الكتابة الشعرية الجديدة..فاعلية الاختلاف وملامح الخصوصية (5)

الكتابة الشعرية الجديدة: فاعلية الاختلاف وملامح الخصوصية، مقاربة تأويلية في نماذج شعرية مختارة

بقلم/ د. محمد صلاح زيد (ناقد وأكاديمي مصري)

وفي قصيدة “كما في الأساطير”، يصبح الاستمرار في القراءة هو ما يضمن للنص وجوده الحقيقي، فمقروئيته دليل على مقدرته الإبداعية في الحضور، يقول الشاعر:

“رأيتُ القصيدةَ

-في هيئةِ الحُلْمِ-

غامضةً

تتحقّقُ شيئًا فشيئًا

وتنبشُ جرحَ العدم!

رأيتُ صديقي

يقاطعهُ الموتُ
-منتصفَ الحلم-

والليل أعمى أصمّْ

غناؤكَ قمحٌ
وصمتُك صوفيْ

وشعركَ تمثالُ روحكَ

همسُ الندى للحروفِ

ونحنُ الذين نشيُّعكَ الآن

تلعننا الطرقاتُ

ويشربنا الموتُ حتى الثمالةِ

فارجعْ

لتكشفَ ما خبّأ الموتُ

من فلسفةْ

يقولُ: الحياةُ غموضٌ

وفي الموتِ يتضحُ الأمرُ

لا حاجةٌ للخيالِ

وزخرفةِ الشعرِ

فالموتُ موتٌ بدونِ مجازٍ

ولا عاطفةْ

صعدتُ إلى الغيمِ

لكنني لم أشاركْهُ قهوتَه

كما في الأساطير

كانَ الصباحُ صباحًا

ونحنُ سئمناكَ يا موت

يا لعبةَ الأشقياءْ

وكان المساءُ مساءً

ونحن سئمناكَ يا موت

يا لعنة الشعراءْ

ويا رجفةَ الصوتِ

في دندناتِ الجرسْ

وأمنيةً لا تجيءُ

وليستْ تظلُّ بعيدةْ

قريبٌ هو الموتُ

مثلَ النفَسْ

بعيدٌ كمعنى القصيدةْ!”.

       في النص السابق يتراءى لدى الشاعر عالم ما بين الذاتيات مفعمًا بالتيه والسديم عبر ما يداني نسخ المفردة ومثيلاتها في صور شعرية تبدو ظاهريًا متماثلة، لكنها تضمر اختلافًا _نوعًا ما_ في سياقات متعددة، هكذا تتداخل الصور وتختلط خيوط نسيجها مع ما يشبه ذكريات الماضي أو مع ما قد نخاله تطلعات للمستقبل. ومع توالي سرد شظايا الصور الشعرية تختلط علينا خيوط سياقاتها، بحيث تصير الرغبة في الهروب من الحضور داخل دائرة النسيان (رأيتُ القصيدةَ

-في هيئةِ الحُلْمِ- غامضةً / تتحقّقُ شيئًا فشيئًا / تنبشُ جرحَ العدم! / رأيتُ صديقي

يقاطعهُ الموتُ -منتصفَ الحلم- / الليل أعمى أصمّْ / غناؤكَ قمحٌ / صمتُك صوفيْ / شعركَ تمثالُ روحكَ / همسُ الندى للحروفِ / نحنُ الذين نشيُّعكَ الآن / تلعننا الطرقاتُ / يشربنا الموتُ حتى الثمالةِ / ارجعْ لتكشفَ ما خبّأ الموتُ من فلسفةْ / يقولُ: الحياةُ غموضٌ / في الموتِ يتضحُ الأمرُ / لا حاجةٌ للخيالِ وزخرفةِ الشعرِ / الموتُ موتٌ بدونِ مجاز / لا عاطفةْ / صعدتُ إلى الغيمِ / لكنني لم أشاركْهُ قهوتَه  / كما في الأساطير / كانَ الصباحُ صباحًا / نحنُ سئمناكَ يا موت / يا لعبةَ الأشقياءْ / كان المساءُ مساءً / نحن سئمناكَ يا موت يا لعنة الشعراءْ / يا رجفةَ الصوتِ في دندناتِ الجرسْ / أمنيةً لا تجيءُ وليستْ تظلُّ بعيدةْ / قريبٌ هو الموتُ

مثلَ النفَسْ بعيدٌ كمعنى القصيدةْ!). هنا يتضح لنا أنه كلما أوغلنا في غمر شظايا الصور الشعرية للنص، توطدت كمائن المتاهة الشعرية داخله، إذ لا نكاد نميز بين سياق صورة شعرية وأخرى داخله.

إنه من المسلم به على العموم أن النصوص الأدبية تأخذ حقيقتها من كونها تقرأ، وهذا بدوره يعني أن النصوص يجب أن تحتوي مسبقًا على بعض شروط التحيين التي تسمح لمعناها أن يتجمع في الذهن المتجاوب للمتلقي([1]). وعادة ما تكمن شروط التحيين في لغته، فلا مكان في الإبداع للغة العادية البسيطة التي تحمل المعنى فوق السطور، “ولأن الأدب هو ما امتنعت فيه اللغة إلا أن تكون عاملًا مضللًا وليس دليل هداية، وبفضل هذه الصفة فيها تكتسب ألفاظها الكثير من الدلالات ويحدث ذلك أثناء محاولة القارئ الإمساك بالمعنى، فقبل الوصول إلى معنى معين، فهو يطرح العديد من الاحتمالات التي تغني النص وتزيد من قيمته”([2]). ففي قصيدة “المجنون الذي يقرأ” تصبح اللغة عاملًا مضللًا وليست دليل هداية، فمنها تُنسج المحكيات الشعرية المتاهية، فتكتسب ألفاظها الكثير من الدلالات، حيث إن لغة النص لم تكن تلك اللغة العادية البسيطة التي تُنسج منها محكيات شعرية مباشرة ومتماسكة، يقول:

“كما لا تريد ليَ الأمنياتُ
وُلدتُ بلا رغبةٍ
كلُّ شيء يَمدُّ إليّ يدًا
كنتُ دومًا أعضُّ أصابعَها
ثُمّ أعتذرُ..
انتبهتْ للفراشاتِ رُوحي
فصرتُ أنيقًا
كما تشتهي الأغنياتُ
وطفلًا يُلاطفُ ذئبًا
ليصعدَ فوقَ العواءِ
إلى نجمةٍ في الهديلْ
معي من جنوني حصانةُ ريحٍ
لأمشي طويلًا طويلًا بدونِ دليلْ
ولكنّ هذا الذي في يديّ كتابي
وللأهلِ تلك الخيولْ
هنا اقترفتْنا الحياةُ دمًا أسودَ
وهنا اكتنزتْنا الحياةُ ندىً وصهيلْ
كبرتُ وهمتُ بتفعيلة التيه
– محلولة الشَّعر-
لكنها لا تحلّ لملاح..
بحر الندى “المتقارب”
فعولن فعولن فعولْ
(على كلِّ حالٍ تسيرُ الحياةُ)
ولكنّ في القلبِ بعضَ فضولْ
فعودي..
أعيدي إلى الحلمِ ذاكرتي
وإلى الواقعيةِ وقعَ النشيدِ
على درجِ الوقتِ
لا توقظيني..
ولا تُغلقي البابَ
كي أتنفسَ ضوءَ المصابيح
عودي معَ الضوءِ عودي
فإنّ المساءَ يفيضُ على أرقي
والحكايةُ لم تبتدئْ بعدُ
بعدي أنا يا حبيبةُ
ظلُّ القصيدةِ شمسي
وصمتُ الممراتِ أغنيتي الموسميَّةُ
أُخرِجُ حنجرتي من شِوالي
وأنفخُ فيها مراثي العدمْ
وأمشي إلى ما تَدلُّ خُطاي
أرى النيلَ يُفزِعُ نومَ الأميرِ
“يُظلّلُني غُصنُ دمْ”
شِوالي ملئٌ بما لستُ أعلمُ
ليس كقُبّعةِ السِحرِ حتى
ولو طلّ مختنقًا منهُ صوتُ الحمامْ
ولستُ كـ (بابا نويل)
ولو أُغْمضتْ أعينُ الميتين
عن الموتِ في كلّ عامْ
ولكنني شاعرٌ
وشوالي ملئٌ بما لستُ أعلمُ
في الليلِ أُدخِلُ قلبيَ فيهِ
أُتمتِمُ..
أحتاجُ عشرين جُرحًا
لأمدحَ للساهرينَ اقتناءَ الألمْ
وأحتاجُ عشرين جُرحًا إضافيَّةً
للقصيدةِ كي تلتئمْ
ولكنني لا أريدُ لهذا الهواءِ الذبولَ
ولا أبتغي في الخريفِ الرحيلَ
الطبيعةُ أكبرُ من سوسناتِ اللغة
وأصغرُ من صمتِها الافتعالُ
فعودي ليفسحَ هذا الهواءُ
لقُبلتِنا العاليةْ
تعودُ وطيشُ المسافةِ
يحملُني من منامي
إلى الجولةِ التاليةْ..
“هنا كان يحلمُ
يعلمُ أنّ الحكايةَ كانتْ تصيرُ نشيدًا
إذا تابعَ الحُلم
كانتْ لهُ عزلةٌ للتجوّلِ
فوق بساط الكلام
وكان كثيرَ الترددِ بين النواسخِ
حتى استراحَ إلى صفةٍ بعدَ كانْ”.

في النص السابق تنشد الصور الشعرية عند “يوسف عابد” بقوة لحيز الذاتيات وما بينها؛ لأنه المكمن الخصيب الذي تتشكل فيه الصور المتفردة للمتخيل واللغة؛ “كي تصير عوالم حاضنة لكينونات مختلفة، تنظمها وشائج تحتمل بدعة التقلب والتلون بحسب قدرة الشخوص على احتواء توازناتها”([3]).

ومن هذا المنطلق اكتسبت الصور الشعرية لديه نتوءات دلالية موازية حول باتوسية الفتك، التي تشوب حيز الذاتيات وما بين الذاتيات، كلما زاد تنوع وتعدد الصور الشعرية داخل نصوصه، حتى تراءى النص السابق وكأنه لا يصور سوى عن أعطاب تلاحق ذوات الشخوص أو علاقاتها (كما لا تريد ليَ الأمنياتُ وُلدتُ بلا رغبةٍ / كلُّ شيء يَمدُّ إليّ يدًا / كنتُ دومًا أعضُّ أصابعَها ثُمّ أعتذرُ / انتبهتْ للفراشاتِ رُوحي فصرتُ أنيقًا / كما تشتهي الأغنياتُ وطفلًا يُلاطفُ ذئبًا ليصعدَ فوقَ العواءِ / إلى نجمةٍ في الهديلْ معي من جنوني حصانةُ ريحٍ لأمشي طويلًا طويلًا بدونِ دليلْ / لكنّ هذا الذي في يديّ كتابي / للأهلِ تلك الخيولْ  / هنا اقترفتْنا الحياةُ دمًا أسودَ / هنا اكتنزتْنا الحياةُ ندىً وصهيلْ / كبرتُ وهمتُ بتفعيلة التيه – محلولة الشَّعر- / لكنها لا تحلّ لملاح / بحر الندى “المتقارب” فعولن فعولن فعولْ / (على كلِّ حالٍ تسيرُ الحياةُ) / لكنّ في القلبِ بعضَ فضولْ فعودي / أعيدي إلى الحلمِ ذاكرتي وإلى الواقعيةِ وقعَ النشيدِ / على درجِ الوقتِ لا توقظيني / لا تُغلقي البابَ كي أتنفسَ ضوءَ المصابيح / عودي معَ الضوءِ عودي / فإنّ المساءَ يفيضُ على أرقي والحكايةُ لم تبتدئْ بعدُ / بعدي أنا يا حبيبةُ / ظلُّ القصيدةِ شمسي / صمتُ الممراتِ أغنيتي الموسميَّةُ / أُخرِجُ حنجرتي من شِوالي / أنفخُ فيها مراثي العدمْ / أمشي إلى ما تَدلُّ خُطاي / أرى النيلَ يُفزِعُ نومَ الأميرِ/ “يُظلّلُني غُصنُ دمْ” / شِوالي ملئٌ بما لستُ أعلمُ / ليس كقُبّعةِ السِحرِ حتى / لو طلّ مختنقًا منهُ صوتُ الحمامْ / لستُ كـ (بابا نويل) / لو أُغْمضتْ أعينُ الميتين عن الموتِ في كلّ عامْ / لكنني شاعرٌ وشوالي ملئٌ بما لستُ أعلمُ / في الليلِ أُدخِلُ قلبيَ فيهِ أُتمتِمُ / أحتاجُ عشرين جُرحًا لأمدحَ للساهرينَ اقتناءَ الألمْ / أحتاجُ عشرين جُرحًا إضافيَّةً للقصيدةِ كي تلتئمْ / لكنني لا أريدُ لهذا الهواءِ الذبولَ / لا أبتغي في الخريفِ الرحيلَ / الطبيعةُ أكبرُ من سوسناتِ اللغة وأصغرُ من صمتِها الافتعالُ / عودي ليفسحَ هذا الهواءُ لقُبلتِنا العاليةْ / تعودُ وطيشُ المسافةِ يحملُني من منامي إلى الجولةِ التاليةْ / “هنا كان يحلمُ / يعلمُ أنّ الحكايةَ كانتْ تصيرُ نشيدًا / إذا تابعَ الحُلم / كانتْ لهُ عزلةٌ للتجوّلِ / فوق بساط الكلام / كان كثيرَ الترددِ بين النواسخِ حتى استراحَ إلى صفةٍ بعدَ كانْ). وهذا هو دور المقاربات التأويلية، تلك المقاربات التي تستقريء النصوص، عبر قراءات متعددة، تحاول الاقتراب شيئًا ما من بواطن النصوص ودواخلها، تسعى إلى الكشف عن كوامنها، وفق آليات منهجية تأويلية، فشرط ربط صفة الاحتمال بالقراءة ضروري فيها؛ وذلك حرصًا من القارئ على فتح باب القراءات، وعدم تقييد النص بمعنى معين؛ لهذا فعملية التأويل لا تهدف إلى إدراك المعنى لأنها لا تنطلق من اللغة العادية، بل تقيم المعنى على أساس الفهم، وبالتالي إضفاء بعض الذاتية على النص، وهذا ما يجعل المعنى الحقيقي للنص غائبًا وسط مقاربات احتمالية متعددة ناتجة عن قراءات مختلفة.

المراجع:

([1]) فولفجانج إيزر، فعل القراءة: نظرية جمالية التجاوب في الأدب، ترجمة وتقديم: حميد لحمداني والجلالي الكدية، منشورات مكتبة المناهل، فاس.المغرب، 1995م، ص30.

([2]) نادية بو ذراع، الحداثة في الشعرية العربية المعاصرة بين الشعراء والنقاد، مرجع سابق، ص138.

([3]) رشيد طلال، متاهية السرد، إعداد اللجنة الثقافية لجمعية الباحثين الشباب في اللغة والآداب، مطبعة PABAT NET MAROC، الرباط، ص80.

موضوعات متعلقة:

الكتابة الشعرية الجديدة.. فاعلية الاختلاف وملامح الخصوصية (1)

الكتابة الشعرية الجديدة..فاعلية الاختلاف وملامح الخصوصية (2)

الكتابة الشعرية الجديدة..فاعلية الاختلاف وملامح الخصوصية (3)

الكتابة الشعرية الجديدة..فاعلية الاختلاف وملامح الخصوصية (4)

الكتابة الشعرية الجديدة..فاعلية الاختلاف وملامح الخصوصية (6)

الكتابة الشعرية الجديدة..فاعلية الاختلاف وملامح الخصوصية (7)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img