النص الموازي: عتبات التأويل قراءة في نماذج شعرية مختارة لشعراء الألفية الثالثة (1)

د. مصطفى بيومي عبد السلام أستاذ النقد الأدبي المشارك كلية دار العلوم – جامعة المنيا

(1)

ربما أعتقد أن فكرة النص الموازي أو عتبات التأويل التي اقترحها “جيرار جينيت” Gerard Genette لا يمكن فهمها إلا من خلال فكرة البويطيقا البنيوية، والتطوير الذي قدمه “جينيت” لها. بدايةً لا أريد في هذه الدراسة – التي يتوجه هاجسها الأساسي إلى قراءة نماذج شعرية مختارة لشعراء الألفية الثالثة، وعلى وجه التحديد لشعراء تقع أعمارهم العقد الثاني أو تجاوزا هذا العقد بأعوام قليلة على وجه التقريب، وكان مولدهم في العقد الأخير من الألفية الثانية – أن أقدم شرحًا تفصيليًا للبويطيقا البنيوية، لكن ما أفعله هو الإشارة الموجزة للغاية إلى علاقة فكرة النص الموازي بالبويطيقا كما طرحها جينيت.

في كتابه “البويطيقا البنيوية” (1975)، الذي أسهم مع كتابات أخرى في ترويج الوعي البنيوي داخل الأكاديمية الأمريكية، يطرح ” جوناثان كولر”  Jonathan Culler أن البويطيقا هي نظرية في القراءة ولديها تاريخ طويل يمتد إلى بويطيقا “أرسطو”، لكن البنيوية أعادت تركيز الانتباه إلى فكرة البويطيقا بعيدًا عن تلك التقاليد، وكان ما يشغلها هو الأنساق أو الأنظمة، ويستشهد “كولر” بمقولة “جينيت” التي ترى أن الأدب “يشبه أي نشاط آخر للعقل، يتم تأسيسه على مواضعات Conventions لا يكون، مع بعض الاستثناءات، على وعي بها”[1]. هذه المواضعات أو الأنساق هي ما شغلت البويطيقا البنيوية، ولكي يتم وصف هذه الأنساق وتلك المواضعات، فإن البنيوي أو البويطيقي يقوم بعملية عزل لهذه الأنساق ليصبح الأدب كيانًا مغلقًا على نفسه، ترتد فيه النصوص الأدبية المتنوعة إلى أنساق كلية أو بنية عامة مجردة تشبه كلية العقل الإنساني.

وربما أتصور أن “جيرار جينيت” يؤمن بفاعلية النسق المغلق، ويثق في الطرح البنيوي لفكرة البويطيقا. هذا ما دفع “ريتشارد ماكسي”، في تقديمه للترجمة الإنجليزية لكتابه “النصوص الموازية: عتبات التأويل” (1997)، إلى أن يصف “جينيت” بأنه “المكتشف الجسور والمثابر إلى حد كبير في زمننا للعلاقات بين النقد والبويطيقا”[2].

لقد افتتح “جينيت” كتابه “طروس” باستعادة ما طرحه سلفًا في كتابه: “مدخل إلى النص الجامع” (1979) من أن موضوع البويطيقا “ليس النص المنظور إليه من خلال تفرده أو تميزه (فتلك مهمة النقد على نحو ملائم للغاية)، ولكن بالأحرى جامع النص Architext أو النصية الجامعة Architextuality، إن أراد المرء ذلك”[3]. هذه النصية الجامعة يمكن أن يقال عنها، كما يتصور “جينيت”، إنها تشبه أدبية الأدب، وهي تعني “مجموع الأصناف العامة والمتعالية (أي أنواع الخطاب وأشكال التلفظ والتعبير، والأنواع الأدبية)، التي ينبثق منها كل نص مفـرد”[4]. في كتابه “طروس” يعاود “جينيت” النظر في موضوع البويطيقا محاولاً أن يقدم تطويرًا لموضوعها أو بالأحرى توسعًا يشتمل على العلاقات بين النصوص، ويصبح موضوع البويطيقا ليس فقط النصية الجامعة، وإنما يخص أيضًا “النصية المتعالية” Transtextuality أو “التعالي النصي للنص”، التي تم تعريفها من قبل بطريقة أولية بوصفها “كل ما يضع النص في علاقة، سواء كانت واضحة أو خفية، بنصوص أخرى. فالنصية المتعالية تسير أبعد من ذلك وفي الوقت نفسه تفترض أو تتضمن النصية الجامعة، بالإضافة إلى أنواع أخرى للعلاقات النصية المتعالية”[5].

عند هذه النقطة يقدم “جينيت” خمس تصنيفات للنصية المتعالية أو التعالى النصي للنص، تشكل، فيما أتصور، العلاقات النصية المتعالية. يمثل “التناص” النوع الأول من أنواع العلاقات الخاصة بالنصية المتعالية، ويشير “جينيت” إلى أنه تم اكتشافه من قبل “جوليا كرستيفا”، لكنه لا يحدثنا عن طبيعة الاكتشاف بل يقرر سريعًا بأنه يعرفه في معنى مقيد للغاية وهو: “علاقة حضور مشترك Copresence بين نصين أو عدة نصوص”[6]، أو بعبارة أخرى: “الحضور الفعلي لأحد النصوص داخل نص آخر”[7].

والنوع الثاني من أنواع النصية المتعالية هو ما يطلق عليه “جينيت” “النص الموازي” Paratext، وهي علاقة أقل وضوحًا وأكثر بعدًا، وقد خصص لها “جينيت” كتابًا بأكمله أشرت إليه سلفًا، ويقصد “جينيت” بالنص الموازي:

“جميع المعلومات أو البيانات Data الهامشية والتكميلية التي تدور حول النص: إنه يتضمن أو يشمل (أي النص الموازي) ما قد يطلق عليه المرء العتبات المتنوعة: الخاصة بالكاتب أو المحرر(أي العناوين، والإعلانات عن المنشور، والإهداءات، والعبارات المقتبسة التي يتصدر بها كتاب أو فصل من كتاب، والمقدمات، والملاحظات)، والمرتبطة بالوسائل الناقلة Media (أي المقابلات مع الكاتب، والملخصات الرسمية)، والعتبات الخاصة (أي المراسلات والانكشافات المدروسة وغير المدروسة)، ويضاف إلى هذه الأشياء الأدوات المادية للإنتاج والتلقي”[8].

والنوع الثالث من أنواع النصية المتعالية هو ما يطلق عليه “جينيت”: النصية الشارحة Metatextuality، وهي العلاقة “الملقبة عادة بـ”التعليق” Commentary، إنها تربط نصًا معين بنص آخر، يتحدث عنه دون الاستشهاد به بطريقة ضرورية (أي بدون استدعائه)، بل أحيانًا بدون تسميته.. إنها علاقة نقدية متقنة”[9]. ويشير “جينيت” إلى أنه تمت دراسات كثيرة حول شرح النصوص الشارحة Meta-Metatexts، ولكنه غير متأكد إن كانت هذه الدراسات قد تأملت تلك العلاقة أم لا[10].

والنوع الرابع يطلق عليه “جينيت” مسمى “النصية المتفرعة”، ويقصد به “أي علاقة تربط نصًا ما (B) (وسوف أطلق عليه النص المتفرع Hypertext) بنص سابق (A) (وبالطبع سوف أطلق عليه النص الأصلي Hypotext)”[11].

أما النوع الخامس والأخير من النصية المتعالية، الذي ذكره “جينيت” قبل النوع الرابع، فإنه يخص النصية الجامعة التي تحدثنا عنها من قبل، وهو نوع أكثر تحديدًا وأكثر تضمنًا، ويشتمل “على علاقة تكون صامتة أو ساكنة Silent بطريقة كاملة، ويتم التعبير عنها بالتنويه النصي الموازي”[12]، أي ما يظهر على صفحة الغلاف مثل: قصائد، أو مقالات، أو رواية، أو قصة، أو غير ذلك. هذه العلاقة تشير إلى الخصوصية النوعية للنص وما يقوم بتحديد هذه الخصوصية ليس النص ذاته، وإنما القارئ أو الناقد أو الجمهور على وجه العموم، “فهؤلاء قد يرفضون الأوضاع المزعومة للنص عن طريق نصه الموازي”[13].

إن ما يعنينا في هذا التقديم النظري الموجز هو مفهوم النص الموازي أو عتبات التأويل التي تشتغل في تلك الدراسة، لكن يجب الانتباه إلى أن هذه الفكرة متصلة بشكل أو بآخر بالبويطيقا بوصفها التقرير التنظيمي للخطاب الأدبي، أو التقرير المتصل ببنيته ونسقه. عند هذه النقطة لا يمكن معالجة النص الموازي أو عتبة التأويل بوصفها جزيرة منعزلة عن بنية النص، ولا يمكن أن يكون النص الموازي عرضة لتأويلات مفرطة من قبل القارئ يرى فيها ما يشاء، ويتخيل ما لا يحتمله النص، إنها فاعلية تأويلية للولوج إلى عالم النصوص.

أشرت سلفًا إلى أن هذه الدراسة يتوجه هاجسها الأساسي إلى قراءة نماذج شعرية مختارة لشعراء الألفية الثالثة، وعلى وجه التحديد لشعراء تقع أعمارهم في العقد الثاني أو تجاوزا هذا العقد بأعوام قليلة على وجه التقريب، وكان مولدهم في العقد الأخير من الألفية الثانية. هؤلاء الشعراء يقدمهم بيت الشعر بالأقصر (مصر)، وهم شعراء موجودون في الساحة الشعرية المصرية والعربية. وقد وقع الاختيار على شاعرين هما: جعفر أحمد حمدي، ومحمد هشام مصطفى.

حرصًا على الاختصار، لم أذكر في الهامش إلا اسم المؤلف متبوعًا بتاريخ صدور الكتاب، ورقم الصفحة، وإذا كان لمؤلف واحد كتابان صدرا فى تاريخ نشر مشترك، فإننا نعطى الأول منهما رقم (1) والثانى رقم (2) تأتى بعد تاريخ النشر؛ أما عنوان الكتاب ومكان صدوره سيجده القارئ مفصلًا في الببليوجرافيا الخاصة بالمصادر والمراجع المثبتة في نهاية الدراسة.

[1]   Culler, Jonathan (1975), P. 116.

[2]  Genette, Gerard (1997-1), P. xii.

[3]  Genette, Gerard (1997-2), P. 1.

[4]  Ibid, P. 1.

[5]  Ibid, P. 1.

[6]   Ibid, P. 1.

[7]   Ibid, P. 2.

[8]   Genette, Gerard (1988), P. 63.

[9]   Genette, Gerard (1997-2), P. 4.

[10]  See, Ibid, P. 4.

[11]  Ibid, P. 5.

[12]  Ibid, P. 4.

[13]  Ibid, P. 4.

الجزء الثاني من الدراسة:

النص الموازي: عتبات التأويل قراءة في نماذج شعرية مختارة لشعراء الألفية الثالثة (2)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img