المتعة والجذب في الإبداع الشعري الشبابي (2)

د. مصطفى رجب

القراءة :

في هذا النص  يرتدي الشاعر محمد هشام مصطفى قناع الشهيد، الذي قدم روحه فداءً للوطن، فيتحدث بلسانه، وكأن روحه التي صعدت إلى السماء باتت قادرة على رؤية أوضح للأرض وما يحدث عليها بعد شهادته، فذي “أشلاء” تجمّعها الأرض، وذا “جسد” ملقًى بالطريق، وآخر “مصلوب” تأكل الطير من رأسه وحشاشته، ولكنه ليس موتا تنتهي به حياة المرء ليُبعث في الحياة الأخرى، بل هو الموت الذي به تتجدد الحياة على الأرض، حيث تنتهي حياة فرد، فيَبعث بموته الحياة في قلوب من عاش من بعده.

لم تَكُنْ تَعْرِفُ الأرضُ أشلاءَنا

    حِينَما انْشَطَرَتْ

      كي تُجَمِّعَها

لم تَكُنْ تَشْتَهِي أَوْجُهًا

    نَحَتَتْهَا الصَّبابَةُ

      أو أَعْيُنًا

      جَرَّحَتْها البِلاد

ثم إن هذا الضمير المتكلم يخاطب الجمع، مما يوحي بأنه ينعي جمعًا من الشهداء. لكن الأرض على الرغم من أنها قد رحبت بأشلاء الشهداء، وأكرمت مثواها حين (انشطرت) كي (تجمعها)، إلا أنها لم تكن راغبة في استقبال جثامين هؤلاء الشباب، فهم من عشقوا تلك البلاد حد الصبابة، أو لتقل حد الشهادة، فكيف وقد عشقوها تبتلعهم هكذا ؟!

أدعوك لتنظر معي إلى تعبير “نحتتها الصبابة” ولنتأمل كيف يمكن للصبابة وشدة الحب أن تؤثر في قسمات الوجوه، فلتتخيل معي صورة المتيّم (المتعبِّد) حين يبتهل بالرجاء لمحبوبه (معبوده)، ألا تتغير ملامح وجهه أثناء ذلك ؟ ثم ماذا لو أنه داوم على الابتهال صبح مساء، ألم يلازمه هذا التغيير البادي في قسماته ؟

كذلك “أعينا جرَّحتها البلاد” كيف للبلاد أن “تجرِّح” – والحظ صيغة تضعيف الفعل – كيف لها أن تجرح العيون؟ أهو التجريح المادي، ويقصد به إصابات القناصة للعيون؟ أم أنه تجريح معنوي، برؤية كل ما من شأنه أن يسبب أذًى للعين من قبح أو فساد؟

أَسيرُ وأَتْرُكُ جِسْمِي على الطُّرقاتِ!

 لكي يَأْنَسَ الأصدِقاءُ بِأَحْرُفِهِ

جَسَدي لُغَةٌ تَأكُلُ الطَّيْرُ من رَأْسِها وحُشاشَتِها

        وَهيَ مَصْلوبَةٌ في المَدَى

هو إذن مات شهيدَ عشقه للبلاد، لكنه قد ترك أثرا لمن عاش بعده، فجسده المصلوب في ذاكرة أصدقائه قد أصبح لغة يتهجون حروفها، ويتدارسون معانيها علهم يخرجون منها بمعنًى جديد للحياة.

استخدام الفعل “أسير” بما يوحي بجلال المِشية، وهو في صيغة المضارع فالسير مستمر متجدد وكذلك ترك جسمه متجدد. ثم استخدام الجسم في الصورة المفردة والطرقات جمع، لنستشعر كيف أن أشلاءه قد بعثرت بالطرقات، أو أنه قد قام بتوزيع جسمه قاصدا “لكي يأنس الأصدقاء بأحرفه”، فها هو جسمه سيحيله الموت لغة، حروفًا ستشكل منها آلاف الكلمات، وكل صديق سوف يستخرج منها معنًى يختلف عن الآخر.

آهِ كَمْ سَكَنَ الشَّوْقُ يَوْمَ الْتَقَيْنَا

            وغَنَّيتِ لي

            ثُمَّ ضاعَ الغِناءُ سُدَى!

نجد الشاعر هنا (وهو الشهيد) يرثى لحظةً التقى فيها بمحبوبته/بلاده، لحظةَ ثورة تمنى فيها تحقيق أحلامه وأحلام جيله، وكيف غنت (له) محبوبته وكم كان الغناء عذبًا واللحن طروبا، ولكنه – ويا للأسف – لم يكتمل، بل ضاع ما كان منه على قصره !

المح معي وقع الــ “آه” وهي للتوجع، فمم يتوجع الشاعر هنا ؟ أهو يتوجع من ضياع الغناء سدى ؟ أم يبكي يوم لقائه بها الذي لم يدم ؟ أم أنه يتوجع من سكون الشوق يوم اللقيا؟ فمن المعلوم عن المحبين أنهم في شوق متصل لا يقطعه وصل. ثم انظر إلى دلالة “لي” بعد “غنيتِ” وما بها من إحساسه باختصاصها له بالغناء.

أرَى العُمْرَ نَخْلاً يُقَطَّعُ أَقلامَ وَهْمٍ

  لِكي يَرْسُمَ الطَّيِّبونَ قصائِدَهُمْ

ونَجوعُ وَنَعْرَى

ونَمْشِي على طُرُقاتِ المدينةِ

ثم يرى الشاعر أن عمره أيضا قد ضاع سدى كما ضاع تغنيه العذب بأحلامه قبيل الشهادة؛ فها هو العمر قد تحول (نخلا) وعلى ما توحيه لفظة النخيل من معاني السموق والعطاء والنفع، إلا أن هذا النخل قد قطِّعت منه أقلامٌ لكتابة سطور من الوهم على صفحات الوطن، لا أحلام قابلة للتحقق، مما يؤكد شعوره بانعدام الجدوى.

يا أصدقاءُ انْتَثَرْنا

 ولَمْ تَجْمَعِ الأرضُ أشلاءَنا

  تَرَكَتْنا هَشيمًا

سَتَذْروهُ رِيحُ غِناءٍ قَديمٍ

 فنُصْبِحُ طينًا تُفَتَّقُ فيه البُذورُ

  ويُبْعَثُ مِنْهُ القَتيلْ

لكنه سرعان ما يرفض هذه الروح، فينادي أصدقاءه أن “انتثرنا” بكل ما توحيه من بعثرة وانتشار، لكنها البعثرة التي يبذر بها الفلاح أرضه، كي يبث فيها الحياة، فأشلاؤهم ستتحول يوما إلى طين خصيب، وستنفلق فيه البذور، ليُبعث جيلٌ جديد، وتولد الحياة من رحم الموت.

أنا لَمْ أَكُنْ أَشْتَهي لُؤْلُؤَ القَوْمِ

كُنْتُ أرَى الشمسَ وَقْتَ الأصيلْ

أُنادي عَلَى مَنْ تُقَبِّلُني في المساءِ لِأَنْمو

  وتسْهَرَ في وَجْنَتَيَّ الأغاني

حبيبي هواءٌ يُمَشِّطُ حقلاً من القمحِ

يسترجع الشاعر لقطات من حياته، محاولا أن يعرف سبب مصيره وما آل إليه، فهو ما أراد يوما أن يثرى، ولا صارع الأثرياء على مال أوسلطان، بل كانت حياته في بساطة طفل يقتات حنان أمه، فيسعد بقبلتها الدافئة.

“تقبلني….. لأنمو” هل التفتّ إلى معنى أنه ينمو بالتقبيل؟، وهل ربطت بين هذه الجملة والجملة الدارجة التي تقولها كل أم لطفلها “كل لتكبر” ؟ لكن هذا الطفل ربما لا تملك أمه أن تقدم له طعاما حتى يأكله ليكبر، كل ما تستطيع تقديمه له هو الحنان والتقبيل ! ومع ذلك فقد كان يسعد وكانت “تسهر في وجنتيه الأغاني”

لم تعرِفِ الأرضُ أسماءَنا أبدًا

قَدْرَ ما عَرَفَتْ من تماثيلَ

       أو تَوَّجَتْ من لُصُوص

لكنها البلاد الجاحدة التي ما خلدت أسماء بسطائها، بل ما عرفتهم (أبدا)، في الوقت الذي تحتفي فيه بالطواغيت وباللصوص وتمجد أخبارهم.

يستمر الشاعر/الشهيد يتذكر ما كان من حياته، وكيف عاش عمره في سعي دائب، دون أن تحنو عليه بلاده بقطرة ماء يروي بها عطشه:

نَسيرُ ونَظْمَأُ يا أصدقاءُ

هُنا الصَّحَراءُ/المدينةُ

وقد أتى بالفعلين هنا على صيغة المضارع مما يجعلنا نشعر باستمرار السعي وتجدده مع استمرار الظمأ وتجدده، فلا السير يتوقف، ولا ماء يستعين به عليه، لإنها الصحراء/ المدينة.

ونأتي إلى تقديم (الصحراء) على (المدينة)، فالأصل أن تذكر المدينة أولا ثم يشبهها بالصحراء لقفرها وقلة الماء فيها، لكن لتقديم الصحراء “هنا الصحراء” وقع أشد، يقطع الأمل منذ البداية في وجود الماء، على عكس ما لو كانت “هنا المدينة” ثم يصفها بعدها بأنها “صحراء”.

قال حَكيمٌ: لِكَيْ تَرِدُوا الماءَ

    سيروا إلى الدَّمْعِ

يا لها من بلاد قاحلة ! لن يجد أهلها الماء بيسر، وإن وجدوه فسيكون دموعًا.

ولنتأمل قول الحكيم، “لكي تردوا الماء” إذن فالوصول إلى مبتغاهم لن يكون إلا إذا استمعوا لإى نصحه، ونفذوا ما سيقول لاحقا، فالتقديم هنا أفاد القصر، ثم “سيروا إلى الدمع” ودلالة الفعل في الجمع، فلكي يصلوا لابد أن يجتمعوا ويكون هدفهم واحدا وضالتهم واحدة وهي الوصول إلى ماء الخلاص، وهو الذي عبر عنه بـــ “الدمع” بما فيه من دلالة على أن ما يبذلونه في سبيل تحقيق حلمهم سيكون غاليا نفيسا.

ثم يصف المشهد ليشاركنا فيه كأننا نراه:

كانتْ هُناكَ مَوائدُ لَحْمٍ

وَقَوْمٌ أقاموا مِنَصَّةَ شِعْرٍ على عَظْمِ جُمْجُمَةٍ

(موائد لحم) !! وهنا ينقلنا مباشرة إلى مشاهدته الأولى، فــــ (الأصدقاء) وهو معهم، قد نفذوا نصيحة الشيخ وساروا في جموع متجهين إلى غايتهم، لكنه لم يتطرق الآن إلى الرحلة وكيف كانت، بل نقل لنا ما رآه (هناك)وكيف أن جثامين الشهداء وعظامهم قد باتت منصات يتسلق عليها المستفيدون، وينظمون شعرا في تمجيد الثورة وحب الوطن !

قال: كَيْ تَرِدوا المَجْدَ

  سيروا إلى الموتِ

  أَوْ فَاهْنَأوا بالرَّحيلْ

ثم يأتي بقول آخر للحكيم، فبعد أن كان يصف لهم طريق الماء/ الحياة، والعيش بكرامة على أرض هذي البلاد، أصبحت رؤيته أوضح وأدرك ألا سبيل الآن إلى الحياة التي ينشدونها، وأنهم “سيردون المجد” ولكن بعد أن يكونوا قد بذلوا حياتهم في سبيله. وهنا نلحظ أن (الدمع) كان ثمنا (للماء أو الحياة)، وكان (الموت) ثمنا (للمجد)، فالموت هو المتاح أو فالرحيل.

مشهد آخر يبين أنه قد انحاز للخيار الأول (الموت) لا الرحيل، فها هو يتفانى ويصنع من أوردته قيثارة للآتين بعده:

أَنا كُنْتُ أَرْبِطُ أَوْرِدَتي وَتَرًا في الجُذُوعِ

             لأصْنَعَ قِيثارَةً

ولتنظر إلى ربط الأوردة بالجذوع، فهو يريد ألا ينفصل أبدا عن هذه الأرض، فهو وإن كان موقنا في موته، لا يريد لجسده أن ينفصل تماما عن هذه الأرض، بل سيترك أوردته مربوطة (في) جذوع أشجارها.والحظ أنه لم يقل ( أربط أوردتي بالجذوع) فأناب (في) عن (الباء) لما فيها من الاستغراق في الجذع وليس الارتباط به خارجيا.

تتلاحق المشاهد، ونشعر معها بالحركة والسرعة والأصوات المتداخلة:

وقالَ صديقي: ارْكُضوا..

_كانَ ثَمَّةَ أُرْجُوحَةٌ

أو بُراقٌ سيَحْمِلُنا_

_ارْكُضوا..

لَمْ نَصِلْ

فالصديق يقول: اركضوا ويكررها سريعا، في اللحظة التي يرى هو فيها أن هناك براقا ينتظرهم ليعبر بهم إلى حلمهم، وأنهم أوشكوا على الركوب، ويستشف هذا من استخدام حرف السين في (سيحملنا) إلا أنه يتبع كل ذلك وبسرعة بــــ (لم نصل)، وبهذا قد أخذنا معه إلى قلب الحدث، فأنت تكاد تستشعر تلاحق أنفاسك معهم في حركتهم تلك، ثم يصدمك وبنفس السرعة، بأنهم لم يصلوا.

ويتابع وصف المشهد، فقد أصبح الميدان يضج بالفوضى والدمار “كل شيء يكسره كل شيء” حتى الرصيف المفتورض فيه الأمان لم يعد كذلك “وكل رصيف يؤدي إلى هاوية” فقد تبدو النجاة من بعيد بالانحياز إلى فئة، ولكنها لن توصلهم إلا إلى الهلاك. ووجدوا أنفسهم محاطين “بالخوذ السمر” الجنود المفترض فيهم حفظ الأمن!

ثم يأتي إلى هذا الختام الرائع للقصيدة، ففيه يؤكد على أن الشهداء ستشرق أحلامهم من جديد، فقد مات جيل نعم، ولكن موته هذا سيكون بابا لخلاص أجيال بعده

إنَّنا الآنَ نُشْرِقُ في مَوْتِ جِيلْ

ونَخْرُجُ من كلِّ بابٍ

ونَكْتُبُ في وَرَقٍ مُهْمَلٍ كُلَّ أُغْنِيَةٍ للخُروجْ

لذلك رأيت تناقضا بين هذا الختام، وبين السطر الذي يسبقه مباشرة “لم تنجب الأرض أطفالنا” وهو تناقضا في الشعور فقط بين اليأس والأمل، لأن المعنى يمكن أن يؤول على أن أطفال الشهيد لم ولن يولدوا نعم، لإن حياته قد انتهت قبل أن يترك طفلا من بعده، ولكنه مع ذلك “سيشرق” في حياة الآخرين لا حياته هو. المعنى متضح، ولكني فقط تساءلت: أي شعور سيطر على الشاعر هنا؟ أهو اليأس أم الأمل؟

ربما كان التأرجح بين الاثنين هو سيد المشاعر هنا في هذا النص…..!! لكن يبقى أن الشاعر استطاع بهذا النص أن يحل لقارئه معادلة الجاذبية والمتعة .

……………

محمد منصور الكلحي :

النص :

المساكين
جودوا عليهِمْ
فَمَا في حُبِّهِمْ عِوَجُ
لو أنَّ طيفَ رِضاكم مرَّ
لابْتَهَجُوا

الراكبونَ بُراقَ الشوقِ
نَحوَكُمُ
تكادُ تسبِقُهُمْ مِن حرِّها
المُهَجُ

حتى دَنَوا مِن سماءٍ
لا سماءَ لها
رأَواْ وفودًا
بغير الحُبِّ ما لهجوا

يُقدِّمونَ فُروضَ الحبِّ

 في ولهٍ  ودون وجهِكُمُ

 بابٌ له وهجُ

إذا أذِنتُمْ
لِقومٍ منهُمُ وَدُعوا
من رهبة النور
إن قيل :ادخلوا
خَرجوا

أما المساكينُ
قد زادوا بكُمْ خَبًلا مِن قبلِ أنْ يدعوَ الداعي بهم
ولَجُوا

لمَّا عَشَتْ في بحارِ النُّور أعيُنُهم
ضلُّوا السماء
التي من أجلها عَرَجُوا

وَضُيِّعوا
في فضاءاتٍ مُغَيَّبَةٍ
لا الشمسُ تبدوولا الإصباحُ ينبلِجُ

ولا أنيسَ لهم فيها

 يُحَدِّثُهُمْ
ولا أضاءتْ لهم في ظُلمةٍ
سُرُجُ

مِن فرطِ ما أُتلِفوا
سيَّانِ عِنْدَهُمُ
أنْ يأتيَ الموتُ
أو أنْ ينزِلَ الفَرَجُ

جودوا عليهِم
فقدَّ جدَّ الهوى بهِمُ
وما عليكمْ
إذا جدَّ الهوى
حَرَجُ

القراءة :

—-
حالة من الوجد والهيام بالمحبوب تسيطر على النص منذ اللفظة الأولى:

جودوا عليهِمْ

فَمَا في حُبِّهِمْ عِوَجُ

لو أنَّ طيفَ رِضاكم مرَّ

لابْتَهَجُوا

 فَمَا في حُبِّهِمْ عِوَجُ

لو أنَّ طيفَ رِضاكم مرَّ

لابْتَهَجُوا

فالشاعر بداية قد استخدم ضمير المخاطبين تعظيما وإجلالا “جودوا”، ثم نجده – وهو يصف حاله هو – قد آثر التحدث باستخدام ضمير الغائبين “عليهم”، وأراه قد وفق في ذلك؛ إذ ليس للمحب حضورا في هذه الحال، فهو غائب وإن حضر.

“فما في حبهم عوج” يعطي الشاعر هنا سببا للمحبوب لكي يجود، فالحبيب قد استقام حبه، ولم يخرج عن طريق محبته. ثم نجده يعلق ابتهاجه على رضا المحبوب ” لوأنَّطيفَرِضاكممرَّ، لابْتَهَجُوا” فابتهاجه إذن ممتنع لامتناع مرور طيف رضا محبوبه، ولنتأمل تلك السلسلة العجيبة “طيف رضاكم مر” هو لا يعلق ابتهاجه فقط على رضا المحبوب، بل على طيف رضاه، ليس هذا وحده وإنما لو مر فقط هذا الطيف به لابتهج، حتى ولو لم يقم ولو لم يستقر! فهو راضٍ إذن بأقل ما يأتي من جهة المحبوب.

الراكبونَ بُراقَ الشوقِ

نَحوَكُمُ

تكادُ تسبِقُهُمْ مِن حرِّها

المُهَجُ

يبدأ في وصف هؤلاء المحبين (أو وصف حاله) فيعبر بالاسمية “الراكبون” دلالة على الثبوت والاستقرار، فهم قد ركبوا شوقهم إليه حتى تحول الحال إلى مقام، هو مقام الشوق، ثم إن هذا الشوق قد خصص للمحبوب وحده “نحوكم” فوجهته إليه وحده.

ثم يستخدم صيغة المضارع “تكاد تسبقهم” حين يصف مهجته وهي تكرر محاولات الاستباق من شدة شوقها وحر نارها.

حتى دَنَوا مِن سماءٍ

لا سماءَ  لها

رأَوا  وفودًا

بغير الحُبِّ ما لهجوا

ها هو في رحلته نحو محبوبه قد اقترب من “سماء لا سماء لها” سماء المحبين التي لا تحدها سماء، وقد تبين له أنه ليس وحده المتيم في عشق محبوبه، بل هم كثر بل “وفودا”، قد رآهم وأكد على أنهم مخلصون للمحبوب، لا تلهج ألسنتهم إلا بذكره.

ثم يستطرد في وصف حال من رأى من عشاق وهم “يقدمون فروض الحب في وله” واستغراق في الطاعة والإخلاص للمحبوب حتى أنهم من فرط استغراقهم وتولههم، إذا أذن لهم المحبوب بالدخول إليه خرجوا رهبة وإشفاقا.

إذا أذِنتُمْ

لِقوم ٍمنهُمُ وَدُعوا

من رهبة النور

إن قيل :ادخلوا

خَرجوا

ويذكرنا هذا البيت بالحديث الشريف: “….حجابه النور ولو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه”

ثم نكتشف أنه ما وصف حال العاشقين الأخر إلا ليقارن بين طريقتهم في حبهم وطريقته هو:

أما المساكينُ

                                                 قد زادوا بكُمْ خَبًلا

 مِن قبلِ أنْ يدعوَ الداعي بهم

ولَجُوا

فإن كان للمحبوب عشاق قد اجتهدوا بالفروض والطاعات والتذلل على باب المحبوب، حتى يأذن لهم بالدخول، فإن الشاعر قد تملكه العشق جذبا، دون مجاهدات منه ولا مكابدات، إنه محض عشق ملك عليه كيانه، حتى خبل به، فهو لا ينتظر نداءً أو دعوة أو إذنا له بالدخول إلى حضرة محبوبه، بل يدخل دون تفكير منه، ولا يخشى هلاكا.

رأينا الشاعر هنا قد عبر بالمصدر المؤول من أن والفعل “أن يدعو الداعي” بدلا من “دعوة الداعي” فالمصدر الصريح يدل على الحدث مجردا من زمانه، أما بعد أن أتي بـــ (أن) وأدخلها على الفعل المضارع فقد جعل المصدر يفيد الاستقبال، فهو وإن كان في حال ترقب لدعوة المحبوب والتي يمكن أن ترد الآن أو مستقبلا، إلا أنه لم ينتظرها وأقبل والجا دون أن يستشعر رهبة أو خوفا.

الجزء الأول للدراسة:

المتعة والجذب في الإبداع الشعري الشبابي (1)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img