الكتابة الشعرية الجديدة..فاعلية الاختلاف وملامح الخصوصية (4)

الكتابة الشعرية الجديدة: فاعلية الاختلاف وملامح الخصوصية، مقاربة تأويلية في نماذج شعرية مختارة

بقلم/ د. محمد صلاح زيد (ناقد وأكاديمي مصري)

_ تأويل النص / نص التأويل في ديوان “رحيل إلى المجاز” للشاعر “يوسف عابد”

يتراجع النص أمام القارئ فاتحًا له المجال، كي يقول ما يشاء، ويظل المبدع مغيبًا نهائيًا في هذه العملية، ولعل نظرية القراءة والتأويل ظهرت وانتشرت في أوربا وبالضبط في ألمانيا وامتدت إلى أمريكا، وقد سميت في أمريكا (نقد استجابة القارئ)، أما في أوربا فتُدعى (نظرية التلقي).

لقد ظهرت نظرية التأويل منقذًا للنقد من عبثية التفكيك، وعلى الرغم من اهتمامها بالنص والقارئ معًا، فقد احتل القارئ مركز الريادة، واعتمادًا على ما يوجد في النص، عليه أن يحصل على الدلالة، فتصبح القراءة بهذا المعنى مغامرة تحتاج إلى قارئ / ناقد في المستوى، عليه أن يكون مثاليًا([1])؛ لأن عمله سيكون “رحلة شاقة، بل مغامرة محفوفة بالمخاطر، ولا يتوفر لها أدنى عامل من عوامل الأمان، في أودية الدلالة وشعابها دون معرفة، دون دليل ودون ضوابط واضحة وكشوفات ذاتية، فردية، لا غيرية، جماعية، حلقة الدلالة، وتعويم المدلول المقترن بنمط ما من القراءة، أي استحضار المغيب، وهذا يقود إلى تخصيب مستمر للمدلول بحسب تعدد قراءات الدال”([2]).

ترى نظرية التأويل أن النص الأول يبقى ثابتًا، وأن ما يتغير هو الدلالة وبالتالي بمجرد أن يقترب القارئ من النص، فقد فتحه على تعدد القراءات، القراءة الأولى تحيل إلى الثانية، والثالثة إلى غير ذلك([3]).

إن أول قارئ يطرق باب النص هو مبدعه؛ ليصبح المعنى الذي يعتقد المبدع أنه ضمنه نصه مجرد قراءة تحتمل العديد من القراءات، فـ”كل مؤلف مؤول بكيفية أو بأخرى، وإذا ما صح، فإننا نقترح درجة دنيا من التأويل سندعوها القراءة”([4]). وهذا ما قد تتضح ملامحه بعض الشيء في ديوان “رحيل إلى المجاز” للشاعر “يوسف عابد”، حيث تعويم المدلول المقترن بنمط ما من القراءة، واستحضار المغيب عبر تخصيب المدلول وفق تعدد قراءات الدال، يقول في قصيدة “رحيل إلى المجاز”:

“قالُ المسافرُ

حينَ ودَّعَ أهلَهُ:

للريحِ أنْ تَرثَ المكانَ وظلَّهُ

وبكى..
ليعرفَ أنَّ دمعةَ تائهٍ

ستُريقُ ألفَ سحابةٍ لتُظلَّهُ

كانَ الرحيلُ

إلى المجازِ محرّمًا

فاخْتارَ أنْ يبكي دمًا ليُحلَّه

تيهٌ من الوحيِ البسيطِ

وحكمةٌ

وحَنَاجرُ الشُّعراءِ

ترقصُ حولَهُ

يتساقطون على الطريقِ

ولم يزلْ بخيالهِ العاري

يُؤبّرُ نخلَهُ

فَوْضاهُ تَمْنَحُهُ النضُوجَ

فكُلَّما بلغَ انْتصافَ الدربِ..

شتّتَ خَيْلَهُ

صَقَلَ الضجيجُ جنونَهَ

لكنَّهُ لَـمْ يمتَلِكْ وقْتًا

ليَشْكُرَ نحْلَهُ!

كالريحِ

يحملُ نايَهُ في روحهِ

ويذوبُ إيقاعًا، ليحميَ حِملَهُ

كالماءِ

إذْ لا شيءَ يوقفُهُ إذا ما

مرّةً في الأرضِ أطلقَ سيلَهُ

كالنارِ

يحرقُ بعضَهُ في بَعضِهِ

ومِنَ الرَّمادِ المحضِ يَبْعَثُ كُلَّهُ

في صمتِهِ
سيفُ الكلامِ مُخبّأٌ
ورؤاه نازفةٌ لكي تستلَهُ
يمشي بأرصفةِ الظنونِ
يريد أن يلقي
بأروقة الحقيقةِ رَحْلَهُ
متزوّجٌ روحَ الخيالِ
وكمْ قضى بالغيمِ شهوتَهُ
وأنكرَ طفلَهُ”.

إن المتأمل في حكاية ذلك الإنسان التائه المملوء بالشك، الذي تتراءى الحياة أمامه خالية من المعنى، والتي نحاول أن نتعرف على قسماتها من خلال المقاطع الشعرية لهذا النص الشعري سالف الذكر، تلك التي تحكي أجزاؤها وشظاياها مع أجزاء وشظايا حكايات الذات المكللة بالخسارات والخيبة والمملوءة بالشك التي تسكنه، تستوقفنا على نحو مثير آلة السديم والشك داخله من مجمل الصور الشعرية المتعددة والمتشظية، إلى حد تبدو معه من خلال تداخل شظاياها المحتبكة حكاية واحدة، وذلك بانسرابه في دغل تشتبك فيه شظايا الصور الشعرية الناقلة لحياة ذلك الإنسان البائس _كما يصوره النص_ وذلك وفق ما يقتضيه توليد الصور الشعرية من انتظام حدثي داخل النص (قالُ المسافرُ حينَ ودَّعَ أهلَهُ: للريحِ أنْ تَرثَ المكانَ وظلَّهُ / بكى.. ليعرفَ أنَّ دمعةَ تائهٍ / ستُريقُ ألفَ سحابةٍ لتُظلَّهُ / كانَ الرحيلُ إلى المجازِ محرّمًا / اخْتارَ أنْ يبكي دمًا ليُحلَّه / تيهٌ من الوحيِ البسيطِ وحكمةٌ وحَنَاجرُ الشُّعراءِ ترقصُ حولَهُ / يتساقطون على الطريقِ / لم يزلْ بخيالهِ العاري يُؤبّرُ نخلَهُ / فَوْضاهُ تَمْنَحُهُ النضُوجَ / كُلَّما بلغَ انْتصافَ الدربِ.. شتّتَ خَيْلَهُ / صَقَلَ الضجيجُ جنونَهَ / لكنَّهُ لَـمْ يمتَلِكْ وقْتًا ليَشْكُرَ نحْلَهُ! / كالريحِ يحملُ نايَهُ في روحهِ / يذوبُ إيقاعًا، ليحميَ حِملَهُ / كالماءِ إذْ لا شيءَ يوقفُهُ إذا ما مرّةً في الأرضِ أطلقَ سيلَهُ / كالنارِ يحرقُ بعضَهُ في بَعضِهِ / مِنَ الرَّمادِ المحضِ يَبْعَثُ كُلَّهُ في صمتِهِ / سيفُ الكلامِ مُخبّأٌ / رؤاه نازفةٌ لكي تستلَهُ / يمشي بأرصفةِ الظنونِ / يريد أن يلقي بأروقة الحقيقةِ رَحْلَهُ / متزوّجٌ روحَ الخيالِ / كمْ قضى بالغيمِ شهوتَهُ وأنكرَ طفلَهُ).

إذن فكل قراءة هي تأويل من طرف القارئ، وهذه السمة تنقل النص من كونه ملكًا مشاعًا بين الناس، إلى ملك لا يمنح نفسه إلا لمن صدق في حبه له، ويتحول القارئ من مستهلك، هدفه المتعة، إلى قارئ يهدف إلى أبعد من النص، وهو القارئ المؤول، الذي يسعى إلى كشف المسكوت عنه في النص، وهنا يحدث التفاوت بين النقاد؛ لأنه كلما زادت ثقافة القارئ وقدرته على الكشف في مجاهيل النص، زادت قيمته واتسعت مجالاته. ففي قصيدة “ثقب بجلباب الظلام” قد يحدث التفاوت في التلقي، لكن يبقى النص في حاجة إلى القارئ المؤول، الذي يسعى إلى كشف المسكوت عنه داخله، يقول الشاعر:

“قمرٌ على الشبّاكِ

بعثرَ أدمعَهْ

فسكبْتُ روحي فيه

حتّى أسمعَهْ

قمرٌ يضيءُ

كأنّه

ثقبٌ بجلبابِ الظلامٍ

وصمتُهُ يحكي معَهْ

ناجيتُ أزرَقَهُ

فعانقَ وحدتي

أسرفتُ في حلمي

فأسدلَ برقعَهْ

ما زلتُ من تيهٍ

إلى تيهٍ…

فإنْ أبصرْتَني

ترَ أدمعي في الأشرعةْ

لي في البحارِ السبْعِ

حَيرتيَ التي

كم فرّقتْ جسدي هناكَ

لأجمعَهْ

في التيهِ

لا فرحٌ سماويٌّ..

بهِ

حتّى فراشاتُ السعادةِ

موجعةْ

قلبي هو النهرُ الذي

ما امْتدَّ في أسرارِهِ

إلا لينسى منبَعَهْ

أمشي

وأبتكرُ الأغاني لي

مَدَيً

لمّا تضيقُ بيَ الجهاتُ الأربعةْ

في التيهِ يختنقُ المكانُ بذاتِهِ

في التيهِ يتبعني السرابُ..

لأتبَعَهْ

ما الساعةُ الآن؟

الزمانُ مُعطّلٌ

والموتُ

يفرشُ في الحقيقةِ

أذرعَهْ”.

لقد تناثرت شظايا الصور الشعرية داخل النص وفق منطق التقطيع والمجاورة والتداخل؛ مما أتاح بامتياز خلق صور شعرية متاهية تحتبك فيها وتشتبك فروع وأعطاف الشظايا، ومما يغني أسلوب نسج المتاهة داخل الصورة الشعرية لدى الشاعر “يوسف عابد” تعدد ضمائر خطاب النفس والمخاطب، واختلاف الصور الشعرية وتنوعها موضوعيًا، لكنه يبدو اختلافًا سديميا لذات واحدة، كما أنه لا يمكن التغاضي عن صيغ الصور الشعرية في تدمير عناصر بناء الحكايات الشفهية لها الماثل في الصور الشعرية التقليدية عن طريق الحكي المسترسل كرونولوجيًا (المتسلسل والمرتب زمنيًا)، وتغليب تقنية العبورات والانتقالات بين الشظايا التي تحيل أكثر على طقس الكتابة والحكاية الشعرية المكتوبة بصورة خاصة، وهنا تلعب المتاهة دورًا حيويًا في نسخ ومضاعفة فعل السديم ودورانه، وأيضًا إحداث مغايرات عن ذات ذلك الإنسان التائه داخل النص، وذلك بتفكيك لحظاته وتفتيتها، لحد يصبح معه الشتات بألوان طيفه “مفعمًا بإيحاءات دالة لا تعدم عمقها ضمن تجارب الفتك بما تحمله من انقلاب في المصائر وأشكال الكينونات، سواء في الحاضر كما في الماضي أو كما تستوي في سريرة التطلع (قمرٌ على الشبّاكِ بعثرَ أدمعَهْ / سكبْتُ روحي فيه حتّى أسمعَهْ / قمرٌ يضيءُ كأنّه ثقبٌ بجلبابِ الظلامٍ وصمتُهُ يحكي معَهْ / ناجيتُ أزرَقَهُ فعانقَ وحدتي / أسرفتُ في حلمي فأسدلَ برقعَهْ / ما زلتُ من تيهٍ

إلى تيهٍ… فإنْ أبصرْتَني ترَ أدمعي في الأشرعةْ / لي في البحارِ السبْعِ حَيرتيَ التي

كم فرّقتْ جسدي هناكَ لأجمعَهْ / في التيهِ لا فرحٌ سماويٌّ..بهِ / حتّى فراشاتُ السعادةِ موجعةْ / قلبي هو النهرُ الذي ما امْتدَّ في أسرارِهِ إلا لينسى منبَعَهْ / أمشي وأبتكرُ الأغاني لي / مَدَيً لمّا تضيقُ بيَ الجهاتُ الأربعةْ / في التيهِ يختنقُ المكانُ بذاتِهِ / في التيهِ يتبعني السرابُ..لأتبَعَهْ / ما الساعةُ الآن؟ الزمانُ مُعطّلٌ

والموتُ يفرشُ في الحقيقةِ أذرعَهْ).

فالنص قبل القراءة ميت، والقارئ من يبعث فيه الحياة، والاستمرار في القراءة هو ما يضمن له الوجود، ولهذا ليس لزمن قدرة على القضاء بموت نص أو حياته، فالقدم والجدة ليسا معيار حضوره، بل قد يصبح النص القديم الذي نسي منذ زمن بعيد نصًا له كيان ومعترف به، إذا جاء من يقوم بإعادة قراءته، وفي مقابل هذا قد يصبح النص الذي لا يفصلنا عن كتابته سوى يوم واحد، نصًا منسيًا، إذا امتُنِع عن قراءته([5]).

المراجع:

([1]) نادية بو ذراع، نادية بو ذراع، الحداثة في الشعرية العربية المعاصرة بين الشعراء والنقاد، ماجستير، كلية الآداب، جامعة الحاج لخضر_باتنة، 2008م، إشراف أ.د علي خذري، ص136.

([2]) عبد الله إبراهيم، معرفة الآخر: مدخل إلى المناهج النقدية الحديثة، المركز الثقافي العربي، بيروت.لبنان، ط(2)، 1996م، ص114.

([3]) نادية بو ذراع، الحداثة في الشعرية العربية المعاصرة بين الشعراء والنقاد، مرجع سابق، ص136.

([4]) محمد مفتاح، التلقي والتأويل: مقاربة نسقية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء.المغرب، ط(2)، 2001م، ص221.

([5]) نادية بو ذراع، الحداثة في الشعرية العربية المعاصرة بين الشعراء والنقاد، مرجع سابق، ص137،138.

موضوعات متعلقة:

الكتابة الشعرية الجديدة.. فاعلية الاختلاف وملامح الخصوصية (1)

الكتابة الشعرية الجديدة..فاعلية الاختلاف وملامح الخصوصية (2)

الكتابة الشعرية الجديدة..فاعلية الاختلاف وملامح الخصوصية (3)

الكتابة الشعرية الجديدة..فاعلية الاختلاف وملامح الخصوصية (5)

الكتابة الشعرية الجديدة..فاعلية الاختلاف وملامح الخصوصية (6)

الكتابة الشعرية الجديدة..فاعلية الاختلاف وملامح الخصوصية (7)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img