النص المتغاير وعلاقات التحول الدلالي مقاربة تأويلية في الشعر الحداثي (4)

د.عماد حسيب محمد

السرد والتحول الدلالي

ظهرت في النص الحداثي خاصية السرد وهي بديل الغنائية في الشعر القديم ، فقد تميزت القصيدة الحداثية بالسرد واحتفت بتفاصيل المكان والأشياء وركزت علي اللقطة المتعددة الاتجاهات .

ويقول جون كوهين في كتابه ( لغة الشعر ) ” الشعر منذ رامبو لم يعد غنائياً وإن  أصبح نقدياً “(16)

وفي ظل التمازج الحاصل بين الفنون وبعضها في العصر الحديث تداخلت الرواية والقصة بآلياتهما في الكتابة الشعرية ، فبدأ يستل الشاعر الحديث التقنيات الفنية من القصة ليستخدمها في شعره كما أخذ من السينما والمسرح والفنون الأخرى ، فظهرت لدينا القصيدة الدرامية ، والقصيدة اللقطة ، والقصيدة القناع والنص الهندسي والنص الدائري وغيرها.

فقد تميز الشاعر الحداثي بظاهرة ( التشيؤ ) التي تعني الحضور الطاغي للأشياء .. وقد ظهر ذلك عند كثير من شعراء الحداثة ، والسرد عامل مهم له دوره في إحداث التحول الدلالي ، فعلاقات الحكي في تداخلها وتطورها قادرة على خلق التحول ، وأنماط الشخصيات الموظفة في النص السردي تحدث هذا النوع من التحول ، وقد ظهر ذلك في كثير من النصوص الشعرية ، فمثلا نجد عمر مهران في نص عنوانه ( تقرير صغير عن مدينة صغيرة ) يقول :

لطفلٍ

كان أولى أن يعلمَهُ أبوه الاختباء

من الرفاقِ بلعبةِ الغُمَّيضِ

قبلَ الاختباء من القنابلِ والأباتشي

ثُمّ لم تصبر عليه الطائراتُ لكي يعدَّ

لواحدٍ

اثنينِ

وانفجرت مخيلةٌ لأربعةٍ من الأطفالِ

لم تمسح براءةَ بسمةٍ فوق الوجوهِ ،

لمَن تخضّلَ بالدماءِ وبالدخانِ

ولم يزل يحشو الرصاصَ ببندقيتِهِ

ويتلو سورةَ الإخلاصِ ،

مَن خلعت رداءَ العُرسِ

وانهمكت تكفِّنُ حلمَها الزوجيَّ فيهِ ببسمةٍ

وبدمعتينِ ،

ومن على خطِّ الهجومِ محاصَرينَ

من العدوِّ أمامَهم

ومن الأخِ النذلِ الذي من خلفهم

سلَّ الخناجرَ للخيانةِ ،

من يحاربُ واقفاً لا ينحني لمرورِ طائرةٍ

ولا لقذيفةٍ ،

ولأرضِنا حيثُ الذين يحافظونَ على كرامةِ أمةٍ

منكوبةٍ

يتسحرونَ مدججينَ

ويفطرونَ مدججينَ

ويرفضونَ الإنبطاحَ أو القبولِ بسلطةِ المحتلِّ

والدولِ الكبيرةِ .

وعنوان النص يحيل المتلقي إلى السردية ( تقرير صغير عن مدينة صغيرة ) ، فالتقرير يعتمد على سرد الأحداث ، والمدينة فضاء دلالي للحدث ، ويفتتح المشهد على صورة طفل ومشهد مأساوي قذفته طائرات العدو ، وتحول مشهد اللعب إلى مشهد دموي ، وتحولت لعبة ( الغميض ) إلى محاربين حقيقيين يلعبون هذه اللعبة لكن وفق قوانينهم ، وتتابع المشهد التي تلعب المفارقة دورا مهما في إبرازها ، فصورة الطفل المقتول يقابلها صورة الجندي المتغطرس الذي لا يهتم بما أحدثه وينفث دخان سيجاره وينظف بندقيته ويحشوها بالرصاص للقيام بجريمة جديدة ، ويأتي المشهد الثاني الذي تتحول فيه العروس من متعة الفرح والسرور بزواجها إلى الحزن العميق تحسرا على قتل زوجها ، ويتحول ثياب العرس إلى كفن تدفن فيه أحلامها وحبها ، ويأتي المشهد الثالث لينقل لنا صورة المجاهدين المحاصرين من قبل العدو ، وقد كان حصارهم بفعل الخيانة من بني جلدتهم ، وتنتهي المشاهد بمشهد الصمود والوقوف في وجه المحتل بكل ما لدى أصحاب الأرض من قوة ، وتمثل ذلك في أكثر من لوحة ؛ لوحة الجندي الواقف الذي لا ينحني لمرور طائرة ، ولوحة الجنود الذين يدافعون عن وطنهم فيتسحرون وهم مدججون بالسلاح ويفطرون وهم على الحالة تلك ، واللوحة الثالثة للذين يرفضون الانبطاح والقبول بسلطة المحتل ، إذن نحن أمام مجموعة من العلاقات الدلالية المتحولة ساعد في إبرازها الإطار السردي .

وفي نص للشاعر محمد هشام ، عنوانه ( عازف الجيتار العجوز ) ، وهو عنوان اللوحة الشهيرة للفنان (بيكاسو) تتجلى علاقات التحول ، والتحول هنا ناشء من التغاير الدلالي والحديث تارة عن اللوحة الأصل وتارة عن اللوحة المعاصرة التي تحاكي الواقع وتتحدث عن واقع الفنان المعاصر الذي يكاد يتماس مع واقع بيكاسو الذي عبرت عنه لوحته ، فيبدأ النص :

غَنَّى سُدًى

واسْتَراحَ يَشْرَبُ العَدَمَا

حَقيقَةً يَدَّعِيها

ثُمَّ بَعْدَ غَدٍ

 يُخَرْبِشُ الصَّخْرَ

 يَنْفِيها

يَخُطُّ دَمَا

أَعْصابُهُ

_تَحْتَ جِلْدٍ كالخَريطَةِ ظَمْآنٍ_

     تُدَوِّي

     وفي رَمْلِ الفَراغِ

     تُناجي

لا صَدًى يَسْتَعيدُ ما اسْتَحالَ فُتاتًا

 في خَواءٍ يُحَوِّلُ الرِّجالَ دُمَى

البداية مع اللوحة الأصل ، فهي تقدم شرحا لتفاصيل اللوحة ، والإحساس بالعدمية والكآبة لدى الفنان الذي خطت أنامله الألم الكائن في نفسه والمسيطر على ذاته ، وصار يناجي الفراغ والعدم ، وصار كل ما يصنعه ويخلقه من إبداع لا قيمة له ، ثم يأتي فعل التغاير لتتدخل الذات الشاعرة في اللوحة الأصل وتمد يدها لتغيير ملامحها :

يراهُ يَرْتَدُّ من سَمِّ الخِياطِ

ويُدْمِي خَدَّهُ

يَعْبُرُ المسَامَّ نَحْوَ شِفاهٍ

مُشْبِكًا خَيْطَهُ الرَّخيصَ حَوْلَ صِباهُ

والدَّبابيسُ تَغْزو

 تَسْتَبيحُ فَمَا

كانَتْ دَلالاتُهُ

تَنْساقُ نَحْوَ ضَميرٍ مِنْ خَرابِ الوُجودِ بالمواجِدِ

لا الرُّوحُ اسْتَراحَتْ لِأَرْضِها

 ولا لِسَمَا

في مشهد دموي تتغير به ملامح اللوحة ، فذلك الساكن المنكس المنكسر المنكفئ على جيتاره يرتد من سم الخياط من هذا المنفذ الضيق معلنا تمرده على هذا الانكسار وتمرده على خطوط اللوحة وألوانها الزرقاء ، فقرر أن يختار لها لونا آخر ، فكان هذا اللون هو الأحمر لون الدم ولون الثورة ، والألفاظ المستخدمة في نسج الصورة تعبر عن صعوبة المشهد وثقله ، فالخيط بآلته الصلبة يخترق الخد فيدميه ويعبر المسام نحو الشفاه وينفذ نحو الفم ، وكأن التحول هنا لم يكتف بإبراز صورة الفنان المنكسر الكئيب الساكن ، بل أراد صورة الفنان الواقع تحت سلطة القهر والظلم ، التي أدت إلى تكميم الأفواه وجرح الشفاه .

ويعود النص مرة أخرى للوحة الأصل :

يَغْتَالُهُ اللَحْنُ

والأَوْتارُ

 مَحْضُ صِراطٍ

 بَيْنَ وَقْتَيْنِ يَصْدَعانِ بالصَّرَخاتِ

جِسْمُهُ خاشِعٌ

  ساجٍ

  على الخَشَبِ المَعْزُوفِ

شَيْطانُهُ يَفْتَرُّ مُلْتَحِمَا

بِدَمْعِ جِيتارِهِ

الأَهْوالُ تَنْحَرُ في عُمْقِ النِّداءاتِ

إشْراقًا

وتَحْفُرُ أَغْوارًا

وتُؤْذي يَمامًا

والنِّهايَةُ مِلْكٌ

 لِلَّذينَ اسْتَراحُوا فَوْقَ أَضْلُعِ مَنْ غَنَّوْا

 ونامُوا على المياهِ لَفْحَ ظَمَا

أنه رسم واضح لتفاصيل الصورة عبر عدسة السرد المجسدة للفنان المقتول بسيف اللحن ، وجسمه مائل نحو جيتاره الخشبي ، وشيطانه يشاركه حاله ، والخلفية المشهدية تجسد صورة الأهوال التي تحيط به وتحفر في قلبه أغوارا عميقة وتؤذي اليمام الممثل لصوت الفنان وقلبه النابض ، ونهاية المشهد تصور نهاية الذين غنوا وأخلصوا لفنهم ماتوا ظمأ لما أصابهم من عطش نتاج ما عانوه في حياتهم ، والعودة للوحة الأصل هنا لرغبة في إحداث التحول بين الموقفين نظرا لوجود تماثل واضح بين النص الأصل والنص المتغاير .

موضوعات متعلقة:

النص المتغاير وعلاقات التحول الدلالي مقاربة تأويلية في الشعر الحداثي (1)

النص المتغاير وعلاقات التحول الدلالي مقاربة تأويلية في الشعر الحداثي (2)

النص المتغاير وعلاقات التحول الدلالي مقاربة تأويلية في الشعر الحداثي (3)

النص المتغاير وعلاقات التحول الدلالي مقاربة تأويلية في الشعر الحداثي (5)

النص المتغاير وعلاقات التحول الدلالي مقاربة تأويلية في الشعر الحداثي (6)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img