المتعة والجذب في الإبداع الشعري الشبابي (1)

د. مصطفى رجب

هل يستطيع أي عمل إبداعي شعري أو نثري أن يتخلى عن عنصري المتعة والجذب؟؟.. بالطبع :  لا , فأي عمل يتخلى عن هذين العنصرين يفقد بريقه ويصبح بالقياس إلى المتلقي عملاً بارداً لا يستحق المتابعة , وتراه يستعجل الانصراف عنه إلى سواه.. وهذا ليس ترفاً أو مما يشبه الترف, إذْ لا إبداع ينفصل عن الحياة بكل ما فيها, ما لها وما عليها, سواء أكان العمل الإبداعي يتحدث عن أهم قضايا الدنيا, أم عن حَدَثٍ عادي يُعَاش ببساطة.. فأن تدور عجلة الحياة, معناه أن يدور معها الفعل, والفعل دائماً له رد فعل مما يعني حركة يفترض أن تكون جاذبة مسيطرة على العين والذهن والتفكير, ولا فعل في أي مكان من العالم يتخلى عن السؤال البسيط, أو ذلك الذي نظنه بسيطاً, وهو: ماذا سيحدث بعد ذلك؟؟.

إن كل عمل إبداعي, عليه أن يجيب ذلك السؤال, في السرد وسواه, وإن كان ذلك للسرد أقرب.. وأنا أرى أن الشعر مُلزَمٌ في جزئية من جزئياته أن يجيب هذا السؤال حتى يحتفظ بحركة جاذبة تجعل المتلقي يعايش حدثاً أو حركة أو صيرورة. لأن السكون في أي عمل, نوع من الموت, حتى وإن فلسفناه!! لأن الفلسفة هنا ستكون جامدة لا تحمل الحياة التي نريدها لها.. وقولنا بالحياة قول مقصود لذاته, إذ الحياة حركة وجذب وتشويق وانتظار وأسئلة وأجوبة وتداخلات بين طباع عديدة, تتباين وتتقارب لكن لا تلتقي حد التطابق.. وهو ما يخلق صفة الغليان دائماً في كل فعل حياتي نعيشه أو نكتبه أو نشاهده, ولا ننسى أن الكتابة تكثيف وتركيز وتدقيق وتحريك, فإذا عجزت حركة الحياة العادية عن أن ترينا (أحياناً ) التباينات الرابضة على السطح –  لأن الأيام قد تبدو لنا متشابهة وهي ليست كذلك بالتأكيد –  فإن لحظة الكتابة تكثف وتجمع وتظهر وتجعل الأشياء واضحة بينة على السطح.. فالشخصية تتحرك أمام العين بكل ما فيها دون حاجة لرقابة قد تخفي الحياة جزءاً منها.. الكاتب ملزم بأخذ خلاصة الأشياء, وهذه الخلاصة تجعله يعطينا كمّاً مدهشاً من الإثارة والتباين والتضاد والجذب في السيرة التي يقدمها, بعيداً عن البطء الذي يجعل كثيراً من الكتّاب يفشلون في إيصال أعمالهم إلى الآخرين,, فالبطء قد يخدم مرة في عمل كبير له الكثير من المدارات, لكنه يقتل العمل حين يصبح هدفاً وغاية أو وسيلة وحدية يلجأ إليها المبدع.. الإدهاش كلمة رائعة في كل عمل, وهو إدهاش يفترض أن يؤدي دوره ويخدم موضوعه لا أن يكون خارج إطاره أو وظيفته.. فهو شيء رائع ما دان يأتي في مكانه ويؤدي دوره بإتقان.. وكل إدهاش من أجل الإدهاش ليس إلا, لا معنى له, كالفعل الساكن الذي يعني في كثير من الأحيان الموت.. فالمتعة لها دورها, والجذب له دوره والإدهاش له وظيفته.

كل عمل إبداعي سبيكة متكاملة متراصة متداخلة مدروسة موظفة متقنة.. الزيادة هنا شيء خاطئ والنقص هنا شيء ضار.. وهذا يحتاج إلى ميزان موهبة مدهشة, وكم من الثقافة كاف لرفد حركة الفعل ورد الفعل في أي عمل.. والمتعة التي نتحدث عنها, أو الجذب, من الضروريات التي لا تلغى بتنظير أو ما يشبه التنظير.. فالإبداع حياة, غليان, صور متتابعة لا تتوقف, ومن الوهم أن نظن غير ذلك.. من هنا قيمة كل حركة في العمل الإبداعي دون زيادة أو نقصان.

المسافة بين النّص والمتلقي :

وعندما يكتب المبدع نصّاً للناس, ويبوح فيه عمّا في هذه الحياة من متع وسرور وخير أو شر. مضحكٍ أو مبكٍ… حين يفتح المبدع صدره, ويبوح بما يراه أو يعانيه, أو يمر به من تجارب وخبرات: يفهمه الجمهور ويقبله الناس, ويقبلون عليه ويتقبلونه صديقاً حميماً لهم ، أثيراً عندهم.

إن الصلة الوثيقة بين الجمهور المتلقي والمبدع ربما تنعقد بمقالة صغيرة في صحيفة سيارة, أو قصة متميزة في مجلة. أو حكاية أسرة أو قصيدة شعرية أو خاطرة. ربما بفقرة في مقالة, أو بفكرة في حكاية أو بلمسة حانية في ثنايا قصة مخلصة, أو بأبيات من مقطوعة شعرية.

ولعلك تسأل نفسك أمام نص يبهرك : هل التقطتك صنارة الإبداع ؟  هل لامست قلبك حروف المواجد واشتعلت بصدرك أحاسيس المبهمات.؟..

إذنْ أنت الآن في قلب المحرقة , والإعجاب ينتابك بكاتب النص ونص الكاتب, فإذا أنت تداوم القراءة  ، وإذا أنت تتابع كل ما يكتب , لقد أصابك المبدع بضربة حاسمة. أو التقطك بحرفه المتوهج الجسور… وها أنتذا تندفع إليه تعقد صداقتك الحميمة على حروفه على  البعد….!! هذا يحدث… دائماً… بين المتلقي والمبدع

وكم من نصوص أصابها النسيان, وضرب عليها بالتجاهل, ثم قد يتاح لها فجأة أن يصادفها أحد النابهين من النقاد فيزيح عنها ما ران فوقها من إهمال وتجاهل ولا مبالاة..!

وهناك شعراء بلغت قائمة إنتاجهم أرقاماً بعدد سني أعمارهم, ومع ذلك لم يقرأ لهم أحد, ولم يكتب عنهم معجب. ولم يتأثر أحد  بما نشروه….!!

وهناك شعراء ما كتبوا إلا نصاً واحداً أو نصوصاً قليلة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة ومع ذلك فقد قرئوا… نوقشوا…. ونقدوا… ودرسوا…. وانتقل من ينقل إعجابه بهم من مكان إلى مكان وهو يفسر ويشرح, ويسهب, ويطيل في شرحه, تأثراً… وإعجاباً….

هناك شعراء محظوظون…. وشعراء غير ذلك على الإطلاق… هناك شعراء مقروؤون جيداً, وشعراء لا يبالي بهم أحد… شعراء فوق النسيان وشعراء منسيون, شعراء يستهجن القارئ أن يمد يده إلى ديوان لواحد منهم ليقرأه…. وشعراء يتحمس القارئ لهم, فيسرع في شراء دواوينهم فتتصدر مكتبة البيوت والقلوب!!

هناك شعراء تحاول ما استطعت أن تحتفظ بكتبهم, وأن تجعلها بين يديك ذخيرة وزادا ومتعة وتثقيفاً, وهناك شعراء تحاول جاهداً أن تتخلص من كتبهم… لأنها لم تترك فيك أثراً, ولم تنشئ مع إحساسك أية علاقة  ، ولم تخلف عندك دهشة أوحباً أو متعة أو حتى مجرد ذكرى طيبة  !!….

هناك شعراء تشعر أنهم مهمون طامحون متواصلون معك, شارحون لهمومك وأفكارك وأحلاك وتطلعاتك وأخيلتك…. يرسمون حبّك وكرهك وصحوك ونومك, وقلقك وحاضرك….

وهناك شعراء لا يصافحون قلباً ولا يحركون خاطراً ولا يثيرون كامناً ولا يرسمون شجناً ولا ابتسامة ولا حتى…. يوفرون ثمن الحبر والورق. والجهد والعرق.

هناك شعراء يتصدرون الواجهات الدعائية وينفخون في الأبواق الإعلانية ولا يصنعون شيئاً… تطبيل وتزمير…. صياح وضجيج… وجعجعة ولا طِحْن…. وهناك شعراء يبدعون بصمت ويصلون إليك بنعومة. فتقرأهم وأنت راضٍ عنهم حينا ، وتقرأهم وأنت ساخط أحيانا , ولكنك في الحالين : تحبهم… على الرغم من أنك لا تعرف لهم وجهاً ولا تسمع عنهم خبراً…!!

شعراء وشعراء, والدنيا هكذا… ولا يبقى في النهاية إلا المبدعون…. والتاريخ غربال… لا يبقى فيه إلا الذين يعملون بإخلاص ويكتبون بإخلاص, ويحبون بإخلاص يصلون إليك بإخلاص, والمخلصون هم الفائزون….

الشعراء الشباب  الناجحون المخلصون لفنهم ، المستمسكون بإبداعهم ، الذين سنتناول نماذج من أعمالهم في السطور القادمة ، هم الذين سيتربعون مستقبلاً على عرش القلوب, قلوب الجماهير المتلقية… المخلصون وحدهم الذين عرفوا الطريق إليك. المخلصون وحدهم الذين عرفوا الحياة وخبرها, ومرّوا بالأيام الصعبة والأيام الناعمة, فكتبوا عن تجربة وحب وإخلاص وصدق… ولا شيء غير الإخلاص والصدق….

 الشاعر محمد هشام مصطفى  في قصيدته ( الخروج ) :

النص :

لم تَكُنْ تَعْرِفُ الأرضُ أشلاءَنا

 حِينَما انْشَطَرَتْ

   كي تُجَمِّعَها

لم تَكُنْ تَشْتَهِي أَوْجُهًا

  نَحَتَتْهَا الصَّبابَةُ

     أو أَعْيُنًا

  جَرَّحَتْها البِلاد

أَسيرُ وأَتْرُكُ جِسْمِي على الطُّرقاتِ!

   لكي يَأْنَسَ الأصدِقاءُ بِأَحْرُفِهِ

جَسَدي لُغَةٌ تَأكُلُ الطَّيْرُ من رَأْسِها وحُشاشَتِها

    وَهيَ مَصْلوبَةٌ في المَدَى

آهِ كَمْ سَكَنَ الشَّوْقُ يَوْمَ الْتَقَيْنَا

       وغَنَّيتِ لي

       ثُمَّ ضاعَ الغِناءُ سُدَى!

جَسَدي حَيْرَةٌ

وارْتِحالٌ إلى بَلَدٍ لَيْسَ يَبْلُغُهُ الرَّاحِلونَ

  هُناكَ يُكَشَّفُ عنِّي الغِطاءُ

  وأُبْصِرُ قلبي وَحيدًا

أرَى العُمْرَ نَخْلاً يُقَطَّعُ أَقلامَ وَهْمٍ

  لِكي يَرْسُمَ الطَّيِّبونَ قصائِدَهُمْ

ونَجوعُ وَنَعْرَى

ونَمْشِي على طُرُقاتِ المدينةِ

يا أصدقاءُ انْتَثَرْنا

 ولَمْ تَجْمَعِ الأرضُ أشلاءَنا

 تَرَكَتْنا هَشيمًا

 سَتَذْروهُ رِيحُ غِناءٍ قَديمٍ

 فنُصْبِحُ طينًا تُفَتَّقُ فيه البُذورُ

   ويُبْعَثُ مِنْهُ القَتيلْ

أنا لَمْ أَكُنْ أَشْتَهي لُؤْلُؤَ القَوْمِ

كُنْتُ أرَى الشمسَ وَقْتَ الأصيلْ

أُنادي عَلَى مَنْ تُقَبِّلُني في المساءِ لِأَنْمو

      وتسْهَرَ في وَجْنَتَيَّ الأغاني

حبيبي هواءٌ يُمَشِّطُ حقلاً من القمحِ

لم تعرِفِ الأرضُ أسماءَنا أبدًا

  قَدْرَ ما عَرَفَتْ من تماثيلَ

    أو تَوَّجَتْ من لُصُوص

نَسيرُ ونَظْمَأُ يا أصدقاءُ

هُنا الصَّحَراءُ/المدينةُ

قال حَكيمٌ: لِكَيْ تَرِدُوا الماءَ

     سيروا إلى الدَّمْعِ

كانتْ هُناكَ مَوائدُ لَحْمٍ

  وَقَوْمٌ أقاموا مِنَصَّةَ شِعْرٍ على عَظْمِ جُمْجُمَةٍ

قال: كَيْ تَرِدوا المَجْدَ

    سيروا إلى الموتِ

  أَوْ فَاهْنَأوا بالرَّحيلْ

أَنا كُنْتُ أَرْبِطُ أَوْرِدَتي وَتَرًا في الجُذُوعِ

  لأصْنَعَ قِيثارَةً

وأُحاوِلُ ألا أَكونَ الذي كان قَبْلِي

 وأَنْ أُمْسِكَ النَّهْرَ باليَدِ

دَرْبٌ طَويلٌ إلى اللانهايةِ

   دَرْبٌ طَويلْ

وقالَ صديقي: ارْكُضوا..

_كانَ ثَمَّةَ أُرْجُوحَةٌ

 أو بُراقٌ سيَحْمِلُنا_

_ارْكُضوا..

لَمْ نَصِلْ

كُلُّ شَيءٍ يُكسِّرُهُ كُلُّ شيءٍ

وكُلُّ رَصيفٍ يُؤدِّي لِهاوِيَةٍ

 والنَّدامَى مُحاطُونَ بالخُوَذِ السُّمْرِ

لم تُنْجِبِ الأرضُ أطفالَنا

إنَّنا الآنَ نُشْرِقُ في مَوْتِ جِيلْ

ونَخْرُجُ من كلِّ بابٍ

ونَكْتُبُ في وَرَقٍ مُهْمَلٍ كُلَّ أُغْنِيَةٍ للخُروجْ

الجزء الثاني من الدراسة:

المتعة والجذب في الإبداع الشعري الشبابي (2)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img