النص المتغاير وعلاقات التحول الدلالي مقاربة تأويلية في الشعر الحداثي (5)

د. عماد حسيب محمد

أنسنة الجماد وعلاقات التحول

أنسنة الجماد تعني : “إنزال غير العاقل، كالحيوان والنبات والجماد، والمعاني المجردة، منزلةَ العاقل، في التعبير والتصوير والخطاب”.. و”إقامةُ الجماد مقام الناطقين” كمصطلحٍ أشار إليه من القدماء الفيلسوف والطبيب والفقيه والقاضي والفلكي والفيزيائي المعروف (ابن رشد) حين استعمله في تلخيصه لكتاب أرسطو في الشعر. ومن أمثلته الشهيرة وصف البحتري للربيع: “أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكاً”، وقولهم: “الذكي والحاذق يستطيع أن يتخذ حتى من الجماد قدوة له” وغيره..(17)

ولهذه الظاهرة دور مهم في إحداث التحول الدلالي ، فعلاقات التداخل والتماس والتشابه بين الجمادات والإنسان تكاد تكون بعيدة ، فعندما يحدث النص الشعري تواشجا بين المتباعدات فهذا معناه أن ثمة تحولا حدث على مستوى الدلالة وعلى مستوى التوظيف الفني ، وقد ظهر ذلك في بعض النصوص ، منها نص للشاعر محمود علي ، يقول فيه :

في البيت

تختبئ السجائر

ترتخي العضلات

ازداد اضطرابا

أحتسي من خيبتي ..

في البيت أعتاد الحياة بجرها من شعرها

سنقيم شطرا من مجاز

واحتفالا بالخسارة

لن أفكر أنني قد كنت في يوم وحيدا ضائعا

فأنا هنا ، هذا الوحيد الضائع المنسي .

فأنسنة السجائر وتصويرها في صورة المختبئ نوع من إحداث التحول في الدلالة يمنح السجائر صفة لصوصية ، وكأنها الإنسان الذي ارتكب جرما ويخاف أن يطلع عليه الناس فيلجأ إلى الاختفاء ، ونظرا لارتباط الذات بهذا الجرم وتعلقها به ، فاختفاؤها يؤدي إلى ارتخاء العضلات وزيادة القلق والاضطراب وتجرع الخيبة ، وكذلك أنسنة الحياة وتصويرها في صورة امرأة تجر من شعرها ، تحيلنا إلى إثبات صفة التمرد على الحياة والتقليل من شأنها ، وكأن الذات تضيق بتقاليدها وسطوتها وأعرافها التي تشكل عائقا أمام انطلاقها وتفجرها ، لذلك جاءت السطور التالية لهذه الصورة لتؤكد الفرضية السابقة ( سنقيم شطرا من مجاز واحتفالا بالخسارة ) ، فبعد نبذ الحياة بتقاليدها وسطوتها لا مكان للحقيقة ، إنما المكان متسع للمجاز ، ذلك الفضاء الذي يسمح للخيال أن يسبح ويقدم كل ما لديه من تصور بعيدا عن زاوية الإغلاق ، ويجيء الاحتفال مضادا لواقعية الدلالة ، فليس الاحتفال بالنصر بل بالخسارة ، والخسارة هنا نصر للذات لأنه يحتفل بخسارته الحياة بكل ما تعنيه من سياج حديدي تسجن فيه الآمال والأحلام ، فالتخلص من هذا السجن بالرغم من الخسارة هو في الحقيقة يمثل نصرا حقيقيا ، ويأتي السطران الأخيران لتعضيد ما سبق ( لن أفكر أنني قد كنت في يوم وحيدا ضائعا ، فأنا هنا هذا الوحيد الضائع المنسي ) ، فالنفي هنا يمثل تأكيدا من الذات على موقفها ، فهي ترفض بعد تحررها أن توصف بأنها صارت ضائعة أو منفردة ، فقد كانت في ظل القيد تتصف بتلك الصفات .

وفي نص للشاعر محمد العارف ، نقرأ :

لمَّا الرمش تثاءبَ

لمَّا الرمش تثاءب طلَّقَ زوجته الليل ورنَّمَ عمي الجبلُ الطيِّبُ :

“ميلي يا خام الملبن ميلي

هزِّي الخصر لينتشي الله ويعصر من لحيته الشيخُ الخمرَ”

وأغلى من قطرةِ ماءٍ تغسلُ وجهَ الصحراءِ أتتْ

يتساءلَ قلبي من أين أتتْ لتعانقَ صخب الأعراسِ وأجري لأُعانق ضحكتها

مسكينٌ قلبي لا يحتمل الحلوى

ككمان يتمشى في دم عازفة

تمشى

ويرنُّ الخلخال

يمزِّقُ ثوبَ الراعي وعصاهُ يكسِّرها

يرشد قدم الحملِ إلى التلِّ

يرمِّمُ سور المزرعةِ

لئلا يهجمَ ذئبٌ

كانت تمسكُ بيد الأرضِ إذا تصرخ في صبْيتِها :

“صوموا للإنسان وفكّوا الريقَ ببسمتهِ”

أبصرها وضعتْ عود بخورٍ في قلبي

وكما يبتسم الأزميل لحجرٍ للأشياء ابتسمتْ

غازلها الحقلُ فباسته وصفعت وجه القرية

لتجفِّفَ عرقَ الموسيقى رقصتْ

فاغتسلَ العالم في ماء النهرْ

وانتحرتْ كل حروبِ بني الإنسانِ

يحتشد النص السابق بمجموعة من الصور المؤنسنة للجماد في تركيب دلالي يتصف بالبكارة ، فيبدأ النص بأنسنة الرمش ( لما الرمش تثاءب ) يليه أنسنة الليل ( طلق زوجته الليل ) يليه أنسنة الجبل ( رنم عمي الجبل الطيب ) ، وهذه الصورة تبدو غريبة في اختيار مفرداتها وآلية تركيبها خاصة عندما نحاول أن ندمج الصور كما وردت في سياقها ، لكن عندما نتأملها نلاحظ أنها تمثل علاقة حية تنقل إلينا فعل اليقظة ومدى ما فجرته صورة هذه المرأة من مشاعر جعلت الذات تلفظ النوم وتستقبل القادم بنوع من الغناء الغزل ، وتأتي الصورة الثانية المؤنسنة للجماد ( ككمان يتمشى في دم عازفة .. تمشي .. ويرن الخلخال .. يمزق ثوب الراعي وعصاه يكسرها .. يرشد قدم الحمل إلى التل .. يرمم سور المزرعة لئلا يهجم ذئب ) ، والصورة هنا تمنح الكمان تلك الآلة الموسيقية صفة إنسانية لم نعهدها من قبل ، وهي تحيل إلى مدى عشق الذات للموسيقى والتلازم الحاصل بين الآلة وقلب العازف وجوارحه ، وكأنها جزء منه ، ثم تأتي صورة الخلخال الذي ترتديه المرأة في قدمها ، وهو يؤدي وظيفة صوتية ، الهدف منها إبراز المفاتن ولفت الانتباه ، لتتحول الوظيفة عبر ظاهرة الأنسنة إلى الحراسة والدفاع عن المكان وقاطنيه ، وتختتم الصور بالصورة الثالثة ( وكما يبتسم الأزميل لحجر الأشياء ابتسمت .. غازلها الحقل فباسته وصفعت وجه القرية ) ، وكما يبدو جاء الأزميل تلك الآلة المستخدمة في النحت ممثلا لعلاقة إنسانية تحولت فيها الدلالة ، فبدلا من أن يتحدد فعله في النحت الذي يحمل نوعا من الجهد والقسوة على الحجر ، جاء فعله ليمثل علاقة العشق للحجر من قبيل تماس الشيء مع آلته ، وتأتي الصورة الأخيرة لتضيف مجموعة من الصفات شديدة الصلة بالإنسان في لحظات العشق ( غازلها – باسته ) لتكسبها للجماد/الحقل ، وهنا تتأكد لنا مدى ما تحدثه ظاهرة أنسنة الجماد من تحول في العلاقة الدلالية يؤثر في بناء النص وعلاقات التلقي .

موضوعات متعلقة:

النص المتغاير وعلاقات التحول الدلالي مقاربة تأويلية في الشعر الحداثي (1)

النص المتغاير وعلاقات التحول الدلالي مقاربة تأويلية في الشعر الحداثي (2)

النص المتغاير وعلاقات التحول الدلالي مقاربة تأويلية في الشعر الحداثي (3)

النص المتغاير وعلاقات التحول الدلالي مقاربة تأويلية في الشعر الحداثي (4)

النص المتغاير وعلاقات التحول الدلالي مقاربة تأويلية في الشعر الحداثي (6)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img