الكتابة الشعرية الجديدة.. فاعلية الاختلاف وملامح الخصوصية (1)

الكتابة الشعرية الجديدة: فاعلية الاختلاف وملامح الخصوصية، مقاربة تأويلية في نماذج شعرية مختارة

بقلم/ د. محمد صلاح زيد (ناقد وأكاديمي مصري)

تقديم:

إن الوقوف عند خصائص الكتابة الشعرية الجديدة بفتحها على مختلف مرجعياتها، يكسبها أبعادًا تأويلية قد تبدو ملحة، ومتعددة، بتعدد اتجاهاتها، الأمر الذي يسهم بفاعلية في فهم البنى الفنية والجمالية المشكلة للنظام الشعري داخلها، ولعل الحداثة Modernisme هي أبرز هذه المرجعيات المشكلة لها، حيث إنها بالمعنى العام “تشير إلى الجدة، وإلى مواكبة العصر في مجالات الفكر، والعمل لاسيما في حقول الإبداع الأدبي، والفكري، والفني، أو هي الإتيان بالشيء الذي لم يؤت بمثله من قبل، والتحرر من إسار المحاكاة، والنقل، والاقتباس، واجترار القديم، وغالبًا ما توضع الحداثة مقابل النزعة التراثية، ولطالما طُرحت إشكالية العلاقة بين الحداثة والتراث”([1]).

والتعريف السابق، ليس التعريف الوحيد أو الجامع المانع للحداثة؛ لأن الحداثة حداثات، و”لا يخفى أن التعاريف التي وضعت لمفهوم الحداثة تعددت وتنوعت؛ فقد عرفها بعضهم بكونها حقبة تاريخية متواصلة ابتدأت في أقطار الغرب، ثم انتقلت آثارها إلى العالم بأسره، مع اختلافهم في تحديد مدة هذه الحقبة؛ فمنهم من قال إنها تمتد على مدى خمسة قرون كاملة، بدءًا من القرن السادس عشر بفضل حركة النهضة وحركة الإصلاح الديني، ثم حركة الأنوار والثورة الفرنسية، تليهما الثورة الصناعية، فالثورة التَّقانية، ثم الثورة المعلوماتية؛ ومنهم من جعل هذه الحقبة التاريخية أدنى من ذلك، حتى نزل بها إلى قرنين فقط”([2]).

إن حصر جميع تعاريف الحداثة ومفهوماتها ليس أمرًا هينًا، لكن من الممكن الإلماح إلى بعضها، “فمن قائل إن الحداثة هي (النهوض بأسباب العقل والتقدم والتحرر)، ومن قائل إنها (ممارسة السيادات الثلاث عن طريق العلم والتقنية: السيادة على الطبيعة، والسيادة على المجتمع، والسيادة على الذات)، بل نجد منهم من يقصرها على صفة واحدة، فيقول إنها (قطع الصلة بالتراث)، أو إنها (طلب الجديد)، أو إنها (محو القدسية من العالم)، أو إنها (العقلنة)، أو إنها (الديمقراطية)، أو إنها (حقوق الإنسان)، أو (قطع الصلة بالدين)، وأمام هذا التعدد والتردد في تعاريف الحداثة، لا عجب أن يقال كذلك إنها (مشروع غير مكتمل)”([3])، وهذا الوصف الأخير بحسب تعريف الفيلسوف الألماني يورجن هابرماس Jurgen Habermas.

      وفيما يخص الكتابة الشعرية الجديدة التي هي أيضًا بدورها تجوز تسميتها بـ شعر الحداثة أو الحداثة الشعرية، فإننا نجد أن الشعراء العرب قد تعرفوا إليها عبر الاطلاع على النتاج الفكري والمعرفي والإبداعي الغربي، يقول أحد رواد شعر الحداثة في الشعرية العربية أدونيس: “أحب هنا أن أعترف بأنني كنت بين من أخذوا بثقافة الغرب. غير أنني كنت، كذلك، بين الأوائل الذين ما لبثوا أن تجاوزوا ذلك، وقد تسلحوا بوعي ومفهومات تمكنهم من أن يعيدوا قراءة موروثهم بنظرة جديدة، وأن يحققوا استقلالهم الثقافي الذاتي. وفي هذا الإطار أحب أن أعترف أيضًا أنني لم أتعرف على الحداثة الشعرية العربية، من داخل النظام الثقافي العربي السائد، وأجهزته المعرفية. فقراءة بودلير هي التي غيرت معرفتي بأبي نواس، وكشفت لي عن شعريته وحداثته. وقراءة مالارميه هي التي أوضحت لي أسرار اللغة الشعرية وأبعادها الحداثية عند أبي تمام. وقراءة رامبو ونرفال وبريتون هي التي قادتني إلى اكتشاف التجربة الصوفية بفرادتها وبهائها. وقراءة النقد الحديث هي التي دلتني على حداثة النظر النقدي عند الجرجاني، خصوصًا في كل ما يتعلق بالشعرية وخاصيتها اللغوية – التعبيرية”([4]). أما عن مفهومه للحداثة وخصائص الكتابة الجديدة في الأدب عامة، فيمكن أن نجده في غير موضع من المواضع التي يُنظِّر فيها للقضايا التي تشغله، يقول: “إن القصيدة أو المسرحية أو القصة التي يحتاج إليها الجمهور العربي، ليست تلك التي تسليه، أو تقدم له مادة استهلاكية، ليست تلك التي تسايره في حياته الجارية، وإنما هي التي تعارض هذه الحياة، أي تصدمه: تخرجه من سُباته، تفرغه من موروثه، وتقذفه خارج نفسه. إنها التي تجابه السياسة ومؤسساتها، الدين ومؤسساته، العائلة ومؤسساتها، التراث ومؤسساته، وبنية المجتمع القائم كلها بجميع مظاهرها ومؤسساتها، وذلك من أجل تهديمه كلها، أي من أجل خلق الإنسان العربي الجديد، يلزمنا تحطيم الموروث الثابت، فهنا يكمن العدو الأول للثورة والإنسان”([5]). ولعل هذا ما سعى إلى تحقيقه الشعراء “طه الصياد”، و“يوسف عابد”، و“وسام دراز” في دواوينهم الشعرية المخطوطة، حيث التزامهم خصائص الكتابة الشعرية الحداثية الجديدة، تلك الكتابة  التي تلتزم بجدية التمرد على كافة الثوابت بكل أشكالها، الحضارية والثقافية والتراثية والدينية والمجتمعية والأخلاقية، تتمرد على الانتظام إلى اللاانتظام؛ بغية تحرير العقل وانطلاق الأفق إلى اللامحدود واللامتناهي، وكل هذا يلزمه تحطيم الموروث الثابت.

وللوقوف على فاعلية الاختلاف وملامح الخصوصية في الخطاب الشعري الجديد لهؤلاء الشعراء الثلاثة _سالفي الذكر_ ومدى تحققهما داخل النص الشعري لكل منهم، يمكننا أن نلمس ذلك من خلال مستويات عدة، متمايزة، نخص منها، على سبيل الحصر:

  • لا انتظام النص في ديوان “أنسى طريقي إلى البيت” للشاعر “طه الصياد”.
  • تأويل النص / نص التأويل في ديوان “رحيل إلى المجاز” للشاعر “يوسف عابد”.
  • آفاق التجربة الشعرية في ديوان “بائعة الفطير” للشاعر/ة “وسام دراز”.

وهذه المستويات، سواء انفردت بمساراتها، أو تقاطعت فيما بينها، فهي تبرز هذه الفاعلية، وتلك الملامح المميزة للخطاب الشعري الجديد الحداثي وما بعد الحداثي لهؤلاء الشعراء الأربعة، بما يكشف عن إبداع شعري يلتزم بجدية التمرد على كافة الثوابت بكل أشكالها، الفنية منها والجمالية، وكذلك اللغوية.

1_ لا انتظام النص في ديوان “أنسى طريقي إلى البيت” للشاعر “طه الصياد”

إن الأدب عامة، والشعر خاصة، ليكون حداثيًا في تعبيره عن الحياة؛ لابد أن يلتزم خصائص كتابية جديدة، تجعله متحررًا من كل ما يعوق وظيفته؛ من مشاكل وقيود وضوابط وقضايا، وأن تكون له الجرأة على أن يتجاوز أو يتمرد على كل ما من شأنه أن يجعله معاقًا، ومحصورًا، ومقننًا، ومحددًا بشكل أو بآخر.

فالحداثة الشعرية، هي “تلك الحداثة الفنية، التي تعني تساؤلًا جذريًا يستكشف اللغة الشعرية ويستقصيها، وافتتاح آفاق تجريبية جديدة في الممارسة الكتابية. وابتكار طرق للتعبير تكون على قدر التساوي مع هذا التساؤل. وهذا كله يكون عن طريق نظرة شخصية فريدة للإنسان وللكون. إن مستويات الحداثة جميعها تشترك في خصيصة  هي أن الحداثة رؤيا جديدة، وهي، جوهريًا رؤيا تساؤل واحتجاج: تساؤل حول الممكن، واحتجاج على السائد. فلحظة الحداثة هي لحظة التوتر، أي التناقض والتصادم بين البنى السائدة في المجتمع”([6]). فالحداثة هي التمرد الدائم على كل ما هو سائد واتباعي. وبعبارة أخرى، هي لا انتظام النص، حيث التمرد على المعطيات الشعرية المستقرة في الوعي الإبداعي لفترات زمنية طالت، وهذا ما يتضح لدى الشاعر “طه الصياد”، فالمتأمل في ديوانه المخطوط “أنسى طريقي إلى البيت”، يجد ملامح لا انتظام النص متمثلة في الاحتجاج على السائد فنيًا وجماليًا، لغويًا وبنائيًا، وهنا يكون تجلى لحظات التوتر في المشهد الشعري، يقول في قصيدته “أغنية الانكسار الأخيرة”:

“الآنَ لا تبقى بلادٌ لي

وتنكسرُ الطريقُ على خطايَ

وأنتِ أنتِ جميلةٌ وكثيرةٌ

لا شكَّ

لكنَّ البلادَ بلادَنا

تقسو علينا

حينَ ينقرُ طائرٌ يدَها

فتتسعُ الصحاري

حينَ ينقرُ طائرٌ يدَها

فتندلعُ الحروبُ

ويسكتُ الإنشادُ

كمْ منْ مرةٍ سنموتُ

منفيينَ خارجَ حقلِها الممتدِّ

منْ كفِّ العقيدِ إلى العقيدِ

وها هي الأزهارُ

تصرخُ في سريريَ

والحمامُ يموتُ بين يديّ

كمْ ننسى حقولَ التينِ والزيتونِ

تشهقُ في زمانٍ حامضٍ

والقلبُ يشهقُ

ها هي الأصواتُ

أصواتُ القنابلِ ذاتُها

والبندقيةُ نفسُها

والحربُ عينُ الحربِ

يبدأَ كلُّ شيءٍ في التداعي

والهبوطِ لنقطةٍ دمويةٍ

والروحُ تهبطُ نحوَ قبرٍ ضيقٍ

ومسدسٍ متحفزٍ

والأرضُ تهبطُ

والسماءُ وليتها وقعتْ

سينقصني عمايَ

وينقصُ الطيارُ قلبي

حين يقصفُ بيتَنا العاري!

سنرفعُها على أكتافِنا

مثلَ الصليبِ

أنا وأنتِ، بلادَنا

وبلادُنا معطوبةٌ

ننأى

ويقتربُ العساكرُ منْ سريرِ اللهِ

منْ نومِ العصافيرِ الصغيرةِ

في سماءِ القصفِ

منْ لحمِ البيوتِ

ومنْ عظامِ مدافنِ الموتى

ومنْ موتى

ينامونَ الهنيهةَ

بينَ نارِ حياتِهم والنارِ

نكبرُ في المنافي

كلُّنا جرحى

ولا تبقى البلادُ على الخرائطِ في مواضعِها

كما تتبدلُ الأسماءُ والسكانُ

أو يتبدلُ التاريخُ

إنْ ربحَ المسدسُ حربَهُ!”.

المراجع:

([1]) محمد بوزواوي، قاموس: مصطلحات الأدب، سلسلة قواميس المنار، دار مدني للطباعة والنشر والتوزيع، 2003م، ص104،105.

([2]) طه عبد الرحمان، روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء_المغرب، ط(1)، 2006م، ص23.

([3]) طه عبد الرحمان، روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية، مرجع سابق، ص23.

([4]) أدونيس، الشعرية العربية، محاضرات ألقيت في الكوليدج دو. فرانس، باريس، آيار 1984م، دار الآداب، بيروت، ط(2)، 1989م، ص86،87.

([5]) أدونيس، زمن الشعر، دار العودة، بيروت، ط(2)، 1987م، ص76.

([6]) انظر، أدونيس، فاتحة لنهايات القرن، دار العودة، بيروت، ط(1)، 1980م، ص320،321، (بتصرف).

موضوعات متعلقة:

الكتابة الشعرية الجديدة..فاعلية الاختلاف وملامح الخصوصية (2)

الكتابة الشعرية الجديدة..فاعلية الاختلاف وملامح الخصوصية (3)

الكتابة الشعرية الجديدة..فاعلية الاختلاف وملامح الخصوصية (4)

الكتابة الشعرية الجديدة..فاعلية الاختلاف وملامح الخصوصية (5)

الكتابة الشعرية الجديدة..فاعلية الاختلاف وملامح الخصوصية (6)

الكتابة الشعرية الجديدة..فاعلية الاختلاف وملامح الخصوصية (7)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img