الكتابة الشعرية الجديدة..فاعلية الاختلاف وملامح الخصوصية (3)

الكتابة الشعرية الجديدة: فاعلية الاختلاف وملامح الخصوصية، مقاربة تأويلية في نماذج شعرية مختارة (3)

بقلم/ د. محمد صلاح زيد (ناقد وأكاديمي مصري)

إن الشعرية باعتبارها من أكثر النظريات الأدبية التي شغلت بال النقاد، كانت الصورة الأولى التي عكست لنا الحداثة، لما نادت به من مباديء وقوانين كانت في مجملها حصيلة الثورة العلمية، إذ بموجبها أصبح ينظر للنص الشعري نظرة موضوعية بعيدًا عن المعايير الذوقية طبقًا لما جاءت به لسانيات سوسير، وهذا ما يتضح من النص الشعري السابق، فهو نص حداثي يتأسس على مباديء وقوانين الحداثة الشعرية، من حيث طرائق التعبير الجديدة والصور المتاهية التي تضعنا أمام لا انتظام النص، والمحكيات الشعرية غير المتداولة التي تحكم الصور الشعرية داخل النص وتعبر عنه (هكذا تبادلوا الأدوارَ في دوامةِ الذهولِ / استعادوا خفةَ الفصولِ / تمددوا دوائرًا دوائرًا / خلفوا وراءَهُمْ مدينةً كبيرةً يرجُّ ليلَها، الغريبُ، كالزجاجةِ اللعوبِ / عالمًا يثمنُ الرجالَ بالعراكِ والدخانِ والنقودِ والحروبِ / يحتسي أصابعَ الصغارِ مثلَ رقصةِ الفاشيّ في فظاظةِ الدروبِ / يطعنُ الكبارَ في ظهورهِمْ وفي مواضعِ القلوبِ / هكذا تناسلوا جريمةً جريمةً / رددوا النشيدَ غيرَ واثقينَ في النشيدِ مثلما نصبُّ، للضيوفِ، قهوةَ الترحيبِ / مكّنوا العدوَ منْ قلاعِهِمْ / ألفوا قصائدَ النحيبِ

غيرَ عابئينَ بالبيوتِ والطيورِ والزهورِ والخيولِ والنخيلِ / التراجعِ المريرِ في رمالِهِمْ / خلفَهُمْ تدكُّ دانةٌ مسلةً / ينتهي الزمانُ فجأةً / ينتهي المكانُ في رمادِهِ ونارِهِ / ينتهي النشيدُ في انكسارِهِ / تنتهي الشعوبُ في انتفاضةِ الشعوبِ / هكذا تركتُهُمْ، أوائلَ الخريفِ / ينظرونَ للسماءِ / السماءُ كالقميصِ في بياضهِ العجوزِ صامتٌ / هكذا تركتُهُمْ، أواسطَ الخريفِ ينظرونَ للسماءِ / السماءُ معدنٌ يشعُّ زرقةً مريضةً وسامةً / هكذا تركتُهُمْ، أواخرَ الخريفِ ينظرونَ للسماءِ / السماءُ طائرٌ يجردُ الجبالَ منْ وقارِهِا

ويفضحُ السهولَ / مدّ ساقَهُ ليضربَ الهواءَ في مناجمِ القصديرِ في مشاغلِ الحريرِ

في مزارعِ الكرومِ في شوارعِ التخبطِ الضريرِ / ربما، لربما تقدمتْ غزالةٌ لسهمِ قانصٍ / أفلتتْ غزالَها وليلَها وكحلَها وشالَها / قلبُها تقلصتْ شؤونُهُ / ماؤُها تبددتْ عيونُهُ / عشبُها الكثيرُ قلَّ ربما، لربما). فالمحكيات الشعرية السابقة قد تأسست على ماهية فنية، تقوم في جوهرها على الإتيان بالشيء الذي لم يؤت بمثله من قبل، والتحرر من إسار المحاكاة للنص الشعري التقليدي، والنقل، والاقتباس لصوره، واجترار القديم من لغته، فهو نص حداثي، جاءت الحداثة الشعرية فيه مقابل النزعة التراثية، ولطالما طُرحت إشكالية العلاقة بين الحداثة والتراث، ومن خلال النص السابق تجلت آثار هذا الطرح في أبهى صورها. وفي قصيدة “لا أنا ولا أحد!”، تتجلى مرة ثانية إشكالية القطيعة مع النص القديم، ليفسح الشاعر المجال لنص شعري حداثي متاهي، يقول:

“لا يهمني المكان:

(لون غرفتي يهمني!)

ولا يهمني الزمان:

(طعم قهوتي يهمني!)

ولا يهمني انقطاع بهجتي وطول وحدتي

ولا يهمني غدي

وصرختي يدٌ قصيرةٌ

وفرع توتةٍ حسبتُه يدي

ومثل دود القز

يغزل الرفاق موعدي

ولا يجيء موعدي!

أهمُّ بالرحيل

مثل طائرٍ يميز الجهات

والسماء فرْشتي ومقعدي

ولا يدلني دمٌ عليّ

غير أنني أشمني وأهتدي إليّ

مثلما  إلى البلاد، حصتي من البلاد، أهتدي!

عدوتُ ممسكًا رغيفيَ الأخير

والرياح: مركبات رحلتي ومقودي

ووحده الجنون: شارتي وقائدي

ووحده الدم الذي التقطتُ في قارورتي: أنيس عزلتي وشاهدي

ووحده الصراخ في الظلام: عادتي وعائدي!

ولدتُ هكذا

ولستُ صدفةً وليس لي غرضْ

ولدتُ حوليَ الحروب والجياع والمرضْ

ولدتُ هكذا

موزَّعًا على البيوت في القرى،

مواسمَ الحصاد، كالغلالِ، والبيوت تنقرضْ

ودائرًا كأنني ماكينةٌ غريبة الأطوار

يبسط الربيع كفه فتنقبضْ

ويقبض الربيع كفه فتنقبضْ

ولدتُ هكذا

وعشتُ مرةً ومتُ مرةً

قطعتُ غابةً…

صعدتُ سلمًا/ هبطتُ سلمًا/

رقصتُ مرةً/ سكنتُ مرةً/ قفزتُ مرةً/ وقعتُ مرةً

عميتُ مرةً/ رأيتُ مرةً

ذهبتُ مرةً/ رجعتُ مرةً

وليس غير ذئبةٍ يلفني عواؤها

بلادي التي حفظتُ في انكسارها شعارها

وفي جفافها جرارها

وفي حريقها ثمارها

ومن مكيدة الجرائد التي تزيف الثوار، نارَها!”.

فعبر نص شعري متاهي تمثل نفسه فن الاستحالة ، فهي تظهر ما يبقى أمام العجز من قدرة وما قد يحققه الخيال من انتصار على الواقع، بل ما قد يؤكد أن الذي يحدث في الخيال قد يكون أهم مما حدث بالفعل أو سيحدث في الواقع، وألا وجود للممنوع داخلها، وأن كل شيء مباح في عالمها، وهذا كله تسهم فيه تلك الصور الشعرية المتنوعة والمتداخلة التي احتواها النص، مما يسهم في بناء وتشكيل متخيل شعري للنص من نوع خاص، نوع يقوم على تداخل الحكايات الواحدة والمتعددة، تداخل يزيد مساحة التخيل أمام الواقع، ويفتح آفاق التأويل والاستنطاق لهذه الصور على مدى أرحب، مدى مشرعًا في الاتساع (لا يهمني المكان: (لون غرفتي يهمني!) / لا يهمني الزمان:(طعم قهوتي يهمني!) / لا يهمني انقطاع بهجتي وطول وحدتي / لا يهمني غدي / صرختي يدٌ قصيرةٌ / فرع توتةٍ حسبتُه يدي / مثل دود القز يغزل الرفاق موعدي ولا يجيء موعدي! / أهمُّ بالرحيل مثل طائرٍ يميز الجهات / السماء فرْشتي ومقعدي / لا يدلني دمٌ عليّ غير أنني أشمني وأهتدي إليّ / مثلما  إلى البلاد، حصتي من البلاد، أهتدي! / عدوتُ ممسكًا رغيفيَ الأخير / الرياح: مركبات رحلتي ومقودي / وحده الجنون: شارتي وقائدي / وحده الدم الذي التقطتُ في قارورتي: أنيس عزلتي وشاهدي / وحده الصراخ في الظلام: عادتي وعائدي! / ولدتُ هكذا / لستُ صدفةً وليس لي غرضْ / ولدتُ حوليَ الحروب والجياع والمرضْ / ولدتُ هكذا موزَّعًا على البيوت في القرى، مواسمَ الحصاد، كالغلالِ، والبيوت تنقرضْ / دائرًا كأنني ماكينةٌ غريبة الأطوار / يبسط الربيع كفه فتنقبضْ / يقبض الربيع كفه فتنقبضْ / ولدتُ هكذا وعشتُ مرةً ومتُ مرةً / قطعتُ غابةً / صعدتُ سلمًا/ هبطتُ سلمًا/رقصتُ مرةً/ سكنتُ مرةً/ قفزتُ مرةً/ وقعتُ مرةً / عميتُ مرةً/ رأيتُ مرةً / ذهبتُ مرةً/ رجعتُ مرةً / ليس غير ذئبةٍ يلفني عواؤها / بلادي التي حفظتُ في انكسارها شعارها / في جفافها جرارها / في حريقها ثمارها / من مكيدة الجرائد التي تزيف الثوار، نارَها!)، لقد حرص الشاعر بعناية فائقة ألا يسقط في المباشرة التي لا تليق بعمل أدبي؛ لأن الكتابة لها حيلها ونزواتها الملغزة، وبتعبير آخر، فإن هذه الطرائق في الكتابة لا يمكن أن يدعمها إلا شاعر بديع، ينتج نصًا متميزًا، يقوم في جوهره على مشاكسة الصور الشعرية ومحاورتها وتداخلها لديه، حتى تنتج متخيلًا شعريًا أكثر رحابة وقلقًا عبر الوقوف على توظيف تقنيات الكتابة الشعرية الجديدة داخل القصيدة.

موضوعات متعلقة:

الكتابة الشعرية الجديدة.. فاعلية الاختلاف وملامح الخصوصية (1)

الكتابة الشعرية الجديدة..فاعلية الاختلاف وملامح الخصوصية (2)

الكتابة الشعرية الجديدة..فاعلية الاختلاف وملامح الخصوصية (4)

الكتابة الشعرية الجديدة..فاعلية الاختلاف وملامح الخصوصية (5)

الكتابة الشعرية الجديدة..فاعلية الاختلاف وملامح الخصوصية (6)

الكتابة الشعرية الجديدة..فاعلية الاختلاف وملامح الخصوصية (7)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img