النص المتغاير وعلاقات التحول الدلالي مقاربة تأويلية في الشعر الحداثي (2)

د. عماد حسيب محمد

فعل التغاير النصي يقتضي وجود فجوة تحتاج إلى ملئها ، وثغرة تحتاج إلى سدها ، فإنه لا يتوافق مع فكرة الكمال النصي _ إن كان هناك كمال نصي – ؛ لأن مؤلف النص المتغاير يعلم أنه يوجد شريك معه في كتابة هذا النص ، ودائما ما يكون ملازمًا له أثناء كتابته للنص ، وهو ذلك القارئ الافتراضي ، وقارئ آخر يفرض وجهة نظره ورؤيته الخاصة على النص ويتمثل في القارئ المثالي ، فمن هنا يقع النص بين الكاتب والقارئ ، ولا تكتمل الدائرة إلا بهما ، وقد ذكر جميل حمداوي أن ” الأعمال الفنية هي أعمال مفتوحة دلاليًا ، وبنيات غير مكتملة ، تستوجب من القارئ إتمامها وملء فجواتها وثغراتها وبياضها حسب أفق توقعاته “(5) .

ويرى عبد الكريم بكار أن ” النص الجيد هو النص الذي يشتمل على فراغات معرفية ، وملء هذه الفراغات من الآن فصاعدا صار من مهمة القارئ الجيد ، وحين يشرع القارئ في سدها تبدأ رحلة التواصل بينه و الكاتب ” (6)

وقد ذكر عبد الرحمن القعود في أثناء حديثه عن شعر الحداثة أن ” أصلح شيء لهذا الشعر هو القراءة التأويلية ، لأن هذا الشعر متاهة ، ولأنه تساؤل ولأنه لا يحمل دلالة  نهائية محدودة ، بل هي احتمالية ومؤجلة ، والقراءة التأويلية هي القادرة على انتظار المؤجل ، وفهم الملتبس وقبول المحتمل”(7)

ومن هنا يتطور التعامل مع مفهوم النص ليتحول إلى منظومة من التشكيلات اللغوية والسياقات الثقافية التي تهدف إلى خلق علاقة تداولية بين المكون التعبيري والمتلقي الناقد ، وهذا من شأنه أن يخلق نصًا مختلفًا يستلزم طاقات متمردة ومتعالية على سياقات التحديد ، حتى يكون المكون التعبيري منافيًا لما يتغياه المتلقي من معان تخضع إلى التوقع الاستاتيكي؛ لأن المنشود البحث عن المعني الدينامي .

وهذا ما يتفق مع تصور (جاك دريدا) للنص ، فهو عنده ” نسيج لقيمات أي تدخلات . لعبة منفتحة ومنغلقة في آن واحد .. فالنص لا يملك أبا واحدا ولا جذرا واحدا، بل هو نسق من الجذور وهو ما يؤدي في نهاية الأمر إلى محو مفهوم النسق والجذر . إن الانتماء التاريخي إلى نص ما لا يكون أبدا بخط مستقيم ، فالنص دائما من هذا المنظور التفكيكي له – كما يقول دريدا – عدة أعمار “(8)

وتبرز خصوصية النص المتغاير عن طريق وضعه في دائرة القراءة التأويلية ،  فالنظريات الأدبية المعاصرة ” تقوم على فرضيتين : الأولى : تقوم على التشديد على عنصر التعدد أو تعدد المعاني في النص الفني ، والثانية : تقوم على دور القارئ في تأويل العمل والاستجابة كعنصرين في عملية تفاعل القارئ والنص ” (9)

وكذلك تؤكــد على أهمية دور القارئ ، بل إن كثيرا من الكتاب يصفون هذا العصر بأنه ( عصر القارئ ) ، الذي يعد الفــاعل الأهم في ثالوث الإبداع المكون للعمل الأدبي ( المؤلف /النص/القارئ) ، والمتفهم للقــراءة التفكيكية يجد أنها أبرز الاتجــاهات النقديــة قربا من التأويلية في هذا المجال ، فقد دعت على لسان زعيمها ( جاك دريدا ) إلى تقويض الفكر الغربي ، الذي تأسس على فكرة الحقيقة القابعة داخل النص بالمفهوم البنيوي ، وأتاحت لتجربة القراءة الأهمية الكبيرة في كشف النص ، ووصفت القراءة بأنها نوع من اللعب الحر ، الذي عليه تتأسس تأويلات عديدة ومختلفة للنص .

وقد قال الغذامي  ” إننا دلفنا مع النص الجديد وبسببه إلى عصر ثقافي جديد هو عصر القارئ ، ويكون الإبداع نفسه عملية قراءة للزمن وللكون ، وعاقد الربط – هنا – هو التشريح النصوصي إبداعا وقراءة ، فالمبدع يشرح ذاكرته الحضارية مستندا على حسه الجمعي بذاته وبعالمه الدائر فيه عطاء وأخذا ، والقارئ يشرح النص بناء على تلاحمه معه بعد أن أصبح انبثاقا لغويا لعالمه الذي يشترك فيه مع المبدع ” (10)

وقد تأثر النقاد العرب  بأفكار (جاك دريدا) الذي أعطى الأولوية للكتابة قبل الصوت الكلامي، وفي هذا يقول محمد بنيس:” أما بنية المكان فهي التي تجاهلها أو جهلها نقاد الشعر المعاصر، في عموم العالم العربي، وقد أسرهم الإيقاع، وما ذلك إلا نتيجة انحيازهم للكلام، وإلغائهم الكتابة، وهم في موقفهم هذا على عكس بعض الشعراء والنقاد الأندلسيين والمغاربة القدماء، وبعض الشعراء الأوربيين والأمريكيين اللاتينيين المعاصرين، وكذلك بعض الشعراء الآسيويين، يابانيين وصينيين، الذين جعلوا من التركيب الخطي بعدا بلاغيا يفتح النص على البصر بعد أن اكتفى بالسمع زمنا طويلا.”(11)

وما قمنا بتوضيحه عبر كشف علاقات التغاير النصي  يتفق مع المدونة الشعرية التي تم الاشتغال عليها في هذه الدراسة ، والطرح السابق لمفاهيم النص ووجهات النظر المختلفة ، الذي جاء  مقتضبا ولم يشر إلى كافة الاتجاهات التي تعرضت لهذا المفهوم ؛ لأن الدراسة لا تريد ذلك ، يعد طرحًا انتقائيا هدفه بيان وظيفة النص وقيمته من الوجهتين ، التأويلية والتداولية وكذلك الوقوف على التغيرات التي طرأت على المفهوم ؛ وذلك لتأكيد الهاجس الثقافي الذي انتشر بين كثير من الدارسين له ، وهو تعدد المفاهيم الموضحة للنص في ظل اختلاف المنهجية واختلاف وجهات التلقي ، الذي أدى بدوره إلى اختلاف (الشعرية) ، فلم يعد مفهومها يختص بأسلوبية الجنس الأدبي بل تجاوزه إلى ما وراء ذلك ، وهذا ما أكده ( تودوروف) عندما عرفها بقوله ” إنها استراتيجية منفتحة متحررة لا تسعى إلى تثبيت فكرة بعينها عن الأدب . نغلقها على أنفسنا داخل جدران تعريف معياري فالأدبية تجاوز الأدب ، والوظيفة الشعرية تمتد إلى ما وراء حقل الشعر”(12)

وتمثل النصوص المختارة للدراسة أثرا مفتوحا ، وقد عرف ( إيكو ) الأثر المفتوح بأنه ” الأثر الذي يؤلفه شخص واحد ، والذي عبر التأويلات المختلفة يبقى بنية متجانسة ومحتفظا بشكل من الأشكال بهذا الطابع الفردي الذي يعطيه وجوده وقيمته ومعناه ” (13)

والنص الأدبي المفتوح ” الذي يحتاج من قارئه إلى بذل الجهد لمعرفة ما يريد المؤلف قوله ، فهو مفتوح على الدلالة ، ومفتوح على أية محاولة للتواصل النشط معه من قبل قارئه ، ومن أبرز سماته أن كل قارئ إيجابي قادر على استنتاج معنى قد لا يتفق مع ما يستنتجه قارئ آخر ، وبتعدد قرائه تتعدد معانيه “(14)

من هنا تتحدد نظرتنا إلى النص الشعري وفضاء القراءة ، بوصف المنجز النصي ممثلا لما اقترحناه من مفهوم سابق وهو ( النص المتغاير ) ، الذي يحتاج إلى فضاء قرائي خاص يتأسس على آليات التأويل وتفكيك العلاقات الدلالية المتشابكة .

والنص المتغاير لا يتوافق ضمنيا مع أحادية الدلالة ، بل تجنح دلالاته إلى التعدد ، والتعدد ناتج عن التحول الذي يعني ” العدول عن المعنى الظاهري أو المعجمي للكلمة أو التركيب إلى المعاني الباطنية المرجوة من الصياغة ” (15)، والتحول الدلالي يرتبط بمستويات العلاقة اللغوية ؛ المستوى الظاهر والمستوى الضمني والمستوى المرجعي ، ويتم إدراكه وفق فهم المقام وتحركات السياق المختلفة ، وهناك أشكال متعددة للتحول ، منها التحول الزمني والتحول المكاني والتحول الأداتي والتحول التراثي .. وغيرها .

موضوعات متعلقة:

النص المتغاير وعلاقات التحول الدلالي مقاربة تأويلية في الشعر الحداثي (1)

النص المتغاير وعلاقات التحول الدلالي مقاربة تأويلية في الشعر الحداثي (3)

النص المتغاير وعلاقات التحول الدلالي مقاربة تأويلية في الشعر الحداثي (4)

النص المتغاير وعلاقات التحول الدلالي مقاربة تأويلية في الشعر الحداثي (5)

النص المتغاير وعلاقات التحول الدلالي مقاربة تأويلية في الشعر الحداثي (6)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img