النص المتغاير وعلاقات التحول الدلالي مقاربة تأويلية في الشعر الحداثي (1)

   د. عماد حسيب محمد

إن النص بما ينتجه من علاقات جمالية ولغة متمردة وفضاء دلالي مفتوح وعلاقات بنائية بكر ورؤية تجنح إلى الاختلاف يعد دافعًا للقراءة والتأويل ، وقد تعزز إيماني بحركية النصوص وتحولها عبر دوالها المتغايرة وأنساقها المتمردة على نفسها ، وعدم خضوعها للتأطير الأجناسي ، فمع إسقاط الحدود الفاصلة بين الأجناس الأدبية وإثبات فرضية التعالي الأجناسي ، أصبح النص فضاءً تتجاور فيه إجراءات الأجناس المختلفة وتتفاعل في بنية نصية تشي بتعدد تجليات الشعرية وآلياتها متجاهلة الحدود الأجناسية الموضوعة ، فلفظتُ فكرةَ التموضع القرائي ، وبدأتْ عيني تبحث عن زوايا الاختلاف خاصة أنني أتعامل مع نصوص استطاعت  أن تعلن عن متجذرها الثقافي الذي تعايش مع الواقعي والمتخيل في توليفة خلخلت الفكر التأويلي ، وعلى مستوى البنية النصية غادرت علاقات البناء التقليدي لتشكل بنيتها الخاصة القائمة على توظيف العجائبي والغرائبي والمعيشي والتداخل بين الشعري والسردي وخلق الصور البكر التي قاربت بين المتباعدات بصورة تتسم بالجدة والتفرد ، واستطاعت أن تستنطق أطيافها لتكشف زيف الحقائق وخواء المفاهيم الراسخة وضآلة الفكر الجمعي المعاصر .

وجامع هذه الدراسات الأنساق النصية المتعالية عن نظمها التقليدية وأطرها المعيارية نتيجة خضوعها لفعل التغاير ، الذي يعني الاختلاف وإحداث الدهشة وكسر أفق التوقع ، وتموضع النص في منطقة متجددة يغدو فيها محاطا بأطر غرائبية تخلق نوعا من التوجس عند ارتيادها ، خاصة أن ثمة فراغات معرفية مضمرة تتشكل عبر مستويات الخطاب الذي يعتمد – تأويليا – على انتظار المؤجل وخرق المتوقع .

فعل التغاير الذي يضعنا أمام مفارقة واضحة بين التحديد والتوقع ، وبين اللغة الأخرى واللغة العامة ، و كأن النص يشهد عملية توالد وخلق ، توالد ينتج من عملية انزياح أو انحراف عن مسار المعتاد أو التقليدي إلى منطقة محددة مشروعيتها في ذهن الشاعر ومتوقع انحرافها من قبل المتلقي ،وعملية الخلق التي تتمثل في إبداع اللغة الخارجة داخل اللغة العامة .

إن إيمان الناقد بقيمة النص وإدراكه لمساراته المتحولة عبر لغة تمردت على أنساقها المعيارية يفرض عليه توجهًا قرائيًا يتحدد وفقا لعلاقتين متلازمتين أو متقابلتين : ما أنتجه النص من أنساق قارة في ذاته متحولةً عبر محيطها التفاعلي مع الآخر بشتى صوره وأشكاله ، وما يقدمه القارئ من رؤيته الخاصة التي تفيد من كشف المضمر ورقصة المعنى والحمولات الثقافية التي من شأنها أن تعيد إنتاج النص وبناء تحولاته .

وهذه الرؤية تحتاج إلى نص متغاير ، يمتلك صفة الاختلاف ، وله القدرة على خلق تمرده ، ويستطيع عبر لغته الغارقة في دائرة الانزياح أن يخرج عن نطاق الانغلاق لينفتح على فضاءات دلالية تزيح عنه ستار العزلة ، وتمنحه تجانسًا كونيًا مع مختلف الاتجاهات ، النص الذي يخلق تجدده وينفي عن نفسه تهمة التقليد وجناية المماثلة ، النص الذي لا يشوهه الحذف ، ولا يؤمن بسجن الإطار الذي يحدد بدءه ونهايته ، بل إن حذفه يمثل جمالية ، وغياب بعض عناصر بنائه يمثل حضورًا يتجلى عبر لذة الكشف .

وفكرة النص المتغاير تتعارض مع جبرية النص التي لا علاقة لها بفكرة ( النصية ) التي تمنح النص القدرة على التحرك داخل مساراته اللغوية والتركيبية ، والقدرة على إنتاج علاقاته النصية التي تؤسس لقراءة نقدية مختلفة من قِبل ناقد يعي آلية التحرك ومستويات الإنتاجية ، فمعنى أن نقول إن النص يعبر عن مكنوناته الداخلية ورؤيته الخارجية ، وكافة مواقفه المتباينة والمتوافقة ، وعوالمه المحيطة به والمشكلة لبنيته . هذا من شأنه أن ينفي دور القارئ ويغلق دائرة التأويل ، ويجعل النص خاضعًا لتمثلات القراءة الواحدة ، والمقصود بالواحدة هنا أي القراءة التي يعتقد قارئها أنها القراءة الصحيحة وما عداها باطل ، وهذا ما نفاه ريشاردز عندما قال ” إنه من المعقول أن نشك فيما إذا كانت هناك قراءة صحيحة هي القراءة الصحيحة الوحيدة .. حتى إننا سنكون متهورين إذا نحن زعمنا أن طريقة ما تتاح لنا لقراءتها هي الطريقة الصحيحة “(1) .

فالنص المتغاير هو النص الذي تتعدد قراءته ، ويظل منفتحًا على عوالم مختلفة ، هذه العوالم التي تنفي صفة السكونية عن القراءة ، وتُبقي صفة التحول ؛ لأنه بإمكان القراءة النقدية أن تنسف ثوابتها المنهجية تواطئا مع انحرافات النص وصداماته الفكرية والفنية لتشكل علاقات جديدة قد تتعارض مع أصولها النظرية وآلياتها المنهجية ، فالناقد قد يحدد نوعية القراءة ويحاول أن يسيّر النص وفق آليات القراءة ، ويفاجأ وهو في منتصف الطريق أن ثمة توترًا نجم عن الالتزام بتلك الآليات ، فإما أن يكمل وهو مؤمن بخداع نفسه وخداع قارئه ، وفي هذه اللحظة يكون النص الضحية ، وإما أن يتوقف وهو يشعر بالأزمة التي تدفعه إلى تحويل مسارات القراءة ، وقد أشار عبد الله إبراهيم إلى تلك الإشكالية عندما أثبت ” أن علاقة الناقد بالمنهج نسبية، وهي علاقة متحوّلة لا تثبت على حال بين زمن وزمن، فضلا عن وجود اختلاف بين النقاد حول وظيفة المنهج بين مَنْ يراه قالبًا صارمًا ينبغي إخضاع النصوص له ومَنْ يراه دليلا يهتدي به لتحليل النصوص واستنطاقها. وفي ضوء ذلك يصبح الجزم برأي نهائي حول علاقة الناقد بالمنهج، وعلاقتهما بالظواهر المدروسة ضربًا من الادعاء الذي يتكفّل الزمن بإبطال مفعوله، وبعبارة أخرى، فكل حديث ينصرف إلى وصف مكتمل لهذه العلاقة يجد نفسه متورطًا في خضم سلسلة من الادعاءات التي لا تملك براهينها، لأنه ينطلق من افتراض عام، هو استقرار التجارب النقدية وثباتها، وانكفاء الناقد على نفسه فلا يتفاعل مع الكشوفات النقدية والمنهجية الجديدة، وهذا أمر خارج نطاق الإمكان بالنسبة لكل ناقد حقيقي، كون التجربة النقدية مفتوحة على آفاق لا نهائية”(2) .

ومن جهة أخرى فإن فكرة التغاير تتوافق مع ( القصدية ) ، التي تحدث عنها ( فان جوخ) (van gogh  ) قائلا :” إنني أريدك أن تعلم أنه إذا كان ثمة شيء جدير بالتقدير أو الاعتبار فيما أنا بصدد إنتاجه ، فإن هذا الشيء ليس وليد الصدفة ، إنما هو ثمرة لقصد حقيقي واقعي ونشاط إرادي غائي ” (3)

فلا يمكن نفي مبدأ ( صناعة النص ) ، فما صُدّر قديما عن قضية الإلهام والوحي الشعري وشياطين الشعر . أعتقد أنه يحتاج إلى مراجعة ، فالوعي بمكونات النص وآلياته وعلاقة التمركز الفكري لرؤيته وجمالياته جزء مهم من تشكيل النص وبنائه ، وليس معنى هذا أننا نتعامل مع ذات الفنان أو الجهد المبذول ؛ لأن الدراسة (الاستطيقية ) لا تضعنا إزاء فنانين أو مبدعين ، إنما تضعنا وجها لوجه أمام أعمال فنية أو إبداعات راسخة .

ويجب أن يؤمن الناقد – في ظل تعامله مع النص المتغاير – أنه لا يتعامل مع نص اللذة – بمفهوم بارت – الذي يهب الغبطة وينحدر من الثقافة الواحدة ، فلا يحدث قطيعة معها ، ويرتبط بممارسة مريحة للقراءة ، بل يتعامل مع نص المتعة _ بمفهوم بارت أيضا – الذي ” يجعل من الضياع حالة ، وهو الذي يحيل الراحة رهقًا ، فينسف بذلك الأسس التاريخية والثقافية والنفسية للقارئ نسفًا ، ثم يأتي إلى قوة أذواقه وقيمه وذكرياته فيجعلها هباءً منثورًا ، إنه ليظل به كذلك حتى تصبح علاقته باللغة أزمة ” ، فخلخلة العلاقات الفكرية الراسخة لدى القارئ ، وزعزعة الثوابت الإيديولوجية والتاريخية يعد نوعًا من التحول ، ولا يتأتى هذا التحول إلا بالتعامل مع نص ذي طبيعة خاصة ورؤية خاصة ، هذا النص الذي يمنح القارئ المتعة ؛ متعة الكشف ، متعة التفكير في المضمر ، متعة قراءة المختلف وتأويله ، وهذه المتعة تتحقق في الابتعاد عن مألوف القراءة ومعتاد التحليل ، والانحراف بالمسارات الشكلية والنمطية إلى العلاقات القرائية البكر ، وقد عبر بارت عن ذلك فقال : ” لذتي تستطيع أن تجعل الشكل انحرافًا . وإن الانحراف ليقع في كل مرة لا أحترم فيها الكل . فأمكث ثابتًا ودائرًا حول متعة شرسة تربطني بالنص (بالعالم) . ولفرط ظهوري هنا وهناك أبقى معلقًا بإرادة الوهم والإغواء والتهديد اللغوي ، مثل سدادة يحملها الموج ” (4).

موضوعات متعلقة:

النص المتغاير وعلاقات التحول الدلالي مقاربة تأويلية في الشعر الحداثي (2)

النص المتغاير وعلاقات التحول الدلالي مقاربة تأويلية في الشعر الحداثي (3)

النص المتغاير وعلاقات التحول الدلالي مقاربة تأويلية في الشعر الحداثي (4)

النص المتغاير وعلاقات التحول الدلالي مقاربة تأويلية في الشعر الحداثي (5)

النص المتغاير وعلاقات التحول الدلالي مقاربة تأويلية في الشعر الحداثي (6)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img