النص المتغاير وعلاقات التحول الدلالي مقاربة تأويلية في الشعر الحداثي (3)

د. عماد حسيب محمد

التحول الزمني

هو كسر قاعدة الوقت الفيزيقية التي تتسم بالتراتبية والتحديد والنمطية ، فمع النص الشعري المتغاير تصير تلك العلاقة محطمة ، وليس لها قيمة ، ليحل محلها علاقة الوقت العاطفي الذي يرتبط بإحساس الذات باللحظة أو المعيشي الذي يبدأ تسجيله مع حدوث واقعة معينة وينمو ويتطور وفق سرديتها ، أو رمزي دال على فضاء إشاري تهمش فيه العلاقات الحسية الظاهرة لينشأ لدينا المدلول المتعدد .

وقد دلت النصوص التي بين أيدينا على توظيف تلك العلاقة ، فمثلا في نص للشاعر : عمر مهران ، عنوانه ” توثيق لأحداث خارج توقيت القلب ” نجده يقول :

وقتٌ لا أقضيهِ على شطآنِكِ

وقتٌ أعمى

أخرسُ ،

وقتٌ لا يعنيني فيهِ سوى ذكرى

وقتٍ آخرَ كنا فيهِ معاً

حيثُ الوقتُ لهُ قانونٌ فيزيقيٌّ

نحفظُهُ حفظَ التلميذِ ؛

وأنتِ معي

لا شيءَ يسيرُ على عادتِهِ ؛

معكِ الساعةُ ستُّ دقائقَ

معكِ الشايُ سُلافةُ خمرٍ

معكِ الضحكةُ معراجي لسماءٍ أبعدَ

يعزفُ فيها رَتْلُ نجومٍ

( كونْشِرْتُ بِيانو تْشايْكوفِسْكي )

فقد حوّل النص المدركات الثابتة إلى متغايرة ، وصار المدرك – من وجهة نظر النص – أعمى ؛ لأنه لا يشعر به ، وأخرس ؛ لأنه لا ينصت إليه ، وصار الزمن يتحدد وفقا لما تشعر به الذات ويتحول بناء على رغباتها ، فعندما تلتقي الذات مع المحبوبة يتغير كل شيء ، ويصبح الإحساس بالزمن عدميا ، وحتمية التراتب مرفوضة ، وحسية الأرقام ضائعة ، وهنا تغدو اللحظة المعيشة لها صفة السلطة بعيدا عن حدودها الفيزيقية ، فلها قانونها الخاص الذي يشكل بدءها وينفي نهايتها ، وقد جاء عنوان النص متوافقا مع آلية التحول : ( توثيق لأحداث خارج توقيت القلب ) ، وكأن العتبة أرادت منذ البداية أن تصرف المتلقي عن العلاقات الاعتيادية ونمطية الأشياء وسكونية المعيش .

وفي نص آخر عنوانه ” الفصل الأخير” يفضي التحول الزمني إلى إحداث فعل التغاير في النص :

سأرحلُ لا تاركاً بيتَ شعرٍ

ولا ابناً ليحملَ وزري

ولا امرأةً تترهبنُ بعدي

لتُنشِأَ من بعضِ صُلبي صبي

سأرحلُ لم أقرأ البُحتريَّ ولا دوستوفسكي

ولم أدرِ ماذا تقولُ الحداثةُ

حِسي يَراعي

ولن أسلكَ الدربَ ذاك الّذي ليس يُفضي لِشَيّ

وقد عشتُ أحلُمُ أن أستفيقَ على صدرِ ليلايَ

أن أعتلي صهوةَ الشعرِ

أن أدخلَ القدسَ في ثوبِ جَدي

وأمسحَ عن خدِّ زيتونِها دمعَه

كنتُ أحلمُ أن تستعيدَ الطفولةُ حقَّ الحياةِ وحقَّ اللعبْ

وأن تستعيدَ العصافيرُ حقَّ الغناءِ

وأن نستعيدَ حقوقَ الأدبْ

يأتي التحول هنا عبر علاقة المفارقة الزمنية ، التي استطاع النص أن يوظفها عندما خلخل الإطار الزمني الثابت بآلياته المعبرة عن توقيت محدد ، فيحدث النص خداعا عبر اضطراب العلاقات ، فيبدأ بزمن الحضور ( سأرحل) ، ذلك الفعل الذي يطوي زمنين متلازمين : الحضور وهو الممثل لحقيقة الفعل والماضي الممثل لما يخلفه زمن الحضور ، ويستمر النص في خلخلة العلاقات الزمنية ، فما يأتي بعد فعل الرحيل المسبوق بالسين الدالة على المستقبل يتصدر بالنفي ، فبدلا من أن يقول ( سأرحل تاركا .. ) قال ( سأرحل لا تاركا .. ) ، وهنا تتجلى آلية التحول ، فالمتروك حقيقي وثابت بالرغم من نفي الحضور ، وجاء النفي ليحول علاقة الثبات إلى متغير ضمني ، فكأن الذات تتحرك بين سكونها وتفجرها ، بين واقعها ومأمولها ، فالمتروك هو متروك بالفعل ، لكن الرغبة في عدم تركه خشية الفوات والموت ، ومع إيمان الذات بعدم جدوى تلك العلاقات الحاضرة الغائبة يضع النص أمام علاقتين دلاليتين ؛ علاقة التتابع اللحظي لواقعية الحدث التي تتمثل في ترك الذات لعلاقات معيشية ترتبط بها ولا تنفك عنها ( بيت الشعر – ابنا يحمل وزري – امرأة تترهبن بعدي – قراءة شعر البحتري ودوستوفسكي – التعلق بالحداثة الشعرية ) ، وعلاقة الرغبة في تغيير المتروك ومحاولة الذات الخروج من المعيشي المؤلم إلى المتخيل المستقبلي ، وظهر ذلك عبر نفي العلاقات السابقة ، وكأنه يتمرد عليها ، وفي العلاقات المستقبلية المتممة ( لن أسلك الدرب ذاك الذي ليس يفضي لشيء – وقد عشت أحلم أن أستفيق على صدر ليلاي – أن أعتلي صهوة الشعر _ أن أدخل القدس في ثوب جدي وأمسح عن خد زيتونها دمعه ) .

وفي نص للشاعر محمد هشام يعبر عن التحول الزمني نقرأ :

لم تعرِفِ الأرضُ أسماءَنا أبدًا

 قَدْرَ ما عَرَفَتْ من تماثيلَ

  أو تَوَّجَتْ من لُصُوص

نَسيرُ ونَظْمَأُ يا أصدقاءُ

هُنا الصَّحَراءُ/المدينةُ

قال حَكيمٌ: لِكَيْ تَرِدُوا الماءَ

سيروا إلى الدَّمْعِ

كانتْ هُناكَ مَوائدُ لَحْمٍ

 وَقَوْمٌ أقاموا مِنَصَّةَ شِعْرٍ على عَظْمِ جُمْجُمَةٍ

قال: كَيْ تَرِدوا المَجْدَ

  سيروا إلى الموتِ

  أَوْ فَاهْنَأوا بالرَّحيلْ

أَنا كُنْتُ أَرْبِطُ أَوْرِدَتي وَتَرًا في الجُذُوعِ

 لأصْنَعَ قِيثارَةً

وأُحاوِلُ ألا أَكونَ الذي كان قَبْلِي

 وأَنْ أُمْسِكَ النَّهْرَ باليَدِ .

فالصراع هنا قائم بين الماضي والحاضر عبر نسيج من العلاقات الحاملة لعناصرهما ، والتحول يسكن تلك العلاقات ، ودائما ما يكون له دور في تغيير الدلالة ، فالبداية مع الحاضر المترسخ في ذهن الذات ( لم تعرف الأرض أسماءنا أبدا ) ، ونفي الحاضر يقابله إثبات الماضي ( قدر ما عرفت من تماثيل أو توجت من لصوص ) ، وعبر تحول العلاقات نجد أن الماضي يتحول إلى الحاضر بالرغم من وجود الصراع بينهما ، فتحيل الدلالات النصية إلى علاقات تمجيد الآلهة والأصنام في القديم ، تلك التي كانت سببا في اختفاء الأسماء وتشويه الصور الفاعلة ، لازالت قائمة في حاضرنا عبر تمجيد الزعماء والسلطويين ، الذين هم في الحقيقة لصوص ، وهذا أدى بدوره أيضا إلى إخفاء الطبقات الأخرى ، بل وإعدامهم .

ويستمر النص في تأكيد الصراع الزمني وتحولاته فيأتي الدمج بين مكانين متضادين ( الصحراء والمدينة ) ليؤكد مدى ما تراه الذات في الواقع أنه تشوه وتحول ، وعبر آلية السرد نجد تدخل لشخصية ( الحكيم ) في النص ليمثل الصوت الخارجي المعبر عن الصوت الداخلي للذات ( لكي تردوا الماء سيروا إلى الدمع ) ، وهنا تتجلى المفارقة ، فالوصول إلى المعيش في هذا الواقع يلزمه قدر كبير من الألم الممزوج بالدمع ، وهنا إشارة إلى ظاهرة كانت منتشرة في القديم وعند الشعراء القدماء ، وهي الوقوف على الأطلال وبكاء الديار ، وقد أراد النص الإشارة إلى تلك الظاهرة والدليل على ذلك ما جاء بعد ذلك ( كانت هناك موائد لحم وقوم أقاموا منصة شعر على عظم جمجمة ) ، والطلل هنا ليس المقصود به أطلال القدماء فقط ، بل أطلال المعاصرين أيضا ، وليس المقصود هنا تمجيد السابقين والبكاء على ديارهم فقط ، بل تمجيد الصور المعاصرة والعيش في ظل من رحلوا بالرغم من مفاسدهم ؛ لذلك جاءت النتيجة الحتمية لتلك الظاهرة ( كي تردوا المجد سيروا إلى الموت أو فاهنأوا بالرحيل ) إما أن نعيش في ظل الراحلين ونسير على دربهم أو نرحل بعيدا تاركين ديارنا وأوطاننا التي لا تتسع إلا إليهم ، وينتهي الصراع بالتحول ؛ تحول الذات من الثابت إلى المتحرك ، من الماضي إلى الحاضر ، من السكون إلى الثورة ( أحاول ألا أكون الذي كان قبلي وأن أمسك النهر باليد ) .

موضوعات متعلقة:

النص المتغاير وعلاقات التحول الدلالي مقاربة تأويلية في الشعر الحداثي (1)

النص المتغاير وعلاقات التحول الدلالي مقاربة تأويلية في الشعر الحداثي (2)

النص المتغاير وعلاقات التحول الدلالي مقاربة تأويلية في الشعر الحداثي (4)

النص المتغاير وعلاقات التحول الدلالي مقاربة تأويلية في الشعر الحداثي (5)

النص المتغاير وعلاقات التحول الدلالي مقاربة تأويلية في الشعر الحداثي (6)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img