدعي صورة الساحر وقد تحورت إلى صورة الحاوي، أو مروضي الثعابين من أصحاب الطرق الصوفية، والصورة  التي تفتن الشاعر هنا، هي ذاتها صورة العصا والحية في قص  موسى عليه السلام، مع فارق هائل في الدرجة بين المعجزة الخارقة، والاستفادة من علاقة الأفعى بالموسيقى لتقديم صورة عجيبة رغم أنها تستند على المنطق.

الناي هنا يروض الأفاعي، ويقوم بابتلاعها رمزيا، أو بابتلاع صورتها المعتادة ككائن خطر يسبب الفزع، وتحويلها بلمسة سحرية  إلى كائن وديع يرقص.

صورة الناي والأفاعي تحتفل بالعجيب لكنها بخلاف المعجزة، أو الكرامة الصوفية ـ  تقترب  من  العقل أكثر، وتثمن مهارة السلوك البشري دون أن تفصله تماما عن عالم المقدس، وهكذا يجتمع الحاوي والشاعر في وجه واحد.

عصا موسى التي يتوكأ عليها الشاعر هي القلم أو الحبر الذي  يُلقى فتخرج منه الأنثى والمملكة والسجون، أو اية أشياء يمكن تخيلها.

عصا الشاعر تستمد طاقتها الاستثنائية من ملكة الخيال، وقدرة تلك الملكة على نفخ الروح في الجمادات، وتعتمد على اللعب بالانفعالات الإنسانية بهدف استثمارها من أجل  الوعي بأشياء لا يبلغها التفكير المنطقي وحده.

والديوان يعتمد على الكثير من الصور والمشاهد الخيالية التي تحاول تجسيد سحر البيان عبر الأشكال المعروفة منذ فجر الشعر، مثل التشبيه ،والاستعارة، والكناية، أو الأشكال المتطورة كما تتمثل في صنع الصور الشعرية الحديثة التي تعتمد على الرمز والأسطورة وغيرهما.

كثافة حضور الصور الشعرية في الديوان تبلغ ، حد إثارة قضايا  ارتبطت بما يعرف بشعر الحداثة، مثل ظاهرة الغموض، والإبهام، والترفع عن الواقع وغيرها.

ولا شك أن تحرير طاقة الخيال في النص الشعري العمودي  يرتبط بمشكلات وتحديات، ويخلق ظواهر كثيرة تستحق الرصد والتأمل. ولا نستطيع هنا الوقوف على تجليات الخيال أو طرق تشكيل الصور الشعرية بشكل تفصيلي، وحسبنا الوقوف أمام ظاهرة من الظواهر التي رصدناها على مستوى البيت الشعري، وهي اختلاف طبيعة حضور الخيال في الشطر الأول عنه في الشطر الثاني، فالصورة الشعرية الواحدة تتوزع على الشطرين، وكما لو كنا أمام كتابتين مختلفتين، كتابة تخص الشطر الأول وأخرى تخص الشطر الثاني، وسوف أتوقف هنا عند ثلاثة نماذج من ثلاث قصائد متتالية لنرصد تلك الظاهرة:

1ـ يقول الشاعر في قصيدة (وادي النمل)

كنَّا جميعًا داخلَ الصَّرحِ الَّذي

فيهِ الظلامُ المستنِيرُ تَجَلَّى

جرسٌ يرنُّ الباب يكسرُ…  زائرٌ

في الفجرِ.. عفريتٌ  يقدُّ الليلَا

لن يحتويكَ الصدرُ يا حُزْنِي كما

لا تحْتَوِي بَعْضُ الْجَمَاجِمِ عَقْلَا

الشطر الأول من كل بيت يخلو من المجاز، بخلاف الشطر الثاني، حيث نلتقي في البيت الأول بـ (ظلام مستنير)، أي ظلام خيالي متناقض مع الطبيعة  العامة للظلام، ويتم التأكيد مرة أخرى من خلال كلمة “تجلى” التي ترتبط بالنور لا بالظلام كما في قوله تعالى (والنهار إذا تجلى )، ولهذا يستوقفنا هذا الظلام الغريب، ولا تصلنا دلالة الشطر الثاني بنفس السهولة التي وصلتنا بها دلالة الشطر الأول.

نفس الأمر في البيت الثاني لا نجد خيالا في شطره الأول، بخلاف الشطر الثاني حيث تظهر صورة العفريت الذي يقد الليل، وهي صورة مجلوبة من الذاكرة الشعبية بدون تغيير، ونلاحظ هنا ارتباط الصورة الخيالية بالتوكيد أيضا، وكأن وظيفة القافية هي التوكيد، فهل كانت الصورة تحتاج إلى ذلك التوكيد أم أن التوكيد جاء من أجل القافية وحده؟

في البيت الثالث يتكرر نفس الأمر، ويظهر الخيال  هنا  محدودا من خلال التشبيه التقليدي، الذي يماثل بين وجود الحزن في الصدر والعقل في الجمجمة.

2ـ يقول الشاعر في قصيدة (مَا لَمْ يحْكِ فِنْجَاني)

هل خبَّأَ الرملُ أطلالَ المسافةِ؟

هلْ مشى إلى سِدْرَةِ اللاضوءِ ظِلَّانِ؟

وكنتُ ما كنتُ لمَّا مسَّنِي أَلَقِي

حتَّى اعتلى هُدْهُدُ التأويلِ أغْصَانِي

لا عَاصَمَ اليومَ غيْرُ الماءِ أوْضَعَنِي

كيْ أرضعَ الموتَ من أثْدَاءِ طوْفَانِ

نفس الأمر نراه هنا أيضا، حيث ينشط الخيال في الشطر الثاني، ليصنع الصور الغريبة والعجيبة مثل “سدرة اللاضوء” و “هدهد التأويل” و “أرضع الموت من أثداء طوفان”

ونلاحظ هنا اعتماد الشاعر على (المضاف والمضاف إليه) في صنع الصور أو التركيبات الشعرية، وهي أسهل السبل لصنع الصور، أي أن نشاط الخيال يبقى في الحد الأدنى، كما تبقى العلاقة بين شبه الجملة الخيالي  وبقية البيت شديدة المنطقية، كما هو حال العلاقة بين المشي والسدرة، أو الهدهد والأغصان، أو الرضع والأثداء، وهذا يقلل من فرص الدهشة والمفاجأة التي تثيرنا وتسحرنا.

3ـ يقول الشاعر في قصيدة (عَلَى شاطئ المَعْنَى):

على شاطئ المعنى سيتركُ زوْرَقَهْ

ليحفرَ في أرضِ المجازاتِ خندَقَهْ

مشى وكأنَّ الموتَ يضْبَطُ خَطْوَهُ

ومنْ تَحْتِهِ أَرْضٌ تَمِيدُ لِتَلْحَقَهْ

شهيدٌ  بلا دمعٍ وأمٍّ ومدْفنٍ

وجثْمَانهُ الأيامُ عاثتْ لتحْرَقَهْ

نفس الأمر نراه في القصيدة الثالثة، لكن بصورة مختلفة، فالشطر الأول لا يخلو تماما من المجاز كما في النموذجين السابقين، بل يحتوي على تركيبات خيالية كما هو الحال في “شاطئ المعنى” أو في الصورة الجميلة  “مشى وكأنَّ الموتَ يضْبَطُ خَطْوَهُ” ، ومع ذلك يبقى الخيال في الشطر الأول أقل قوة لأنه يعتمد على التشبيه وهو أبسط وسائل صنع الصور، ويختفي تماما كما في الشطر الأول من البيت الثالث، أي أننا أمام نفس الظاهرة وهي نشاط الخيال وتجليه عبر التركيبات اللغوية غير المعتادة في الشطر الثاني.

نحن هنا أما ظاهرة، تثير أكثر من سؤال:

1ـ لماذا ينشط الخيال ويشتد حضور المجاز في الشطر الثاني، هل هي الحاجة لصنع اللمسة السحرية التي ترفع مقدا القصيدة، أم الحاجة للتخلص من صعوبة القافية، حيث تمنحنا التركيبات اللغوية فرصة لجمع الكلمات في سلة واحدة،  ويجعل القافية في المتناول؟

2ـ هل يعني ضعف المجاز أو انعدامه ضعف أو انعدام  الشعر؟

في محاولتنا للإجابة لن نجد كلاما ينطبق على كل الأبيات، فأحيانا يعني خلو الشطر من المجاز خلوه من الشعر وأحيانا لا، ولنتوقف عند قول الشاعر :

جرسٌ يرنُّ الباب يكسرُ…  زائرٌ

في الفجرِ.. عفريتٌ  يقدُّ الليلَا

يقوم البيت الشعري هنا على ثلاثة أساليب مختلفة في رسم الصورة، ففي البداية  يرسم الشاعر  مشهدا فوتوغرافيا يتكئ على حاستي السمع والبصر، ويتمثل في صوت جرس الباب والكسر، مع غياب المسافة بين الرنين والكسر، دلالة على قوة الاندفاع، والسرعة الخاطفة.

وتأتي جملة “زائر في الفجر”  لتنقلنا من الفوتوغرافي إلى المخزون في الذاكرة عن طبيعة زوار الفجر، وهكذا يوقظ صورا قديمة في المخيلة رغم أنه يستخدم جملة عادية لا خيال فيها، ومن المهارة هنا وضعها في هذا الترتيب، وكان يمكنه ذكرها في البداية، ولو فعل لفقدت الصورة رونقها وشدة تأثيرها، لأن تعبير “زوار الفجر” يرتبط في الذاكرة ارتباطا مألوفا بالخبط والكسر، ولو ذكرها في البداية لاختلفت الصورة وفقد الجزء الأول قدرا كبيرا من قوته. ثم يأتي الجزء الثالث بصورة خيالية  تخاطب أغوارنا النفسية والأسطورية لتقدم جديدا، وهذا الجديد يكتسب قيمته من سياقه، أي أن الدعامات الثلاث تعمل معا.

ولنأخذ نموذجا آخر يقول الشاعر:

شهيدٌ  بلا دمعٍ وأمٍّ ومدْفنٍ

وجثْمَانهُ الأيامُ عاثتْ لتحْرَقَهْ

في البيت صورتان الأولى للشهيد والأخرى للجثمان، الأولى تبني نفسها من خلال الغياب، والأخرى من خلال الحضور، بمعنى  حضور أشياء غريبة، غير مناسبة للسياق، وتقدم مفارقة دون حيل لغوية، فالشهيد هو أعز الموتى، لأنه ضحى  بحياته من أجلنا، وتلك المنزلة العالية تتأكد من خلال الطقوس، وحرارة الجنازة، وهذا هو المعتاد، أما غير المعتاد فهو تركه دون دفن، ودون دمعة، مع غياب البطل الأول في طقوس الموت، وهو الأم، وهذا الغياب يقدم لنا صورة غريبة تستوقفنا.

أما الصورة الأخرى فتتحدث عن حرق الجثمان، والسلوك هنا أشد من غياب الدمع أو الأم، لكن الشدة لا تعني التأثير بالضرورة.

الصورة الثانية ترفع من حدة المعاناة عبر إجراءات خفض المكانة، من خلال ثلاثة مظاهر، الأول هو استخدام الأيام دلالة على طول المدة، والطول لا يتناسب مع مبدأ إكرام الميت دفنه. والثاني من خلال استخدام فعل “عاث” والذي يرتبط في الذاكرة بالمبالغة في التخريب والإفساد. والثالث هو استخدام فعل الحرق، رمز التعذيب الأليم.

في الصورة الثانية يتم خفض المكانة بشكل معقد وعنيف لكنه لا يتجاوز جمال المشهد الأول، فالشاعر يستخدم  طاقة الخيال هنا، لا في صنع السحر، بل في التغلب على صعوبة القافية، و مط الشطر الأول، أو مط المعنى كي يتوزع على شطرين.

ظاهرة شيوع التركيبات اللغوية المعقدة في الشطر الثاني نلاحظها في نصوص كثيرة لشعراء آخرين، وهي تحتاج إلى مزيد من الرصد والتأمل، والتأكيد على أن التركيبات اللغوية يمكن أن تصنع فنا رائعا، ويمكن أن تصنع فنا زائفا، ويمكن أن تمكننا من اللعبة السحرية المنشودة، ويمكن أن  تخدعنا فنحسب أنفسنا نبدع ونحن في الحقيقة نهرب من الإبداع.

موضوعات متعلقة:

الشعر واللعبة السحرية (1)

الشعر واللعبة السحرية (2)

 

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img